EMTC

قضية عربية: شجون ضربة السودان

تعرض السودان لهجوم أمريكي مدمر ومفاجئ, أدى إلى تسوية مصنع للأدوية بالأرض . وأثار هذا الهجوم الذي قطع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون اجازته ليعلن عنه موجة من ردود الفعل العربية والدولية تراوحت بين التنديد وابداء القلق, قابلتها قلة من المؤيدين للضربة التي مسحت مصنع الأدوية, التي تزعم أمريكا انه ينتج أسلحة كيماوية, عن الخريطة وحولته إلى حطام. وقام السودان اثر الهجوم بحملة مضادة اعلامية ودبلوماسية واسعة النطاق لفضح المزاعم الأمريكية, فيما تمترست واشنطن خلف ادعاءاتها وراء الضربة. كيف ينظر المفكرون إلى ضربة السودان, وبأي زاوية ينظرون إليها, كيف ينظر المسؤولون السودانيون إلى الضربة, وهل تمكنوا من تحديد أدواتها سواء أكانت طائرات أم صواريخ كما يقول الأمريكيون. ما هي خيارات الخرطوم وكيف تفكر في إدارة معركتها. أسئلة شتى طرحتها (البيان) على مسؤولين سودانيين وعدد من الخبراء العرب وخرجت بهذه الحصيلة. السفير السوداني بالقاهرة يتحدث لـ(البيان): قصف(الشفاء)رسالة موجهة الى مصر حاورت (البيان) السفير السوداني بمصر احمد عبد الحليم, حول شجون الضربة العسكرية المباغتة التي وجهتها الولايات المتحدة الامريكية للسودان , وتقييمه لرد الفعل العربي على هذه الضربة وللرسائل التي تحملها وغير ذلك . وسعى السفير للتأكيد خلال اللقاء على التأكيد بان الضربة موجهة الى مصر شخصيا في سياق (اياك اعني فاسمعي ياجاره وهنا نص الحوار: - كيف تنظر الى الضربة الامريكية؟ - هذه الضربة عدوان غاشم على منشآتنا اصابتنا بأضرار اقتصادية وبشرية لامبرر لها الا مجرد اظهار القوة الامريكية على المجتمعات الآمنة بهدف لفت انتباه العالم وجذب انظاره بعيدا عما يحدث داخل الولايات المتحدة من فضائح تمس شخص الرئيس الامريكي كلينتون والتي قد تؤدي بمستقبله الى مصير مجهول, بعد ان ارتكب ما ارتكبه . كما انني اعتبر الضربة عدوانا على السيادة السودانية وحرمة اراضيه وهذا مالا يرضاه احد لنفسه ولا نقبله لانفسنا. شاهد من اهله - سيادة السفير ... المسؤولون في الادارة الامريكية اعلنوا ان لديهم ادلة على ان مصنع الشفاء للأدوية والذي تم قصفه ينتج مواد تدخل في تصنيع اسلحة كيميائية؟ - ... نتحدى الادارة الامريكية في ان تقدم للعالم الدليل على اننا ننتج مواد تستخدم في اسلحة كيميائية, واذا كانت الادارة الامريكية لديها الدليل فلماذا لم تتقدم به الى العالم لتثبت صحة موقفها من تورطها في توجيه ضربة عسكرية لدولة دون شرعية ايضا ... اذا كانت الادارة الامريكية على يقين من موقفها فلماذا اعترضت امام مجلس الأمن على ايفاد لجنة تقصي الحقائق التي طلبها مندوبنا بالأمم المتحدة الى المصنع لتحليل مابه والتحقق من اتهامهم سواء باثباته او نفيه. ويكفي ان الخبير البريطاني كارنفاي الذي عمل بالمصنع فترة طويلة رغم تأييد بلاده لتلك الاتهامات والضربة العسكرية - عقد مؤتمرا صحفيا ليؤكد ارضاء لضميره ان ماينتجه المصنع بعيدا كل البعد عن مواد كيميائية تدخل في تصنيع الاسلحة الكيميائية ... الا يكفي هذا للرد على تلك الافتراءات. - وماهو رأيكم في بيان الجامعة العربية تجاه تلك الضربة العسكرية وازاء موقف الادارة الامريكية؟ - اعتقد ان كل عربي قد كان سعيدا بعد الموقف الحاسم والواضح الذي اتخذته جامعة الدول العربية, وقد كان هذا القرار جليا وواضحا يدين القصف الامريكي لمصنع الشفاء للادوية, كما يعلن القرار مساندة جهود السودان في المنظمات الدولية والأقليمية المعنية , كما طالب المجلس من الولايات المتحدة الامريكية الكف عن الأعمال التي تمس سيادة الدول ويصر في ذات الوقت على مكافحة الارهاب بشرط ان يتم ذلك في اطار الشرعية الدولية ووفقا للقوانين والاعراف الدولية دون تجاوز للمنظمات والمؤسسات المعنية بهذا الأمر, كما يؤيد القرار بطلب السودان بارسال لجنة فنية لتقصي الحقائق عما اذا كان المصنع ينتج اسلحة كيميائية. ان القرار يدل على وقفة عربية واحدة صادرة في وجه اي اعتداء على دولة عضو في الجامعة, كما ان القرار ينبه الى ان الولايات المتحدة الامريكية تود ان تخترع طريقة جديدة للتعامل تأخذ القانون في يدها وتتجاوز على سلطات مجلس الأمن وهو اكبر جهة مسؤولة عن الأمن والسلام في العالم. كما ان قرار الجامعة كشف عن الموقف العربي الثابت ضد الارهاب باعتباره المنظمة الاقليمية الاولى التي تصدر عنها اتفاقية اقليمية لمكافحة الارهاب. خصائص أمة - هل للبيان الصادر من جامعة الدول العربية ازاء الاعتداء الامريكي على السودان معان اخرى او يحمل رسالة ما؟ - بالطبع فالقرار في مجمله يوجه رسالة الى كل من ينظر الى الأمة العربية على انها دول مفككة ومستضعفة ويستصغرها البعض وان ارادتها قد سلبت فعليه ان يعلم أن من خصائص هذه الأمة انها قادرة على جمع صفوفها في وقت الشدائد والازمات والملمات ولديها المقدرة على ان توازن بين كل القضايا, واعتقد ان هذه الوقفة العربية لابد ان تنبه كل من يستصغر العرب ويتجاهل حضارتهم الى ضرورة التفكير مرات عديدة. - وماذا يملك السودان في مواجهة الموقف الامريكي؟ - السودان لايملك الا اخاء العرب والمسلمين ولا يستطيع الرد على المزاعم الامريكية الا بالحقيقة, والحقيقة وحدها هي ملاذنا تجاه هذا الموقف, فعندما نقول ان المصنع لاينتج مواد كيمياوية نستطيع ان نثبت ذلك وتستطيع اي لجنة فنية محايدة تشكلها الولايات المتحدة الامريكية ان تثبت ذلك كما اعلن الخبير البريطاني بمبادرة شخصية منه دونما طلب من احد, وحقيقة ان المصنع يقوم باستيراد المواد الكيميائية الصحيحة وخلطها بنسب صحيحة ويدفع بها الى السوق. اما اذا كانت الادارة الامريكية لديها ما يثبت عكس ذلك لادانة دولة فعليها تقديم الدليل للعالم حتى تبرر اعتداءها عليها ولاتضع نفسها في ورطة؟ تحجيم مصر؟ - سيادة السفير ... اذا كانت امريكا لا تهدف ضرب الارهاب بالسودان - لانها لم تعلن عن ضرب قواعده - واذا كانت عاجزة عن اثبات او تقديم الدليل على انتاج المصنع لاسلحة كيمياوية ... فما هو الهدف اذن من وراء هذه الضربه العسكرية؟ - الذي حدث في السودان هو رسالة مقصود بها مصر, لان مصر مستهدفة في امور عديدة, باعتبارها قائدة العرب, كما انها اكبر دولة عربية, فان لم توجه الامة العربية للقيام بدور, فانها تستطيع القيام بهذا الدور الاساسي وحدها, ولذلك فانها تواجه حلفا استراتيجيا امريكيا - اسرائيليا يريد اذلال الأمة العربية والسيطرة على ثروات العرب, ولهذا فلابد من تحجيم مصر وهذا يأتي عن طريق محاولة فصل جنوب السودان, بمعنى خلق دولة معادية على المنابع العليا لمياه النيل, ورغم ان الأثر المباشر لهذا سيكون على السودان, الا انه يستهدف مصر ايضا, لان انفصال الجنوب يعني ان تقع منابع النيل الاساسية والمعبر الرئيسي تحت سيطرة جهات تتعاون مع اسرائيل واريتريا واثيوبيا واوغندا. ان هذا الهدف تخدمه عوامل كثيره من بينها ذلك الغول الجديد الذي يجتاح العالم والذي اطلق عليه اسم العولمة ذلك الشيء الذي يتحدثون من خلاله عن اتفاقيات عالمية لتحرير التجارة في حين نجدهم يضعون قيودا على صادرات الدول العربية خاصة السلع ذات الجودة العالية والسعر المنخفض , وهذه القيود تأتي في صورة يسمونها اغراق الاسواق في حين تجدهم يغرقون اسواقنا بسلعهم ويرفضون في الوقت نفسه وضع اي قيود امامها. ويشير السفير ان للعولمة اداة قوية ومؤثرة عالميا وهو الاعلام الغربي الذي يسيطر على العقول وعلى كافة الجهات بما يبثه للعالم من تصريحات حتى لو كانت غير صحيحة. والشيء بالشيء يذكر نجد ان الآلة الاعلامية اقنعت رئيس وزراء بريطانيا ان لدى الولايات المتحدة دليل ادانة السودان على انتاج اسلحة كيميائية وتورط في الاعلان بذلك لكن عندما سألوه رجال الاعلام في بلاده هل تحققت بنفسك منه, عجز عن اثبات ذلك؟! (البيان) تحاور خبراء شؤون استراتيجية ودولية وعسكرية حول الضربات الأمريكية لا شيء يخطف الأضواء على الساحات الاقليمية والعربية والدولية سوى تداعيات العمليتين العسكريتين الأمريكيتين ضد السودان وأفغانستان والتي تزعم الإدارة الأمريكية انهما استهدفتا ضرب أماكن ايواء الارهابيين. (البيان) وفي محاولة منها للوصول إلى رؤية تحليلية ومستقبلية لهذا التطور من النواحي العسكرية والاستراتيجية والدولية على الوضع العربي بشكل خاص والدولي بشكل عام استطلعت آراء عدد من المفكرين والخبراء المتخصصين في الشؤون الاستراتيجية والأمنية والعلاقات السياسية والدولية, مركزة على أربعة محاور هي: - تأثير العمليتين العسكريتين الأمريكيتين على الأمن القومي العربي وعلى جنوب السودان ودورهما في التوازنات الجديدة بالقارة الافريقية. - هل عكست هاتين العمليتين قدرة الأمريكيين مستقبلا على ضرب أي بلد عربي أو إسلامي دون الحاجة لدولة جوار لاطلاق الصواريخ؟ - علاقة هذه الغارات بمرجعية القوانين والأعراف الدولية, وبإزدواجية المعايير الأمريكية في النظرة للارهاب. - الرؤية العربية لمواجهة هذه الممارسات الأمريكية وايجاد تحرك دولي على أسس موضوعية لمعالجة ظاهرة الارهاب. بداية حرب من الناحية الاستراتيجية والعسكرية يتحدث اللواء أركان حرب طلعت مسلم الخبير البارز في الشؤون الاستراتيجية فيقول: في تقديري ان العمليتين العسكريتين الأمريكيتين ضد السودان وأفغانستان هما مجرد ضربة بداية لحرب أمريكية سوف تستمر وتتفاقم في المرحلة المقبلة ضد من تدعي أو تزعم أمريكا انهم يساندون أو يمارسون الارهاب ضدها, والرأي الخاص باستمرار هذه العمليات يمثل توجها ومسعا أمريكيا معلنا بالفعل من الإدارة الأمريكية والبنتاجون, وهو ما يعني ان واشنطن سوف تبقى تعطي لنفسها حق التحقيق والادعاء والحكم وتنفيذ الحكم لمجرد اتهامات توجهها إلى هذه الدولة أو تلك متجاهلة تماما القوانين الدولية التي تعودت أن تتشدق بها ومكتفية بأن تفعل ما تريده ثم تبلغ الأمم المتحدة بما فعلته بعد أن يحدث, وبهذا تستهين الولايات المتحدة بسيادة الدول وتتدخل في شؤونها الداخلية, وتستهين بالأرواح البريئة التي يمكن أن تسقط والقوانين والمواثيق الدولية التي تنظم التعامل مع المشكلات والأزمات الدولية والاقليمية. دلالات الهجوم ويشير اللواء مسلم: ان أهمية العمليتين العسكريتين الأمريكيتين ليست فيما حدث بقدر ما هي دلالات هاتين العمليتين والتي تستدعي أن نأخذ الأمور بجدية من حيث وضعها وتداعياتها الاستراتيجية وليس فقط مجرد رد فعل على حادثين في دولتين اسلاميتين ويمضي ليقول: - الدلالة الأولى: ان العمليتين انتهاك واضح للأمن القومي العربي لان الوطن العربي من وجهة نظري يمثل وحدة جغرافية واستراتيجية واحدة بحيث يمثل انتهاك سيادة أية دولة عدوانا مباشرا على بقية الدول العربية وهذه حقيقة وليست مجازا بالنظر إلى خصوصية الوضع العربي والأمن القومي والتحديات المحيطة والعدو المشترك. - الدلالة الثانية: إن ضرب السودان يمثل اضعافا للسودان واضعافا لمصر, وتقوية في المقابل لما يسمى بالتجمع السوداني المعارض في مواجهة الحكومة السودانية. - الدلالة الثالثة: إن انتهاك سيادة السودان يؤدي بالضرورة حسب المسعى الأمريكي إلى تدعيم القوى المحيطة بالسودان ضده مثل اريتريا واثيوبيا والتي تناصب السودان العداء وتعيش علاقة من التوتر والتدهور منذ سنوات واذا أخذنا بعين الاعتبار العلاقة الارتباطية المباشرة بين اسرائيل واريتريا والعلاقة بين هذين الطرفين والولايات المتحدة فإن المحصلة هي ان اضعاف السودان يخدم اسرائيل والمصالح الأمريكية في افريقيا والقرن الافريقي, والمؤكد هنا ان أمريكا حتى قبل هذه العملية الموجهة ضد السودان تسعى للعبث في الأمن القومي العربي وفي جنوب السودان ويبرهن على ذلك ان مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية اجتمعت مع جون قرنق قائد التمرد العسكري في جنوب السودان واتفقت معه على الاطاحة بالنظام الحاكم في السودان. هذا الأمر مضافا إليه العمليات العسكرية الأخيرة يكشف عن دخول مرحلة جديدة من التنسيق الأمريكي مع قرنق والدول المحيطة بالسودان متزامنة مع الضربات الأمريكية والعمليات العسكرية التي تقوم بها قوات التمرد من ناحية أخرى. الضرب من البحر وحول دلالة هاتين العمليتين العسكريتين الأمريكيتين من حيث قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على ضرب أية عاصمة أو مدينة عربية أو إسلامية أو غيرها دون أن يحتاج أو يستدعي ذلك اللجوء إلى استخدام أراضي دولة أخرى لانطلاق الطائرات والصواريخ الأمريكية يقول اللواء طلعت مسلم: نعم هناك امكانية عسكرية بحدوث مثل هذه العمليات العسكرية دون استخدام أراضي دول أخرى مجاورة وذلك عن طريق استخدام المياه الدولية في أي من بحار العالم التي تتواجد فيها قطع بحرية أو اسطول أمريكي, وأعتقد تأكيدا لذلك ان توجيه الغارات العسكرية ضد السودان تم من خلال انطلاق الصواريخ الأمريكية من المياه الدولية في البحر الأحمر القريبة من السودان. وفي سؤال لـ (البيان) حول مدى دقة توجيه الصواريخ الأمريكية في الوصول لأهدافها واصابتها قال اللواء مسلم: إن نوعيات الصواريخ (كروز) تتميز بالفعل انها تصل إلى أهدافها بدقة, وبدرجة عالية من التميز, ولكن هذا ليس في كل الأحوال حيث من الممكن أن تصل إلى أماكن أخرى مجاورة للهدف المقصود, وعلى سبيل المثال فنحن فهمنا قصد الضربة العسكرية الأمريكية للخرطوم بضرب أو تدمير مصنع الدواء ولكننا لا نفهم وصول هذه الغارات ــ كما علمنا ــ إلى مصنع للحلاوة الطحينية كان مجاورا لمصنع الدواء المستهدف بالضربة العسكرية الأمريكية. وفي سؤال آخر حول احتمالات توقف مثل هذه العمليات العسكرية الأمريكية مستقبلا في ضوء تزايد أصوات الاحتجاج والانتقادات الدولية من قوى كبرى مثل الصين, وروسيا وغيرها قال اللواء طلعت مسلم: الظاهرة اللافتة والملموسة في تجارب التدخل العسكري الأمريكي في دول عديدة في السنوات الماضية ان الولايات المتحدة لا تقيم وزنا لردود الأفعال الدولية. ولا تقيم أي وزن أيضا لردود الأفعال العربية والإسلامية لانها لا تتزامن مع اتخاذ أية خطوات أو اجراءات عملية للتعبير عن موقف جماعي عربي أو إسلامي من هذه التدخلات أو العمليات العسكرية الأمريكية. ويقترح اللواء مسلم سيناريوهات للمواقف العربية والإسلامية التي ينبغي أن تحدث ردا على الممارسات الأمريكية ومنها المقاطعة الاقتصادية حتى وان كانت جزئية ولا سيما ان لأمريكا مصالح اقتصادية ضخمة في بلداننا ربما أكثر من أية منطقة أخرى في العالم. ارهاب أمريكي ومن الزاويتين السياسية والقانونية يتحدث د. هيثم الكيلاني خبير الشؤون الاستراتيجية والعسكرية السوري ورئيس تحرير مجلة (شؤون عربية) حيث يصف العمليات العسكرية الأمريكية ضد الخرطوم وأفغانستان بأنها عمليات ارهابية مدانة ومرفوضة ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بالقوانين والأعراف والمواثيق الدولية المنظمة لعلاقات الدول والشعوب والخلافات السياسية بين الدول. ويضيف د. الكيلاني: إن هذه العمليات تؤكد عجز النظام الدولي الراهن واستمرار انفرادية الولايات المتحدة الأمريكية وجبروتها في قيادة هذا العالم, ومن المؤكد ان هذه الغارات والضربات ومن الناحية العسكرية والتخطيطية كان معدا ومستعدا لها عند أمريكا منذ زمن بعيد, وهي بالتالي ليست بنت يومها وإنما اغتنمت الولايات المتحدة فرصة التفجير الارهابي الذي حدث ضد السفارتين الأمريكيتين في كينيا, وتنزانيا من أجل تنفيذ هذه المهمة الارهابية ضد دولتين عربية وإسلامية. ويلاحظ د. الكيلاني ان الحادثين أو الغارتين كشفتا مجددا ازدواجية الموقف الأمريكي من قضية الارهاب في العالم حيث تغمض الولايات المتحدة عينها, وتتجاهل الارهاب الاسرائيلي بمختلف أنواعه ضد الشعب العربي سواء من خلال التوسع والاستيطان أو القتل والتشريد ومصادرة الأراضي, أو مصادرة حقوق المقاومة والتعبير والرفض, ويستوي في ذلك الارهاب الاسرائيلي سواء قامت به الدولة أو سلطات الاحتلال أو قام به الأفراد سواء كانوا دينيين أو علمانيين, بل ان الولايات المتحدة تشجع هذا النمط من الارهاب وتقدم له جميع عوامل الدعم العسكري والاستراتيجي والأمن والسياسي. وذلك في مقابل استمرار الاتهامات الاعلامية والسياسية الغربية والأمريكية والتي تلصق الاتهامات بالعرب والمسلمين بارتكاب العمليات الارهابية دون أن يمتلك أحد الدلائل والبراهين التي تثبت هذه الاتهامات. هذا الاسلوب العسكري و(الارهابي) الأمريكي كما يشدد د. هيثم الكيلاني لن يحل مشكلة الارهاب على المستوى العالمي لان مواجهة هذه المشكلة تستدعي دراسة أبعادها وجذورها وأصولها ودوافعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى يمكن معالجتها, أما إذا أصرت الولايات المتحدة أن تعالج الارهاب بالارهاب فإن المتوقع والطبيعي أن يتنامى ويتفاقم الارهاب المضاد وينتشر في بقاع متفرقة من العالم, بل سوف يؤذي الولايات المتحدة الأمريكية قبل غيرها من دول العالم, ومن ثم فالمطلوب ان يدرس موضوع الارهاب بجذوره ودوافعه وأسبابه وأطرافه على مستوى دولي من خلال مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة, أو بانعقاد مؤتمر دولي لمواجهة الظاهرة كما دعت جمهورية مصر العربية إلى ذلك مؤخرا. هذا التحرك الدولي بافتراض حدوثه يجب أن يضع حدا للارهاب الذي تمارسه الولايات المتحدة أو أية دولة أخرى ويجب ان يحدد شروطا وضوابط لاستخدام المرجعية والقوانين الدولية في الأزمات والقضايا المختلفة المثارة في العالم, وكذلك فإن أي تحرك دولي لمواجهة الارهاب يجب أن يضع حدا لجبروت المرجعية الأمريكية الذي يطغى على القانون والنظام العالمي نفسه. مصالح الدول الكبرى وحول البعد الدولي في قضية الغارات والاعتداءات العسكرية الأمريكية على كل من السودان وأفغانستان يرى الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية المتخصص في العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة: إن استخدام العمليات العسكرية من الدول الكبرى بما في ذلك أو في مقدمتها الولايات المتحدة تتوقف على ما تمثله الأزمات القائمة والمثارة من ضرر على مصالح هذه الدول الكبرى وليس على مدى اتساق هذا التدخل مع المواثيق الدولية أو القانون الدولي, ولا يتوقف هذا التدخل على ما تمثله هذه الأزمات أو الاتهامات الأمريكية لأية دولة من انتهاك لميثاق الأمم المتحدة. وفي المقابل لم تكن هناك قواعد ومرتكزات مستقرة تحكم عملية تحديد قيادة الأمم المتحدة في العمليات العسكرية وعلاقة ودور مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة بذلك. وفي تقدير د. حسن نافعة ان العمليات العسكرية الأخيرة, بل وما سبقها من عمليات تحت مظلة الأمم المتحدة تكشف وتبرهن على الخلل القائم في نظام الأمن الجماعي الدولي وغياب وجود نظام أمني دولي يحفظ حقوق الجميع ولا يطبق بمكيالين طبقا لمصالح ذاتية لدول كبرى أو لتوازنات اقليمية تحتم التدخل على هوى هذه المصالح أيضا. ومن هنا فإن نظام الأمن الجماعي المصاب بالخلل ولا يزال خلال نصف قرن من الزمان لا يمكن أن تتبلور معالمه التي تسير عشوائيا الا إذا تحقق شرطان: 1 ــ أن يستهدف أي تدخل دولي تحت مظلة واقرار الأمم المتحدة ليس فقط مجرد تسوية النزاعات وقمع العدوان وإنما المعالجة الجذرية الشاملة للأزمات وهي جذور لها أبعاد اقتصادية واجتماعية وغيرها. 2 ــ أن يكون التدخل جزءا لا يتجزأ من عملية اعادة تنظيم المجتمع الدولي على أساس شامل بحيث يتضمن هذا التنظيم سلطات تشريعية وقضائية مستقلة يتحقق فيها التوازن المطلوب والرقابة المتبادلة. القاهرة ــ مكتب البيان القاهرة - كمال عمران

طباعة Email
تعليقات

تعليقات