مثلما شغلت التحولات الكبرى في روسيا الاذهان في مطلع القرن, هاهو المشهد يتكرر, مع تعديلات فرضتها عوارض الزمن, في نهاية القرن. ولكل المشغولين بهذا الذي يجري هناك عذرهم, فالامر يتعلق بدولة بالغة الاهمية على سلم المكانة الدولية, اقله على الصعيد الاستراتيجي والامني . ان روسيا المأزومة بالبحث عن خيارات اجتماعية واقتصادية ونظامية, قد تتلخص جميعها في عبارة البحث عن ايديولويجة للحركة السياسية داخليا وخارجيا, ليست دولة هامشية ضعيفة الاصداء اقليميا ودوليا. وليس ثمة مصلحة عالمية مؤكدة. طويلة الأجل في تركها نهبا للاضطراب والفوضى. وتنطبق هذه الملاحظة على المحيطين بروسيا عن قرب والمتابعين لاحوالها عن بعد. والفكرة هنا, ان سوابق الحالة الروسية معدومة تقريبا فنحن ازاء ازمة شاملة في دولة كانت منذ بضع سنين احدى القوتين العظميين في العالم. دولة مازالت تستحوذ على عشرات الالآف من الرؤوس النووية ولا توجد ضمانة لان لا تنعكس مظاهر الاضطراب النظامي, على التوجهات الخارجية, بما في ذلك وقوع مزيد من خبرات الصناعة العسكرية او حتى الاسلحة ذاتها, بين يدي من لايقدر تبعتها. وبصفة عامة. ليس لدينا نموذج للقياس نقارن على اساسه ونخمن الى اي مدى يمكن ان تكون الازمة محكومة ــ أو تحت السيطرة ــ في دولة تحدث فيها اضطرابات ساخنة اجتماعية واقتصادية وسياسية, بجوار آلة عسكرية جبارة داخليا وألة سياسية قوية خارجيا (مثلا عضوية مجلس الامن ومجموعة الدول الصناعية G8) . رب سائل عن اسباب تضخم المخاوف بهذا القدر هذه المرة؟ فلقد مضى على حالة القلق النظامي في روسيا أكثر من عشرة اعوام.. وظلت التقاعلات هناك تحت السيطرة.. بل لقد انتقل النظام من النقيض الى النقيض, من الاشتراكية على طريق الشيوعية الى اقتصاد السوق والليبرالية, ولم تؤثر هذه التحولات بشكل بارز الا في موضعها ونزعم ان هذه المقاربة تفتقر الى الدقة. تقديرنا ان الازمة المحتدمة الان تمثل طور الذروة ولحظة الحقيقة بالنسبة لمصير التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في هذا البلد, انها ازمة نظام سياسي وازمة توجهات دولة ومن هنا تتأتى المخاوف.. ولتوضيح الفكرة نلاحظ, ان النظام الامريكي مثلا, يواجه ازمة معينة في كنف فضائح الرئىس لكنها في التحليل الاخير, تظل ازمة محدودة التداعيات, يمكن محاصرتها فهي لاتتصل بفلسفة الحركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للنظام.. بل تجري تحت سقف الليبرالية الديمقراطية بتجربة امريكية ولايتصور احد انها يمكن ان تعصف بهذا السقف وفلسفته. وليس هذا بالطبع هو حال الازمة الروسية.. حيث ازمة النظام هي من فيض الاختلاف الاعمق حول الفلسفة والايديولوجية الحاكمة. هناك بعبارات اخرى, قناعة قلقة جدا بجدوى التحول عن الاشتراكية واقتصاد الدولة, والا فما معنى ان تشغل القوى الشيوعية اغلبية البرلمان المنتخب, فيما تمثل السلطة التنفيذية جماعة العاكفين على التحول الرأسمالي؟ ان الجماعتين هناك لا تنتميان الى التوجهات الايديولوجية ذاتها, ولاتعملان من داخل الحقل الفكري ذاته ولا من اجل التوجهات ذاتها. الصدع داخل النظام الروسي اوسع من ان تتم معالجته عبر اجراءات تلفيقية أو حتى بالحسم المسلح السريع. وقد سبق ان جرب الرئيس الروسي هذه الاجراءات, حين قصف المجلس النيابي بالقنابل في عمل قيصري بالغ الرعونة والدكتاتورية ولكنه في هذه المرة اضعف من ان يفعلها ثانية والذي يبدو حتى الان هو الرغبة في حلول اخرى سياسية المضمون, يظهر فيها يلتسين تراجعا واضحا, تحت ضغط عام لا قبل له, واشياعه بمواجهته. من هذه الحلول, التخلي عن بعض سلطاته واحالتها الى رئيسي الوزراء ومجلس النواب, والشروع في تعديلات دستورية تقوي السلطة التشريعة, التي اتفقنا على ان اغلبيتها شيوعية الهوى. وثمة مايبرر توقع ان تمضي الضغوط الى عزل الرئيس يلتسين بعمل شبه انقلابي شأنه شأن اي رئيس متسلط في دولة من العالم الثالث, ثبت فشله في ادارة النظام بعد ان منح الفرصة لنحو عقد كامل. وهذه جميعها نتائج لم تبلغها تفاعلات الازمات السابقة منذ بداية التحول النظامي في روسيا. على ان الصدع النظامي, هو كما اشرنا, انعكاس لصدع اكبر في توجهات الدولة وخياراتها الايديولوجية, فالذي يبدو من ظاهر الحال ان الانهيار الاقتصادي, وشيوع الفساد المالي والاداري وانتشار المافيات متعددة الاسماء والوظائف.. يعزي الى التحول عن النظام الاشتراكي وارتخاء قبضة الدولة ونبذ التخطيط العام. المجتمع الروسي, يترحم على ايام سطوة الدولة, ويرى ان عيوب التوجه الرأسمالي والاقتصاد الحر, أكبر بكثير مما كان عليه الامر ابان العهد الاشتراكي, هو يرى ان التحولات غير الاشتراكية ذهبت بنتائج جهده الى قلة (مجرمة منحرفة) واوردته موارد الفاقة واطاحت بمكانته الدولية بلا عائد حقيقي على مستوى معيشته. من هنا, قد يلاحظ المرء وجود انشقاق حقيقي في العقل الروسي الجمعي ازاء مستقبل الفلسفة الاجتماعية الاقتصادية السياسية التي ينبغي التقيد بها. ولا نعتقد ان اشكالية كهذة مؤهلة للحل في وقت قصير. اساس هذا الاعتقاد, ان العودة الى زمن الاشتراكية ليست مسألة اتوماتيكية. فخلال سنوات التحول القليلة الماضية, تغلفت في تضاعيف الحياة الروسية مجموعة من القيم, التي يصعب الفكاك من اسارها. ان روسيا الرأسمالية, دولة مدنية لمؤسسات دولية تتبع في نهاية المطاف اعداء الامس الايديولوجيين. كذلك فقد تخلفت بنية الاقتصاد الروسي وطالتها عوامل التحلل.. كما ان الاسباب التي عجلت بانهيار دولة الاشتراكية مازالت موجودة, لذلك, ولغيره مما يعز عن الذكر الان, سوف يراوح المجتمع الروسي ــ والدولة بين نزوع وجداني الى عهد ولى, واحباط قائم من بديل مضطرب. ولان معالجة ازمة النظام مرتبطة بقوة بمعالجة ازمة الدولة وخياراتها الايديولوجية, ولان الاستمرار في وتيرة التحول يفضي الى كوارث, في الوقت الذي لايمكن فيه التراجع الى العهد الاقل بالكامل دون كوراث اخرى.. لهذا كله, فان الخيار المطروح حتى اشعار آخر, هو محاولة الاخذ بحلول وسيطة ما أمكن. وهذا هو عين مايدعو اليه فريق رئيس الوزراء تشيرنوميردين ونفر من اتباعه, وذلك بان يتم تقليص سلطات الرئيس يلتسين من جهة, مع تقوية دور النواب على الوزارة, واستعادة الدولة لزمام المبادرة الاقتصادية في بعض القطاعات (كالقطاع المالي والمصرفي) , انها عملية اشبه بالطريق الثالث بين الاشتراكية والرأسمالية ولكن المضي فيها محفوف بالهواجس فالدوائر الاقتصادية الدولية والقوى المحركة لها في الخارج, قد يكون لها رأيا أخر ثم ان استشعار البرلمان وقواه الغالبة (الشيوعيين) لمزيد من الثقة, ربما أغرت باجراءات اكثر حسما, يجري عبرها الانتقام من الذين دفعوا روسيا (العظمى) الى هاوية اللاادرية النظامية داخليا والى مركز الدول ضعيفة المكانة قليلة الفاعلية الدولية خارجيا,, وعمل من هذا القبيل, قد يؤدي الى فوضى اجتماعية سياسية تفاقم الوضع الحالي. وفي كل الاحوال فان خروج روسيا من نفق الازمة مرهون بحدوث توافق ارادي بين توجهات النظام ونخبة الحكم وخيارات القطاع الاعرض من الشعب.. وهذه قضية يصعب التكهن حول متى وكيف يمكن ان تتم. بقلم: محمد خالد الازعر