الجنرال الكسندر ليبيد اكتسب شهرته ومكانته السياسية كقائد عسكري سابق, انتقل من صفوف القوات المسلحة الروسية الى خندق المعارضة الشعبية, وهو ابرز المرشحين لرئاسة روسيا في انتخابات عام 2000, وهو حاليا حاكم اقليم سيبيريا, أحد اغنى المناطق الروسية . وفيما تتناقض وتتشابك موقف التيارات السياسة الروسية تجاه الرؤية الراهنة انفرد ليبيد في الحوار الخاص والنادر مع (البيان) بطرح سيناريو بديل يتيح حلا شاملا للازمة, مشددا في الوقت نفسه على ضرورة استقالة الرئيس الروسي بوريس يلتسين. وفيما يلي نص الحوار: - ما هي طبيعة الازمة الروسية الراهنة؟ ــ ليبيد: تكمن جذور الازمة الروسية في حقيقة مؤداها ان الحكومة لم تنجز طيلة الاعوام القليلة الماضية اي اصلاح حقيقي, وأثمر هذا الفشل زيادة إفقار الشعب, وتدهور مستوى الانتاج, وبدلا من اتخاذ اجراءات عاجلة, أدمن الرئيس بوريس يلتسين والحكومة سرد الحكايات للشعب. ويمتلك الروسي صبر لا حدود له, ولكن اليوم حتى هذا الصبر بدأ ينفذ لسوء الحظ, ليس بمقدوري سوى استشراف سيناريو متشائم: استمرار ارتفاع معدل سعر الدولار الامريكي وتدهر قيمة الروبيل, وسيتدافع الناس لسحب مدخراتهم بالروبيل من البنوك لاستثمارها بأشكال مختلفة, وهذه الخطوة ستصيب النظام المصرفي بالشلل. وسوف يتزايد الطلب على العملات الاجنبية, ونتاجا لذلك, سترتفع الاسعار بنسبة 50% أو أكثر, وإجمالا سيؤدي ذلك الى المزيد من افقار الشعب الروسي, وستكون النتيجة الحتمية لإفلاس العديد من الشركات المالية, ومؤسسات الدول وشركات الاعمال الصغيرة والمتوسطة, هي زيادة حادة في حجم البطالة. ولقد ذكرت مرارا انني لاحظت هذه العلاقة الغريبة: عندما يتقاعس الناس ولا يعملون قدر استطاعتهم, توليهم الطبيعة ظهرها, وهذا ما حدث في روسيا العام الحالي, حيث اتسم موسم الحصاد بالكساد في مناطق كثيرة من روسيا الاوروبية وسيبيريا. وصار لزاما علينا استيراد اكثر من 70% من احتياجاتنا الغذائية لإطعام الشعب, والكساد سيزيد الامر سوءا, وفي نفس الوقت ينهار الروبيل. وكأن هذه المشاكل لا تكفي لاثقال كاهل روسيا, فلقد عمت البلاد موجة اضرابات عارمة, وهناك تخطيط لتنظيم مسيرات شعبية في 7 اكتوبر المقبل, وماسوف تفعله الاضرابات بالبلاد واضح: ستغلق السكك الحديدية, وتقطع الامدادات الكهربائية وربما ستؤدي الى انهيار شامل للاقتصاد الوطني. في ظل اجواء طبيعية يمكن تمويل زيادة الاجور وسداد القروض الاجنبية والمحلية بجباية المزيد من الضرائب, لكن مثل هذه الاجراءات في ظل الوضع الروسي الراهن لن يؤدي الا الى زيادة افقار الشعب. ولا سبيل امام روسيا لجلب العملات الاجنبية سوى بتصدير النفط, لكن العائد لن يكون فوريا, وليس بمقدورنا سوى الرهان على عنصر الزمن. ولن يجد يلتسين, في ضوء تدهور حالته الصحية, بصرف النظر عن تصريحاته, مهربا من الاستقالة, أو على الاقل, سيتخلى عن القيادة, ويكتفي بالجلوس على (دكة) الاحتياط, وهو ما يفعله الآن, وفي هذا الموقف, ربما ينتزع الدوما المبادرة ويشكل حكومة انتقالية للتحضير لانتخابات مبكرة. لكن ما عساهم يفعلون, فهذا السيناريو محبط وغير مشجع. - ماذا بعد, وما هي كيفية حل الازمة برأيك؟ ــ ليبيد: لقد عين يلتسين فيكتور تشيرنوميردين قائما بأعمال رئيس الوزراء, لكن حتى لو صادق البرلمان على تعيينه, فتبقى فرصته محدودة لتجاوز الازمة, ومع ذلك ليس امامنا سوى مساعدته. في رأيي, لن تحل الازمة الراهنة سوى بإجراءات قاسية. أولا, تأكيد الاصلاحات الاقتصادية عبر نقلها الى المناطق والاقاليم, ويجب ان تقلع الحكومة المركزية عن عرقلة المشروعات الاقليمية التي تتيح اطعامهم وتسديد أجورهم ودفع الضرائب للحكومة المركزية, ففي المحافظة التي أحكمها, على سبيل المثال, اقترحت افتتاح خط جوي عبر شمال سيبيريا, الامر الذي يحدث تغييرا جذريا في عمليات النقل الجوي بين روسيا وأمريكا, وسيخلق حجما غير عادي من العائدات المالية لسيبيريا. ثانيا: يجب بالتزامن مع أولا, تدعيم وتقوية الروابط البيئية للمحافظات والمناطق الروسية, وليست مجرد الروابط مع موسكو. وعلى المدى الطويل, تتضمن المهمة الأهم دفع عملية اعادة تقييم مجمل السياسة الجمركية, خصوصا على نقل المنتجات, ويجب صياغة هذه السياسة بكفاءة اقتصادية, ففي الوقت الراهن على سبيل المثال, عندما يتكلف منتج روبيل واحد فإن نقله سيتكلف عشرة روبيلات, ولا مجال للحديث عن كفاءة. يضاف الى ذلك, يجب سن قانون الملكية الخاصة ليصبح بإمكان الناس شراء وبيع الاراضي, ويجب ان تصدر الحكومة تطمينات وحصانة للاموال المصدرة في الخارج لتشجيع المواطنين على إعادتها الى روسيا. وبمقدوري ان أتوقع نجاح هذه الاجراءات كسبيل وحيد لكسر طوق الازمة الذي يحاصر روسيا, عبر نقل السلطة من موسكو الى الاقاليم, واحترام حقوق ملكية الافراد. - ما هي الهموم التي تؤرق سياسة روسيا الخارجية الآن؟ ــ ليبيد: تواجه روسيا الآن مشكلة المتطرفين المسلمين, الذين يمكنهم اختراق روسيا عبر طريقين, الأول عبر شمال القوقاز والثاني عبر الحدود مع جمهوريات آسيا الوسطى. ولو تمكن المتطرفون المسلمون من دخول روسيا والتغلغل عبر البلاد, سوف تشن حربا ضد هؤلاء المتعصبين المسلمين. ومنذ عامين, وفي أربع مناسبات متفرقة, أبلغت يلتسين بضرورة تقديم مساعدات عاجلة لأحمد شاه مسعود في أفغانستان وتمكينه من انتزاع منطقة في شمال أفغانستان تتيح له الصمود في وجه طالبان, الا انني لم اتلق اجابة أو ردا من هذا الرئيس الذي لا حول له, حتى أصبحنا في مواجهة طالبان. أجرى الحوار: جينريتش بروفيتش