رغم كونها دولة حبيسة لا يوجد لها منفذ بحري, الا انها واحدة من أكثر دول العالم توتراً, اتحد شعبها البالغ التعقيد عرقيا وقبلياً ومذهبياً في مواجهة الاجنبي واستطاع ان يذل القطب العالمي السابق المتمثل في الاتحاد السوفييتي ويخرج قواته صاغرة من أرضه الا انه انكفأ على نفسه ليدخل في حروب اهلية طويلة اختلطت فيها التحالفات ولم يعد يعرف فيها من يحارب من ؟ فشلت كل المبادرات والدعوات الى التصالح من اجل احلال السلام ووقف الحرب الاهلية الدائرة بين العرقيات المختلفة امام عناد فرقاء السلاح كما ان الحسم العسكري لن يضمن ذلك ايضاً لتستمر المحرقة الافغانية في مسلسلها المكرور, مبادرات (فاشلة سلفاً) شتاء بارد ومتوتر, ومحرقة لعينة شهور الصيف وقائمة اللاجئين والمشردين وضحايا الحرب تزدحم عاماً بعد عام. أفغانستان الفقيرة التي لقنت الانجليز قديما والروس حديثاً دروساً قاسية عندما تدخلوا عسكرياً في أراضيها تأبى الاستقرار, والمحرقة الدائرة منذ أكثر من عقدين لن تنطفىء مع استمرار تدخل الجوار المزعج مع تعقيدات الداخل التي تستدعيه ليأخذ صوراً مختلفة, ولتستمر آلة الدمار في التدفق من الجوار الى العرقيات المتباينة. الطموحات والأحلام التي راودت اذهان الكثير من المسرفين في التفاؤل بعد سقوط كابول واستقلال دول آسيا الوسطى المسلمة عما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي واقامة تكتل اقتصادي وكيان في المنطقة مدعوماً بروابط العقيدة والمصالح المشتركة تحولت الى سراب, فجسر العبور الى دول آسيا الوسطى والمتمثل في افغانستان غير ممهد ويبدو انه لن يصبح صالحاً في الأجل المنظور, والعنصر الروسي لا يزال هو الأكثر تأثيراً وحضوراً في دول آسيا الوسطى التي ولت وجهها من جديد شطر قبلتها الأولى (موسكو) لا سيما وأن التنافس التركي الايراني على المنطقة لم يحقق شيئاً مذكوراً فالأولى لا تملك امكانيات النفوذ رغم الروابط العرقية واللغوية ونموذج الثانية ليس محل قبول من هذه الدول.. والفرصة التاريخية ضاعت مبكراً وأسألوا (اليهود) . طموحات باكستان الاقتصادية في هذه الدول لا تزال (محلك سر) وستظل كذلك طالما ظل الوضع في أفغانستان على ما هو عليه, والتطورات الراهنة ستدفع الى مزيد من الاستقطاب العرقي ليتعدى الحدود. فهل نغرق في أحلام اليقظة ونتصور اتفاقاً باكستانياً ايرانياً بشأن الملف الافغاني.. تطرف في التفاؤل غير مناسب فلكل حساباته ومصالحه التي نحاول ابراز ملامحها في هذه السطور. باكستان قلقة على المورث التاريخي باكستان اكثر دول الجوار المعنية بما يجري في افغانستان وصاحبة اطول حدود برية معها 2.500 كم, وقدمت الكثير للقضية الافغانية منذ التدخل الروسي في افغانستان عام 1979 وحتى الان بداية من استضافة ملايين اللاجئين وتبنى وتدريب عناصر المقاومة المختلفة منذ ايامها الاولى, وحتى انطلاق مبادرات تسوية الخلاف, ويتداخل الموروث التاريخي والواقع الجغرافي والمتغيرات الراهنة في تدعيم هذا الاهتمام. فثمة مشكلة حدودية بين البلدين مسكوت عنها حاليا ومرشحة للظهور مستقبلا تتمثل في خط ديوراند الذي ضم اجزاء من الاراضى الافغانية الى باكستان وقسم الباشتون العرقية الاولى في المجتمع الافغاني بين البلدين, عندما استأجرته بريطانيا التي احتلت شبه القارة الهندية من حكومة كابول عام 1893 لمدة 100 عام يفترض انها انتهت عام 1993. والحدود البرية الطويلة بين البلدين في ظل اضطراب الاوضاع في افغانستان تشكل المصدر الرئيسي للمشاكل التي تواجهها باكستان داخليا وتؤثر على سمعتها في الدول الاخرى بدءا من زراعة وتهريب المخدرات وتمركز العناصر المطلوبة بتهمة الضلوع في عمليات ارهابية, وتهريب السلاح الى بؤرة التوتر العرقية في اقليم السند وحتى تهريب البضائع التي تمر عبر اراضيها الى افغانستان الجارة الحبيسة التي لايوجد لها منفذ بحري لتجارتها التي يمر معظمها (ترانزيت) عبر الاراضى الباكستانية ويعود معظمها للبيع في سوق التهريب الباكستانية الامر الذي يلحق اضرارا بالغة باقتصاد باكستان التي تطمح في ان تجد طريقا بريا لمنتجاتها الى دول اسيا الوسطى عبر عنق الزجاجة اليها و (المغلق حاليا) افغانستان ومن خلال كابول ومزار شريف. باكستان والملف الافغاني ظل ملف افغانستان مسؤولية المخابرات العسكرية الباكستانية التي استقبلت على اراضيها كل اطراف (الجهاد) في ذلك الوقت القادمين من افغانستان والمتطوعين من خارجها, وتولت تدريب هؤلاء على السلاح وفي مقدمتهم قلب الدين حكمتيار الذي تزعم فصيلا افغانيا للمقاومة حمل اسم الحزب الاسلامي وظل فاعلا على الساحة كأكبر فصيل بشتونى حتى ظهور نجم (طالبان) البشتوني ايضا في اواخر عام 1994. وقد تبنت الجماعة الاسلامية الباكستانية والتي كانت على علاقة جيدة بالرئيس ضياء الحق زعيم الحزب الاسلامي حكمتيار وقدمنه للمخابرات العسكرية الباكستانية التي وقدمته بدورها للمخابرات الامريكية المعنية بادارة المعارك ضد السوفييت في افغانستان فترة الحرب الباردة بدافع جعل افغانستان بمثابة (فيتنام للروس) . تحولت مدينة بيشاور الباكستانية والتي تقع على الحدود مع افغانستان من مقاطعة نائية فقيرة المرافق الى مركز مهم في ادارة المعارك ضد الروس, تدفقت عليها المعونات والاسلحة والمهاجرين واللاجئين بلغت ذروتها في مطلع التسعينات قبل سقوط كابول في ايدي (المجاهدين) وظلت السياسة الباكستانية تجاه قضية افغانستان واضحة ومتماسكة طيلة هذه الفترة الا انها دخلت منعطفا من الغموض بعد ذلك مع بروز التنافس العرقي بين الافغان على مكاسب مابعد سقوط كابول وكانت بوادر هذا الخلاف واضحة منذ البداية الا ان جيشان العاطفة لدى الكثيرين جعله لايتوقف عنده. سقوط كابول ففي عام 1992 وعندما كانت العاصمة على وشك السقوط في ايدي (المجاهدين) قوبل الاتفاق الذي وقع فيما بينهم بالرفض بعد فترة وجيزة من توقيعه لاسيما من قبل قلب الدين حكمتيار ولم يكن مصير اتفاق اسلام أباد الذي وقع في مارس عام 1993 بافضل من سابقه رغم ماتضمنه من نص لارضاء حكمتيار وتعيينه رئيسا للوزراء فعداوته لوزير الدفاع الطاجيكي (احمد شاه مسعود) دفعته للتحالف مع غريم الاثنين الجنرال عبد الرشيد دوستم قائد الميليشيات الاوزبكية لقصف كابول بالصواريخ, ومن ثم ظهرت الخلافات العرقية الافغانية بصورة جلية بين اطراف الصراع. رباني واسلام أباد باكستان وان كانت استمرت في الدعوة لجمع شمل الاطراف الا انها لم تستطع اخفاء ميلها للعرق الباشتوني وهو ما عكر صفو العلاقة بينها وبين الرئيس الافغاني السابق برهان الدين رباني (طاجيكي) والذي بلغ اشده في الفترة التي سبقت بروز (طالبان) على الساحة حيث شهدت السفارة الباكستانية في كابول اعتداء عليها حملت حكومة رباني مسؤوليتة وطالبته بالاعتذار. ولعل ميل باكستان للعنصر البشتوني هو الخوف من تنامي الحركة البشتونية القومية فيها واستقطابها لعناصر جديدة يوسع من الدعوات العرقية المؤرقة لها مثل حركة ولي خان التي اراد الجنرال ضياء الحق تقليصها بالسماح للجماعة الاسلامية بالعمل على تحجيم عمليات الاستمالة لتلك الحركة والتي تدعو الى (باشتونستان الكبرى) تضم الباشتون في المنطقة. تاريخيا استأثر الباشتون بالحكم في افغانستان منذ ظهورها كدولة مستقلة على يد احمد شاه الابدان قبل 300 سنة (1747) حتى الملك ظاهر شاه الذي ظل يحكم البلاد 40 عاما ثم نجيب الله والاستفتاء التاريخي الوحيد في هذا التسلسل الباشتوني الحاكم جاء من قبل قائد طاجيكي يدعى السقا باشا حكم افغانستان تسعة اشهر فقط عام 1929 ولم يحظ بقبول الباشتون الذين اعدموه فيما بعد. وتميزت العلاقات بين برهان الدين رباني (الاستثناء الثاني) في حكم الطاجيك لافغانستان بالاضراب وتصاعدت الشكوى المتبادلة بين كابول واسلام أباد التي صعدت من شكواها بشأن الخسائر التي يتحملها اقتصادها نتيجة اعادة تهريب البضائع الافغانية التي تمر باراضيها عن طريق الترانزيت والتي تتولاها مافيا متخصصة في المناطق الحدودية تتركز في المدن الرئيسية في المنطقة كوتيا وبيشاور (وجلال اباد, فندهار, في افغانستان) لدرجة ان البنك المركزي في باكستان قدر حجم الخسائر التي يحتملها الاقتصاد الباكستاني من عمليات التهريب تلك بــ 3.5 مليارات دولار امريكي. ورغم ان هذه العملية يقوم عليها تجار كبار في باكستان نفسها الا ان تصعيدها في ذلك الوقت كان مؤشرا على عدم رضا اسلام أباد على رباني وقائده القوي احمد شاه مسعود. وقبل بزوغ نجم طالبان على الساحة الافغانية وجدت المخابرات العسكرية الباكستانية تواجه مشكلة كبيرة تتمثل في عجز حكمتيار وحليفه (المرحلى) عبد الرشيد دوستم عن اسقاط العاصمة كابول وازاحة رباني, وهي التي لم تتوانى في دعمها لهذا الغرض, ووجدت رباني يتوجه ملتمسا دعما من اطراف خارجية اخرى تختلف مع باكستان بشأن القضية الافغانية مثل روسيا وايران او تناصبها العداء مثل الهند, ويبدو ان المخابرات الباكستانية تعرضت لنقص في مواردها المالية بهذا الشأن بعد انتهاء الحرب الباردة وتوجيه جزء كبير منها نحو قضية كشمير كما ان موارد الدعم الخارجية تقلصت الى حد كبير وعزت باكستان معظم هذه المشاكل لعدم قبول حكومة رباني او عجزها عن احكام سيطرتها على البلاد. ظهور طالبان ثمة مبالغة في الاتهام (التقليدي) لباكستان بأنها هي التي صنعت حركة (طالبان) التي تعني طلبة المدارس الدينية بلغة الباشتو, فالحركة افراز طبيعي ووارد للحالة الافغانية البالغة التعقيد والمأساوية في الوقت نفسه, ففي الوقت الذي مقت فيه افراد الشعب الافغاني الصراع الدامي على السلطة بين حلفاء الامس من زعمائها وفرقاء اليوم كان هناك تطلع الى شيء جديد ينهي هذه المأساة او يبشر بانهائها على الاقل بعد ان شاع الفساد والجريمة بين كوماندانات السلاح بصورة تتقزز منها الانفس وفرضوها على المغلوبين على امرهم من العزل حتى جاد اصحاب العمائم البيضاء يستبشرون بوضع حد لهذه الممارسات. الكبار منهم يشاركوا من قبل الاحزاب الافغانية المختلفة فترة التدخل الروسي في افغانستان وعاودوا ادراجهم في معسكرات اللاجئين الافغان في باكستان بعد سقوط كابول. جل جيشهم وقواتهم من ابناء المهجر الذين ولدوا وعاشوا في باكستان حيث تلقوا تعليمهم في ابسط مؤسسات تعليم تقليدية تقدم ذلك مجانا (المدارس الدينية) الديونيدية التي انشأتها جمعية علماء الاسلام في باكستان وهي جمعية سنية من اتباع المذهب الحنفي. ومن يعرف طبيعة المجتمع الباكستاني عن قرب يدرك جيدا مدى انتشار هذا النوع من التعليم التقليدي بين الطبقات الفقيرة من سكان المنطقة. استقبلت المدارس الدينية لجمعية علماء الاسلام في معسكرات اللاجئين الافغان في اقليم بلوشستان الباكستاني والواقع على الحدود مع افغانستان وايران اعدادا غفيرة من ابناء اللاجئين الافغان كذلك انشأت لهم مدارس اخرى في بقية المعسكرات الافغانية في المناطق الحدودية, ومن ثم كان لها تأثير كبير على الفصيل الدوراني من الباشتون الذي يتركز في شرق وجنوب افغانستان. ورغم الحضور التعليمي لجمعية علماء الاسلام بهذه الصورة التقليدية القديمة المتمثلة في المدارس الدينية فانها تكاد تكون معزولة عن الحياة السياسية الى ان بزغت بقوة مع طالبان وسوقت لهم, فالشيخ فضل الرحمن الذي ظل معارضا لبنازير بوتو في حكومتها الاولى (1988 ــ 1990) ولحكومة نواز شريف الاولى ايضا (1990 ــ 1993) وجد نفسه في موقع سياسي جديد ومرموق بتحالفه مع بنازير في حكومتها الثانية (1993 ــ 1997) حيث اعطته بنازير منصبها الذي كانت تشغله وهي زعيمة للمعارضة كرئيس للجنة العلاقات الخارجية بالجمعية الوطنية (البرلمان الباكستاني) ومن ثم بدأ يسوق لجماعة طالبان كوجه باشتوني جديد لدى الحكومة الباكستانية والدول التي زارها بدءا من واشنطن وحتى العواصم الاوروبية والعربية طالبا الدعم لاصحاب (العمائم البيضاء) ليظل صاحب التأثير الاكبر عليهم. واستفادت جميعة علماء الاسلام من المعسكرات التدريب السابقة التي كانت بأيدي حكمتيار وآلت الى الطالبان في تدريب كثير من الشباب الراغبين في المشاركة في عدد من البؤر الساخنة مثل الشيشان والبوسنة وكشمير. استطاعت حركة طالبان في بدايتها طمأنة الشعب الافغاني وتوفير الامن الذي حرموا منه طويلا, في المناطق الباشتونية التي آلت اليهم بعد سقوط فندهار واعلنت باكستان ان عمليات التهريب موضع الشكوى من حكومة رباني (تقلصت) وعاش طلبة المدارس الدينية ــ ولايزالون ــ حلما او وهما سيطر على من سبقوهم بأن ما يحدث من قتال حاليا يعد جهادا وان قتيلهم شهيد سيدخل الجنة. وبعيدا عن الخوض في تفاصيل المنطلقات الفقهية وتخريجات لتوصيف ماهو قائم حاليا لدى كل طرف من اطراف الصراع الا اننا بصدد طبعة اخرى في عملية التدافع العرقي والمذهبي بين الفرقاء الافغان. فمن يطلق عليهم تسمية (حركيون) وقعوا في فخ الصراع العرقي والتنافس على السلطة بدءا من الحزب الاسلامي بزعامة حكمتيار الذي يعد امتدادا للجماعة الاسلامية الباكستانية والذي رعته باكستان وقدمت له صور الدعم حتى خبا نجمه وحتى رباني الذي يعد قريبا من جماعة الاخوان المسلمين هو وعبد رب الرسول سياف بحكم تعليمهم في الازهر واقترابهم من فكر الجماعة هناك والذي لايدري احد اين هو الان وما هو موقفه مما يجري على الساحة رغم حصور صورته بكثافة في اوج القضية الافغانية اعلاميا على الاقل. فرجال المرحلة حاليا في افغانستان هم (طالبان) الباشتون واذا كانت باكستان تبنت غيرهم من قبل من خلال الجماعة التي افرزتهم فلا غرو ان تلتقي المصالح على الاقل مرحليا من هذا الوقت بعد افول نجم منافسيهم ووجود امتداد لهم في باكستان قد ينطوي على شيء ما في المستقبل. روسيا وصراع على المصالح والأعراق لم يكن الدرس الذي تلقاه الروس عند تدخلهم العسكري في أفغانستان درسا هينا فلا يزال هو الحاكم لسياسة موسكو تجاه ما يجري في كابول ولقد كان أحد العناصر التي عجلت بسقوط ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي سابقا, ورغم استقلال الدول الاسلامية الخمس (طاجكستان, أوزبكستان, تركمانستان, قرغيزتان, أذربيجان) عنه الا ان هذا الاستقلال ما زال منفوصا, ولا تزال هذه الدول تبحث عن هويتها, وفيما يظل العنصر الروسي في قرار هذه الدول هو الأكثر تأثيرا لا سيما وان التنافس التركي الإيراني عليها لم يحقق أهدافه المرجوة للبلدين بعدا اللهم الا في بعض محاولات احياء الروابط الثقافية والأصول العرقية المحدودة. والهاجس الروسي الذي يحكم سياسة موسكو تجاه أفغانستان هو انتقالي ما نسميه بنموذج الأصولية الإسلامية هناك إلى الدول التي نالت استقلالها في مطلع التسعينات لا سيما التي لها حدود مع أفغانستان (طاجكستان, أوزبكستان, تركمانستان) ويشترك معها في هذا الهاجس تركيا الحريصة على بعث الروابط الثقافية والعرقية بالأخيرتين والمعنية أيضا بأوزبك أفغانستان بحكم أصولهم التركية وروابطهم مع أوزبكستان. طاجيكستان في المقدمة تأتي طاجيكستان في مقدمة دول آسيا الوسطى تأثرا واهتماما بما يجري في جارتها المضطربة, وهذه الدولة هي الوحيدة بين دول الاتحاد السوفييتي السابق التي تتحدث الفارسية وتعود الأصول العرقية لسكانها إلى الفرس, وقد كانت النظرة التاريخية إلى طاجيكستان وشمال أفغانستان تعتبرها وحدة واحدة وتحقق لها ذلك في القرن الثامن عشر حيث كان يحكم أمير بخارى شمال أفغانستان قبل بلخ وكندوز. ويفوق أعداد الطاجيك الذين يعيشون في الشمال الأفغاني اليوم (أربعة ملايين نسمة) عدد اخوانهم في طاجيكستان نفسها. وثمة مشاكل حدودية بينها وبين جارتها أوزبكستان حيث ضم ستالين جزءا مهما من أراضيها إلى أوزبكستان, أهمها مدينتي سمرقند وبخارى معقل الطاجيك الثقافي وذلك في اطار سياسة الخلخلة العرقية لشعوب المنطقة وأنشأ دوشانية العاصمة الحالية لطاجيكستان والتي تعني يوم الاثنين في اللغة الفارسية عاصمة حديثة العهد, كما ان وادي فرغانة الطاجيكي تسكنه أغلبية أوزبكية وفي اطار الخلخلة العرقية لشعوب المنطقة يتوزع سكان طاجيكستان بين مجموعات ثلاث رئيسية 58.8% طاجيك, 23% أوزبك, 11% من الروسي ويتركزون في المدن الرئيسية وتتوزع النسبة الباقية بصورة متفاوتة على اليوغرور والقرغيز وسكان البامير من الشيعة الاسماعيلية. معبر رئيسي وكانت طاجيكستان هي المعبر الرئيسي لقوات الاتحاد السوفييتي السابق إلى أفغانستان فترة التدخل العسكري. وقد دفعت التطورات الأخيرة في أفغانستان روسيا إلى تعزيز قواتها المرابطة في طاجيكستان ــ والتي تدعم نظام دوشانية تحسبا لنتائج المعارك الجارية في الشمال الأفغاني بين أحمد شاه مسعود وقوات طالبان, وتحول الموقف تجاه طاجيك أفغانستان من الاتهام بدعم المقاومة لنظام دوشانية إلى الدعم والامداد بالأسلحة أمام ما تعتبره خطرا مصيريا يتهددهم من قبل طالبان. ورغم حالة التأهب القصوى في صفوف القوات الروسية على الحدود بين طاجيكستان وأفغانستان الا انها لم تشهد أي تصعيد عسكري بعد الا انه يظل واردا, الأمر الذي تعتبره طالبان مجرد حجة من روسيا وأجهزة مخابراتها للعمل على ابقاء السيطرة الروسية على دول آسيا الوسطى. الا انه لا توجد ضمانة لمنع وقوع اشتباكات في المنطقة تتسع دائراتها وقد تستدعي عمليات عسكرية من قبل هذه القوات إذا أصبح أحمد شاه مسعود في موقف حرج وهو ما ستكشف عنه الأيام الباقية من صيف هذا العام الذي تحتد فيه المعارك حاليا. أوزبكستان والامتداد العرقي يشكل الأوزبك في أفغانستان المرتبة الثالثة في عرقيات المجتمع حوالي 10% ويتركزون في الولايات الشمالية التي كان يسيطر عليها الجنرال عبدالرشيد دوستم الذي تزعم ميليشيات تحالفت من قبل مع نظام نجيب الله السابق ثم انشقت عليه في الأخير لتعجل بذلك من سقوط كابول في أيدي المجاهدين. ولقد ظلت مناطق الأوزبك ولفترة طويلة في منأى عن طاحونة الحرب حتى زحفت اليها قوات طالبان في محاولتين فاشلتين العام الماضي وأخيرة ناجحة هذه الأيام. وقد كان هناك هامش من التنسيق بين قوات طالبان ودوستم في أيامها الأولى لم يعلن عنه في حينه الأمر الذي هيأ درجة من الاطمئنان لدى أوزبكستان التي تقف موقفا صلبا تجاه ما تسميه بخطر العناصر الأصولية وامتدادات تأثير حزب النهضة الإسلامي في طاجيكستان إليها. وللأوزبك روابط عرقية ولغوية بتركيا, وبدا أوزبك أفغانستان قانعون بالوضع الذي أفرزه صراع الأطراف المتنازعة قبل ظهور طالبان على الساحة لا سيما وان دوستم الذي أنشأ تنظيما يسمى النهضة القومية الاسلامية واستطاع أن يغنم جانبا كبيرا من الآلة العسكرية للجيش الأفغاني تضم الطائرات والدبابات وراجمات الصواريخ لتجد نفسها وهي العرقية التي عانت طويلا من حكم الباشتون ــ قد حققت مكاسب أفرزتها الظروف الحالية الا انها لم تدم طويلا. ويثير اقتراب طالبان من هذه المنطقة مخاوف أوزبكستان وتركيا حيث ناشدت قوات طالبان الكف عن مهاجمة الشمال الأفغاني وباتت التطورات الجديدة التي لم تحسم سيطرة طالبان بعد بشكل نهائي على المنطقة تدفع الدولتين إلى التدخل بصورة أو بأخرى من أجل حماية سكان المنطقة وتأمين الحدود خشية حدوث موجة تهجير جديدة إلى أوزبكستان. تركمانستان والهدوء الحذر رغم سيطرة طالبان على مناطق حدودية مع تركمانستان منذ أكثر من ثلاثة أعوام الا ان هذه المناطق ظلت هادئة ولم تشهد أي نوع من أنواع التوتر بل أقام طالبان روابط تجارية مع (عشق آباد) التي كانت مصدرا مهما لوقود طائرات قوات الحركة, إلى جانب البترول الذي تستورده منها. لكن هذا الهدوء قد لا يدوم طويلا إذا حدث نوع من الاستقطاب لعشق آباد بعد سقوط مزار شريف وقد تجد نفسها مدفوعة إلى التنسيق مع تركيا وأوزبكستان إلى دعم العرقية الأوزبكية التي أصبحت مهددة أمام زحف طالبان.