بدأت أخبار القتال تتجدد في أفغانستان وتفرض نفسها على الصفحات الأولى للصحف السيارة ولايزال الرهان ساريا على طالبان وكأنها تملك مفاتيح الحل لهذا البلد المنكوب بأهله, مما يزيد من صعوبة التعامل مع الحالة الافغانية هو ما ورد على لسان وزير الخارجية في حكومة طالبان من توعد باستمرار المعارك مائة عام اذا أصرت المعارضة على القتال وعدم القاء السلاح . وأكد هذا الوعيد نائب وزير الخارجية كذلك عندما ذكر بأن الحركة لن تستسلم للمعارضة وعلى استعداد للقتال مائة عام أخرى اذا تطلب الأمر حتى تلقي المعارضة بالسلاح, واتهم الأمم المتحدة بأنها لن تفعل شيئا لأفغانستان. وأضاف بأن المنظمة الدولية لن تنزع سلاح المعارضة الافغانية, لذلك فأننا نقوم بواجبنا في هذا الصدد حتى لو استغرق الأمر مائة عام. هل بقي في أفغانستان شيء يستحق المحاربة من أجله قرنا آخر من عمر الزمان؟.. هل من السهولة بمكان ان نقبل مقولة تحويل مسيرة الجهاد الافغاني الى حرب أهلية بين اخوان العقيدة بعد ان توحدت على دحر الالحاد من البلاد, كأن هذا التحول أمر عادي لا ينبغي الوقوف عنده مليا. بعد انحراف المسيرة عن أهدافها نستطيع الجزم بأن طالبان فقاعة من الفقاقيع التي انتهت في مهدها وليس لديها شيء تقدمه الى الشعب الافغاني الصابر على أزمته الا النار والحديد حتى تأتي على ما تبقى. القصة لم تبدأ من هنا, بل بدأت منذ عقدين وذلك عندما بدأت تلقن الالحاد درسا لايزال ماثلا أمام الروس حتى آخر الانتخابات الروسية التي أقصت الشيوعية بعيدا عن الحكم في دولة الالحاد ذاتها. ولكن هذا الدرس لم يتم استيعابه في داخل أفغانستان بعد خروج الشيوعية, فاستقرت مكانها شهوة السلطة وحب الكرسي الذي أصبح مفعوله السلبي على الشعب المسكين أشد فتكا من الالحاد السابق لأن الوضع في افغانستان صار أشبه بالشجرة التي لم تجد ما تأكله فأكلت نفسها, فبدأت مأساة الاسلام في أفغانستان اليوم. وسوف نعيد صياغة التجربة الافغانية منذ بدايتها وفق فهمنا بعد اختلاط الحابل بالنابل. منذ بداية الأزمة الافغانية الداخلية بدأت الأقلام التي ناصرتها قبل ذلك تجف والألسن تخرس والدموع تحبس في مآقيها, والرؤوس الكبيرة التي اندفعت الى القضية دفعا نكست. ولم تنشر أدبية واحدة توضح للجيل الذي تاه بين فرقاء الحرب الافغانية ماذا حصل بالضبط, فالأسئلة كثيرة ولكن الاجوبة شبه معدومة وكأن المسألة التي دفعت من أجلها مئات الملايين وضحّت في سبيلها النفوس الزكية للشباب الذين لم يتجاوزوا عمر الزهور, حيث تركوا الدور والقصور وراء ظهورهم وآخرين عصوا الآباء والأمهات بفتاوى شرعية أكدت وجوب العصيان في هذه الحالة الجهادية التي زعمت عينية فرض الجهاد على الكل دون أخذ إذن أحد من الناس كائنا من كان. ولم يقصر الشباب عن تلبية النداء باندفاع فاق كل توقعات المراقبين ودفعوا كل ما يملكون في سبيل الواحد القهار, ولكن العبرة ليست بالبدايات, ولو كانت سليمة فالعبرة دائما في المآل وليس في واقع الحال, أو النهايات التي وصلت اليها القضية برمتها اختلت فيها التوازنات بحيث أصبحت الوقفة والمراجعة هي فرض عين على كل من يعنيه أمر المأساة. البداية كانت مفخرة ولكن النهاية أصبحت سخرية أصحاب القضية قبل غيرهم من الخصوم القدماء, عندما صار لدى جميع فصائل المجاهدين جيوش جرارة لم تستطع ان تحافظ على صمود النفوس الضعيفة أمام بريق الكرسي فشهوة السلطة هزمت كل الصور الجميلة المشرقة التي رويت بأسلوب أقرب الى الاساطير منها الى الوقائع. وكل ذلك لم يشفع للمجاهدين الذين خيلوا كأنهم ملائكة يمشون على الأرض, وأثبتت حوادث الأيام بأنهم ليسوا كذلك وان الصورة السينمائية كانت غير دقيقة في عرضها بل رافقتها مبالغات في اخراج الافلام التراجيدية حتى تكون اكثر وقعا في النفوس وأشد اثرا في القلوب المؤمنة. فلا تملك العيون بعدها دموعا والجيوب نقودا والقلوب صدودا وذلك لان الوصف كان اكبر مما يطيق تحمله القلب العادي بأدنى درجات الموعظة فكيف به اذ يرى منظر الدماء المسالة والاشلاء المنزوعة والسيقان المبتورة والبطون المبقورة والرؤوس المفصولة عن أجسادها في كل وسائل الاعلام العالمية. وكل هذا الوصف لا يعني كتمان الحقائق اليومية التي وقعت أثناء سير المعارك تحت مسمى الخوف على تشويه سمعة الجهاد والمجاهدين فهل كنا ننتظر الى عهد طالبان لكي نعرف حقيقة الوجه الآخر للعملة الافغانية التي عرضت ناقصة في حينها؟ من هنا دأب بعض من لمّع القضية ساعتها اكثر من اللازم في بداية الأزمة الطالبانية, يكتب نتفاً هنا وهناك باستحياء شديد تذكر من خلالها أنصاف الحقائق المشوهة كأنها جاءت ردا على اعتبارات معينة ولكن مفعول هذه الكتابات كان عكس ما قصد به لان هذا النوع من الاستدراك جاء بعد فوات الأوان. وكأن الكل كان يخشى قول الحق في حينه لا خوفا على مصلحة الاسلام بل خوفا مؤكدا على مصلحته الشخصية وربط الاسلام بالشخصانية داء ابتلى به بعض المعنيين بالشأن الافغاني. الاعتراف بالهزيمة ليس عيبا ومعرفة السبب المباشر هو العلاج الحقيقي والنافع لاكتساب المعارك المقبلة والانتصار فيها وأهمها على الاطلاق معركة النفوس قبل معركة الرؤوس. والذي لم يتعلم من درس أحد لن يتعلم من اي درس قادم لان الذي اعترف بسبب الهزيمة المباشر هو الرسول الكريم ولم ينقص هذا من قدره شيئا بل ازداد رفعة وتوالت عليه الانتصارات بعد ذلك, وهو تاريخ الكل درسه وعلمه وعلّمه ولكن تطبيق هذا الدروس هو المحك الذي يحدد الخطأ من الصواب وهذا التطبيق قد يصاب بآفة البشر وهي النقص الذي ينبغي الاعتراف به وعدم المكابرة بتجاهله مهما كلفنا, والقاء اللوم دائما على شماعة المؤامرات الدولية لا يقدم من الامر شيئا ان لم يؤخره. ولا ينبغي في أية قضية تجاهل عنصر بشرية التطبيق والا أصيبت القناعات بانتكاسات تراجيدية تهز الثوابت التي كانت راسخة في الأعماق والتي تحسب على أصل الاسلام. والأمر الآخر له علاقة مباشرة بالحماس غير المتزن للدعوة الى التطبيق الحرفي للشريعة دون أدنى اعتبار للحكمة في التدرج والروية وحسن اختيار الاولويات في هذا العصر. ان بناء الدول يحتاج الى كثير من الصراحة وعدم اغفال ما يسبب التراجع الى الخلف, فالوقوع في حرج القول الصريح أهون بكثير من تدمير مقدرات الأمة التي وضعت بيد أناس لم يكونوا أهلا لاحراز النتيجة المطلوبة بعد تلك التضحيات. ان العالم أجمع يخطط لكسب مواقع جديدة في بلداننا ونحن مازالت بنادقنا مصوبة في صدورنا. لقد طالت المدافع في أفغانستان الكرامة الانسانية والمقدسات الدينية المتمثلة في المساجد وكافة مرافق البنية التحتية من الاسواق والمدارس والمستشفيات الى الشوارع والأزقة دون تفريق بين المدني والعسكري أو بين طفل وعجوز وبين رضيع وراكع فالكل اصبح في هذه المعادلة أو هذا اللغز الصعب, الحطب الذي يزيد النار اشتعالا.