عندما أعاد الرئيس الروسي بوريس يلتسين تعيين فيكتور تشيرنوميردين رئيسا للوزراء في 23 أغسطس بعد خمسة أشهر من إقالته لم يصدق كثيرون ما حدث. مع تدهور فعلي لقيمة الروبل وعجز الحكومة الروسية والمصارف عن إيفاء ديون تبلغ بلايين الدولارات إستدعى يلتسين منقذا يمتطي حمارا اسود : انه تشيرنوميردين ذاته الذي مول عجز الخزينة الروسية على مدى خمس سنوات بواسطة سندات خزينة قصيرة الامد ذات الفوائد العالية. وفي مقابلة مع مجلة شتيرن الالمانية قال النائب السابق لرئيس الوزراء الروسي بوريس نمتسوف ان (تشيرنوميردين لم يكلف نفسه حتى عناء خفض النفقات الحكومية وإستخدم الاستدانة كدواء والنتيجة كانت تراكم الديون) . وأضاف أنه (عاجلا أم آجلا فان البلاد كانت ستنفجر أو أن النظام المالي كان سينهار) . وصرح بأن يلتسين المتقلب المزاج والمحير غالبا له خطط تتعدى الاقتصاد فقد قال بصراحة إن تشيرنوميردين (المحترم والنزيه والمجتهد) هو المناسب (لخلافته في العام 2000) . ويقول المعلقون إن الرئيس يلتسين ابن الـ 67 عاما الذي بدا منعزلا مشوش الافكار بشكل متزايد في المرحلة الاخيرة قد تخلى عن فكرة التمديد لولاية ثالثة وسمى خليفة يستطيع الحفاظ على وحدة البلاد وتأمين خروج لائق له من دون محاسبة. وقال نمتسوف إن حكومة سيرجي كيريينكو اسقطت بناء على طلب أرباب المال الذين خافوا من خطط وضع عدد من المصارف تحت إدارة الحكومة والبدء باجراءات شهر إفلاس عدد من الشركات الكبرى. وبينما تحدث يلتسين عن ضرورة بعث الحياة مجددا في الاصلاحات عندما أقال تشيرنوميردين في شهر مارس الماضي وسمى كيريينكو ابن الـ 36 عاما رئيسا للوزراء يبدو أنه تصرف كردة فعل على تورم الطموحات الرئاسية عند تشيرنوميردين وتصرفاته السياسية. وحتى ذلك الوقت فان وزير صناعة الغاز أيام الاتحاد السوفييتي ورئيس شركة غازبروم الاحتكارية تألق نجمه عندما بدأ يعلن ولاءه ليلتسين ويطلق كلماته المنمقة ولو في غير موقعها, حتى أن إحدى عباراته أصبحت قولا شائعا "نحن أردنا أن تكون الامور أفضل لكنها إنتهت إلى ما كانت عليه دوما) . وقد تكون أفضل أوقاته عندما فاوض إنفصاليي الشيشان لاطلاق حوالي الف محتجز في مدينة بودينوفسك جنوب روسيا في عام 1995. وتشيرنوميردين الذي يرأس حزب (روسيا موطننا) الملقب بـ (حزب القوة) أعلن بعد إقالته أنه سيترشح للرئاسة في العام 2000 لكن من دون قاعدة قوته في الحكومة فان فرص ابن الـ60 عاما تبدو ضعيفة. وفي شهر يونيو قال تشيرنوميردين إنه سيسعى لمقعد نيابي عن منطقة في القطب الشمالي كان يدير منها عمليات غازبروم. ويعتبر تدهور الروبل وعجز الحكومة عن إيفاء ديونها كأنه نعمة من الله بالنسبة إلى تشيرنوميردين. وبعد أسبوع من ملاطفة قادة المعارضة مع الكلام عن حكومة إئتلافية برئاسة تشيرنوميردين شخصيا رفع هذا الاخير وتيرة التحدي عندما قال (ليس لنا حكومة اليوم والاجراءات الضرورية لم تتخذ ولا تم إقتراحها حتى) . وبعد ثلاثة أيام من ذلك التصريح أصبح رئيسا للوزراء بالتكليف. يذكر أن تشيرنوميردين ترأس الوزارة للمرة الاولى في عام 1992 كمرشح توافقي بدلا من (صاحب الاصلاحات الصادمة) إيجور جايدر وتبين أن المخاوف من قضاء حليف (المدراء الحمر (الشيوعيون)) في المجمع العسكري - الصناعي الروسي على الاصلاحات كانت من دون أساس. فقد وضع تشيرنوميردين سياسات نقدية بعد يوم (الثلاثاء الاسود) الذي انهار فيه الروبل عام 1994 لكن تلك الاصلاحات لم تكن كافية إذ تأخر دفع الاجور ومعاشات التقاعد كما ازدادت نسبة التمنع عن دفع الرواتب في المصانع. والان وحتى يضمن تشيرنوميردين الموافقة على تعيينه من قبل الدوما مجلس النواب ذو الاكثرية الشيوعية فقد أعلن قبوله العودة بالاصلاحات الى حدها الادنى واعادة اشراف الحكومة على معظم النشاطات الاقتصادية. ــ د.ب.ا