يتابع العالم مجريات الأحداث والتطورات في روسيا لحظة بلحظة في ظل تدهور الاوضاع في هذه البلاد التي كانت الى قبل سنوات معدودة قوة عظمى ترعب العالم بترسانتها العسكرية والنووية ونشاطها الايديولوجي الذي كان يتحدى الغرب الرأسمالي وينازعه النفوذ في مراكز شتى من دول العالم ... روسيا اليوم دولة ضعيفة تنهار وتنتظر الشفقة الامريكية والغربية لانتشالها ومساعدتها اقتصاديا من خلال صندوق النقد الدولي وقروضه المقترنة بسلسلة من الشروط والالتزامات. روسيا التي ما زالت تمتلك الأسلحة النووية والصواريخ الاستراتيجية وآلاف العلماء والخبراء تعيش اوضاعا اقتصادية مأزومة وينتشر بشوارعها المتسولون وعملتها تتهاوى امام العملات الصعبة رغم امتلاكها للذهب الاسود والأصفر والغاز بكميات كبيرة, ويجري حاليا افراغ بنوكها ومصارفها من العملات الصعبة خوفا وهلعا من تدهور الاقتصاد وانهيار الدولة. ان قراءات بعض المراقبين تحذر من اندلاع فوضى شاملة سيما وان مؤشرات التوافق السياسي غير واردة في ظل تشدد المعارضين وعلى رأسهم الشيوعيين الذين وضعوا اسقاط يلتسين نصب اعينهم حتى يتمكنوا من تشكيل الحكومة ومحاولة اعادة امجادهم الغابرة في العودة للاقتصاد الموجه واثبات فشل اقتصاد السوق كنمط رأسمالي غير ملائم في البيئة الروسية التي اعتادت على العيش في ظلال الاشتراكية! ان العالم بات يترحم على الامبراطورية الحمراء التي كانت تمثل توازنا كونيا رادعا لاي تسلط من اي قوة عظمى كانت تسعى للهيمنة والانفراد, اما اليوم فان امريكا اضحت تحكم العالم وتتقمص دور الشرطي في ظل النظام العالمي الجديد, واذا كان الروس هم أول الخاسرين لانهيار تلك التوازنات الدولية فان دويلات العالم تشاركها هذا الاسى. من المسؤول عما يجري بروسيا, هل هو الرئيس يلتسين, ام السلطة التنفيذية ام البرلمان ام الفلسفة الاقتصادية التي بدأت بالخصخصة وبيع مؤسسات القطاع العام وشردت آلاف العمال من وظائفهم وحرمت الجنود وموظفي الدولة من مرتباتهم لاشهر عدة, ووفقا للخبراء الاقتصاديين فالنقلة الى اقتصاد السوق وفي حالة كروسيا كانت تتطلب تدرجا بالاجراءات والنظم وليس القفز على واقع سياسي واقتصادي استمر سبعين عاما وتجذرت معه مفاهيم ونظم اجتماعية وسلوكية ليس من السهل استبدالها بين ليلة وضحاها. ازاء ما يعتمل في روسيا من تطورات ومستجدات التي هي محل رصد ومتابعة من كافة اقطار العالم.. هل يراهن الرئيس الروسي يلتسين على الدور الامريكي لانقاذ بلاده مما هي فيه من خلال دعمها المالي والاقتصادي في المؤسسات المالية والدولية وهل تنتظر روسيا وصفة علاجها من الخارج لتطبيبها واستئصال الاورام الخبيثة؟ مما لاشك فيه ان الازمة داخلية بدرجة اساسية... ازمة نظام سياسي وقيادة.. ازمة اقتصادية واجتماعية وقيمية بات يعيشها افراد الشعب الروسي الذي يمر بتحولات دراماتيكية قلبت كل المفاهيم والمبادئ التي على اساسها تأسست دولتهم العظمى (الغابرة) بعد ثورة البلاشفة عام 1917 على انقاض حكم القياصرة. الفساد ينخر جسد الدولة الروسية باعتراف مسؤوليها وقادتها ولذا فالمأزق يواجه الجميع.. الامر الذي يحتم على الرئيس يلتسين ادراك ما يجري وتقدير الامور وفقا لما وصلت اليه من تدهور, ولذا فهو مدعو للتنازل عن جزء من صلاحياته التي ليس لها نظير في الانظمة الديمقراطية, وكذا اعطاء دور بارز للبرلمان ومؤسسات المجتمع المدني كي تمارس دورها المساند للنظام السياسي ناهيك عن ضرورة اتخاذ اجراءات اقتصادية صارمة تعيد الثقة للنظام المصرفي الروسي وتحافظ على قيمة العملة كي لا ينزلق الوضع الى انهيار شامل يهدد كيان روسيا ذاتها.
