تضافرت مجموعة من التطورات النوعية في منطقة آسيا الوسطى مع بعض الاحداث الداخلية والدولية لتعيد منطقة بحر قزوين والجمهوريات المطلة عليه الى بؤرة الاهتمام الاقليمي والدولي , وتطرح معها جملة من التكهنات والتخمينات والتوقعات حول معادلات التوازن التقليدية وحساباتها البعيدة, في ظل تنامي الحديث بشأن ثروات المنطقة وأساليب وأدوات توزيعها بصورة تبعد أشباح التوتر والتي خيمت على أجواء المنطقة, منذ ان قامت العديد من شركات النفط والغاز الدولية بتدشين معداتها في المنطقة وبدء اجراءات تنفيذ مخططاتها الاستثمارية مدفوعة بايحاءات من بعض القوى الكبرى الراغبة في دعم نفوذها الاستراتيجي في منطقة أكدت بعض الدراسات انها تعد واحدة من أهم المناطق الزاخرة بالاحتياطيات النفطية. وتشابكت أهداف الشركات ومن يقف خلفها مع المصالح القومية لعدد من الاطراف الاقليمية. الأمر الذي ألقى بظلاله على شبكة التفاعلات الاقليمية, وبعث باشارات متباينة حول مستقبل هذه المنطقة التي لاتزال الكثير من معالم ترسيم حدودها السياسية غامضة. فهناك تطورات الاحداث في أفغانستان قد قلبت جزءا كبيرا من الملامح الجيو ــ استراتيجية التي ظهرت مؤشراتها خلال العامين الماضيين, ومعادلات التوازن المتعارضة مع بعض السياسات والاستحقاقات الاقليمية, حيث بدت الولايات المتحدة الامريكية على أعتاب مواجهة ممتدة مع حركة (طالبان) بسبب خلافهما حول تسليم بعض العناصر الاسلامية المطلوبة أمنيا, وذلك على الرغم من العلاقة الجيدة التي حكمت التوجهات المشتركة في الماضي, والتي وصلت الى حد تأكيد كتابات غربية وآسيوية عدة بأن طالبان هي صنع واشنطن واسلام اباد. ومن ثم فإن التكهن بمستقبل العلاقة على درجة من القتامة السياسية في الوقت الراهن, لاسيما وان الحسابات الامريكية في أفغانستان تبدو قريبة من الاحداث التي تجري في فنائها الخلفي, سواء في جمهوريات بحر قزوين المعروفة, أو في روسيا أو في ايران. كما ان هذه الجبهات بدأت خلال الأسابيع الأخيرة تتجاذبها مجموعة من المصالح التي أفضت الى انقلاب بعض المعادلات التقليدية التي ظهرت بعض معالمها مؤخرا, حيث أحدث قيام روسيا بتوقيع اتفاق مع كازاخستان حول استثمارات ببحر قزوين دويا في الأوساط الايرانية التي حاولت التعاطي معه برؤية هادئة, تأسيسا على أرضية علاقتها الجيدة مع موسكو. وسعت الى تعميم رؤيتها للترتيبات الاقتصادية بطريقة محكومة ببعض الضوابط والاستنتاجات السياسية للتطورات. بما أفادها في تفويت الفرصة على بعض الدوائر التي أرادت تفتيت أواصر علاقتها مع موسكو انطلاقا من ان وجود تحالف مشترك بينهما سيقوي أولا من الطموحات الايرانية وثانيا قد يعيد الآمال الروسية الى دائرة الضوء مرة اخرى. وعلى ذلك قطعت طهران شوطا ايجابيا في اتجاه التوصل الى اتفاق مع موسكو لتقاسم ثروات بحر قزوين. وهو ما قد ينهي جزئيا بعض الاشكاليات التي أفرزها تدفق ينابيع النفط في آسيا الوسطى وتجذر الخلافات بشأن وسائل وأدوات تقسيمها. غير ان هذا الاتفاق اذا كان سيعزز من الروابط التقليدية بين موسكو وطهران, فإنه سيضاعف من حجم القلق الأمريكي. ليس لأنه من الممكن ان يساعد روسيا على تدعيم تفاهماتها المشتركة مع الجمهورية الاسلامية في ايران, بل لأنه سيمنح الأخيرة الكثير من المزايا النوعية. وسيؤثر حتما على سياسة الاحتواء والتطويق التي تمارسها واشنطن مع طهران. وفشلت في احراز تقدم ملموس على أصعدتها المختلفة. كما انه سيغير من خريطة الحسابات السياسية فيما يتعلق بالتضارب في رؤى الاطراف حول أساليب تقسيم ثروات بحر قزوين التي لاتزال محكومة بعدد من التوجهات الاقليمية للقوى ذات النفوذ في المنطقة, وعرضة لتداعيات مفتوحة من جراء المصادمات والحروب التي بدأت تتزايد بصورة ملحوظة في بعض دولها. وتضاعف من مخاوف امتداد أدوارها الى اقاليم أخرى. خاصة وان التركيبة العرقية والاثنية تبدو متشابكة ومعقدة بطريقة تبعث على القلق. وحتى يتسنى الالمام بالمعالم والمحددات الرئيسية لشبكة التفاعلات الاقليمية من الضروري تكثيف الضوء على طبيعة الثروات الموجودة والمؤشرات الحاكمة لتطوير العلاقة بين موسكو وايران, وموقف واشنطن منها وطبيعة أهدافها. وأدى تفكك الاتحاد السوفييتي الى عدد من الجمهوريات المستقلة لزيادة الدول المطلة على بحر قزوين الى خمس دول, بعد ان كانت ايران والاتحاد السوفييتي السابق الدولتين الساحليتين الوحيدتين عليه. وكانت الدولتان قد توصلتا الى معاهدة صداقة عام 1921 اعترفت بحدودهما في بحر قزوين, وهي المعاهدة التي استمرت كمحدد للوضعية القانونية للبحر حتى تفكك الاتحاد السوفييتي, وظهرت دول أذربيجان وتركمانستان وكازاخستان على ساحله , وبدأوا في القيام بأنشطة مستقلة في مجالات استكشاف البترول والغاز الطبيعي وغيرهما.. وبالتالي ظهرت حاجة ملحة لوضع نظام قانوني لبحر قزوين الذي تشير الكثير من التقديرات الى ان الاجزاء الغربية والشرقية والشمالية بها احتياطي بترول يقدر بــ 150 مليار برميل, واحتياطي غاز طبيعي يقدر بــ 75 تريليون متر مكعب. ومع بداية القرن المقبل يتوقع ان تنتج الدول الساحلية على بحر قزوين حوالي 12 مليون برميل بترول يوميا. لكن هناك عملية مراجعة لتلك التقديرات التي يقول بعض الخبراء انها على قدر من المبالغة, فالتقرير السنوي للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بلندن, يسخر من تقديرات وزارة الطاقة الأمريكية مثلا. ويؤكد ان أرقامها توحي ضمنا بأن منطقة قزوين تحتوي على ما يعادل 400 حقل عملاق, الذي من المعروف انه يحتوي على نصف مليون برميل من النفط القابل للاستخراج. وأشار التقرير الى انه لم يكتشف في العالم الآن سوى 370 حقلا عملاقا. وباختصار فإن نفط بحر قزوين قد يكون أقل أهمية بكثير مما يعتقد فيه الكثيرون, وبدلا من التقديرات التي ذهبت الى انه يشكل 16 بالمئة من الاحتياطي العالمي, من المحتمل ان تكون النسبة في حدود ثلاثة بالمائة. ولعل من الضروري ايجاد توازن بين الرقمين. ويقول بعض المراقبين (ان أصعب شيء الآن هو النظر بموضوعية الى بحر قزوين, لأنه مصدر مهم وجديد للنفط من خارج دول الاوبك, وهو مفتوح أمام الشركات الغربية, لكنه ليس بديلا عن الخليج أو حتى بحر الشمال..) . ومن اللافت للانتباه ان لدى ايران المقدرة على (افساد) الأوضاع لروسيا في المنطقة ,ويقول الخبير الاستراتيجي الأمريكي ادام تاروك ان طهران يمكن ان تستغل المشاعر المعادية للروس بين الشعوب في الشيشان وأذربيجان. ومن ثم فإن النهج الايراني غير الايديولوجي تجاه آسيا الوسطى يجعل موسكو أقل حساسية من أوروبا والولايات المتحدة تجاه ما يسمى بــ (التهديد الاسلامي) المرتبط بنفوذ ايران. ومن مؤشرات ذلك عدم تحدث أي مسؤول روسي رفيع المستوى علانية عن خطر يهدد الأمن القومي الروسي من الاصولية. وكانت أشد الانتقادات التي وجهت الى ايران هي, انها تنشر الاسلام (القومي) وغير (الصحي) في آسيا الوسطى. وعموما شهدت العلاقات بين روسيا وايران في الآونة الأخيرة تناميا ملحوظا على قواعد المصالح المشتركة في منطقة بحر قزوين, ولاقت التحركات الايرانية ازاء الموقف من القضايا المطروحة على ساحة هذه المنطقة استحسانا من جانب موسكو, حيث تميزت بدرجة عالية من الانضباط. وعلى سبيل المثال لم تنحز طهران في الحرب الأهلية بطاجيكستان بين الحكومة وجماعات المعارضة الاسلامية الأخيرة. وإنما أخذت موقفا (أمينا) في الوساطة بين الطرفين, في الوقت الذي تدعم فيه روسيا عسكريا الحكومة الطاجيكية. ومن أبرز العوامل التي ساعدت طهران على الوساطة بين الجانبين ثقلها الثقافي واللغوي وروابطها العرقية والدينية والاخلاقية القوية مع الطاجيك, وضعف الدور الافغاني. ورغم انتهاء مرحلة المواجهة بين الشرق والغرب واختفاء الحديث عن الحرب الباردة, الا ان المنافسة بين روسيا والولايات المتحدة لم تتوار تماما على الساحة الدولية. وفي هذا السياق كانت علاقات ومواقف واشنطن وموسكو أحد أبرز الجبهات التي لم يلتق عليها الجانبان. وتعتبر بعض الدوائر الرروسية ان مواصلة واشنطن وعدد من حلفائها اتهام موسكو بتقديم الدعم لطهران لانتاج أسلحة نووية وصواريخ بالستية لا تعدو كونها حجة للضغط عليها وخفض مستوى العلاقات مع الجمهورية الاسلامية, التي يمكن ان تعود على روسيا بخسائر اقتصادية وسياسية. وقد ذهب بعض المحللين والخبراء الروس الى ان جذور العلاقات بين موسكو وطهران تمتد في أعماق السياسة الداخلية لكل من البلدين. والمثير للانتباه ان جميع الشركات العاملة في المجال الاستثماري البترولي في تلك المنطقة تعي ان الحل الامثل لنقل مصادر الطاقة منها الى الاسواق الاستهلاكية يكمن في الانابيب الناقلة التي ستساعد على ربط الانابيب القصيرة الموجودة في هذه المنطقة, والمساهمة في تسهيل عملية نقل الطاقة المنتجة الى خارجها. لذا لجأت شركة (شيفرون) وسائر الشركات في الاتحاد البترولي الى تأسيس (اتحاد الانابيب الناقلة لطاقة بحر قزوين) لكي يتخصص بدراسة هذا الموضع على المدى الطويل, على الرغم من ان الخطوط المحتملة لنقل الطاقة من تلك المنطقة لا تخرج عن ثمانية مسارات أبرزها, المسار الذي يهدف الى نقل الطاقة باتجاه الخليج, ويتضمن الاعتماد على ايران كوسيط استراتيجي في عملية النقل, التي اعلنت بدورها تفاصيل خططها لمد شبكة من خطوط الانابيب ترمي الى نقل نفط بحر قزوين. ومن ناحية اخرى تستعد طهران لاستثمار مجموعة مداخيل في قطاع الطاقة بعد هدوء حدة التهديدات الامريكية بفرض عقوبات على الشركات التي تستثمر في الاراضي الايرانية. وفي هذا الاتجاه طرح نائب وزير النفط والغاز الايراني علي ماجدي رؤية بلاده لمنطقة بحر قزوين في يونيو الماضي, حيث اكد ان ايران تخطط لنقل نحو 1.6 مليون برميل يوميا من هذه المنطقة لأسواق العالم في أوائل القرن المقبل. وأن بلاده توفر أكثر طرق التصدير فعالية من حيث التكاليف لنقل احتياطات الطاقة, التي يعتقد انها تكمن تحت مياه بحر قزوين وفي الدول المطلة عليه. خدمة وكالة الاهرام للصحافة: طهران ــ البيان