يثير استمرار الحرب الاهلية في افغانستان منذ عام 1989 التساؤل حول اسباب عدم حسم هذه الحرب لصالح اي من اطراف الصراع فيها, فكلما يقترب احد طرفي الصراع من السيطرة الكاملة على افغانستان سرعان ما ينقلب مسار الحرب لصالح الطرف المضاد, ويمكن القول انه رغم العوامل الداخلية للتفتت والتصارع بين فئات الشعب الافغاني الا ان التدخلات الخارجية تعتبر عاملا رئيسيا في عدم وضع حد لهذه الحرب الاهلية. ونتناول فيما يلي مواقف اهم اولا: الموقف الروسي من المعروف ان روسيا ومن قبلها الاتحاد السوفييتي تعتبر وجود قوة غير موالية في افغانستان خطرا على الامن القومي الروسي, ومن هنا جاء تدخل وغزو الاتحاد السوفييتي السابق لافغانستان عام 1979, ورغم انسحاب القوات السوفييتية بعد ذلك بعدة سنوات الا ان موسكو ظلت حريصة على عدم السماح باستقرار الأوضاع في كابول لصالح قوة غير موالية لها, وفي الفترة الاخيرة حينما سجلت حركة طالبان انتصارات واسعة في شمال افغانستان على حساب القوات المعارضة لها ابدت موسكو تخوفها من هذه الانتصارات وأرسلت مبعوثا لها الى دول الكومنولث المستقلة المجاورة لافغانستان خاصة اوزبكستان وطاجيكستان لتحذرها من مخاطر سيطرة حركة طالبان على شمال افغانستان وتشير الانباء الى ان موسكو قد تحركت لتزويد الفصائل المعارضة لحركة طالبان بالاسلحة حتى توقف زحف قوات طالبان نحو الحدود الشمالية لافغانستان. ثانيا: الموقف الايراني تدعم ايران التحالف الشمالي المناوئ لحركة طالبان لاسيما انه يضم حزب الوحدة, وايران عارضت منذ البداية حركة طالبان واتهمتها بالاتجار في المخدرات وتهريبها عبر حدودها معها, وأرسلت ايران مساعدات عسكرية ومستشارين عسكريين لتحالف القوات المناوئة لحركة طالبان, وقد اعلنت حركة طالبان بعد استيلائها على مدينة مزار الشريف مؤخرا انها القت القبض على عدد من الايرانيين وزعمت ان هؤلاء الايرانيين هم دبلوماسيون. ثالثا: الموقف الباكستاني تؤيد باكستان حركة طالبان وكانت اول من اعترف بها, كما نجد ان التحالف الشمالي وباكستان يدور بينهما نفس ما يدور بين طالبان وايران حيث كانت العلاقات قد توترت بين باكستان من ناحية ورباني وانصاره من ناحية اخرى منذ ان كانوا في السلطة ووصل الامر الى تبادل اطلاق النار على الحدود, كما تعرضت السفارة الباكستانية في كابول لاكثر من حادث كان اخطرها قيام مجموعة من المتظاهرين باشعال النيران فيها وهو الامر الذي حملت باكستان مسؤوليته الى الرئيس رباني وطالبته بتقديم اعتذار علني وتقديم تعويضات وهددت بنقل سفارتها خارج مناطق سيطرة رباني, مما يعني سحب اعترافها به. كما قامت باكستان بطرد عدد من الدبلوماسيين الافغان لديها, ومن جانبه فان رباني اتهم المخابرات الباكستانية بالمشاركة في التخطيط والتنفيذ لعمليات طالبان, بل ومشاركة طائرات باكستانية في قصف قواته ووصل الامر الى تقدم حكومة رباني بشكوى الى مجلس الامن تطالبه فيها ببحث التدخل الباكستاني في الشؤون الداخلية لافغانستان, واذا كانت طهران ما زالت تعترف بحكومة الرئيس رباني فان باكستان كانت اول من اعترف بنظام طالبان. العوامل الداخلية والواقع ان الاطراف الافغانية المختلفة تتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية تلاعب الاطراف الخارجية بها نظرا لان قادتها لا يهمهم الا الوصول الى السلطة ولو كان ذلك على حساب آلاف الضحايا من الشعب الافغاني. ومن ثم فان تغير نمط التحالفات بين هذه الاطراف خير دليل على ذلك بل انه قد تنشأ صراعات داخل نفس الفصيل كما حدث مثلا داخل الميليشيات الاوزبكية ودوستم الذي كان قد خرج على الرئيس رباني عاد وتحالف معه وكان دوستم قد قال بصراحة ان كلا من اوزبكستان وايران وروسيا تمارس عليه ضغوطا لاقناعه بالانضمام الى قوات رباني كما ان بعض القوى التي كانت تعارض نظام رباني حاولت التنسيق مع طالبان ولكنها امام رفض طالبان بدأت الاتصال برباني والتحالف معه ضد الحركة. المصالحة الافغانية... متى؟ ويمكن القول ان هناك شرطين اساسيين لانهاء الصراع في افغانستان وتحقيق السلام والاستقرار لمصلحة الشعب الافغاني في المقام الاول. اولهما: توقف التدخل الخارجي وثانيهما: ايقاف القتال وتكوين حكومة وحيدة وطنية لفترة انتقالية يتم خلالها حل الميليشيات وتجميع سلاحها على ان يكون هو نواة سلاح جيش الدولة الافغانية الذي يضم افرادا من الميليشيات المختلفة بعد ان يتم تنظيمها بشكل مركزي. ومن الممكن ان يتوازى مع ذلك عودة اللاجئين والعمل على توطينهم بمساعدة دولية وبعد انتهاء الفترة الانتقالية يتم اجراء انتخابات في البلاد بعد ان يكون قد تم وضع دستور ينظم عمليات تداول السلطة والممارسة السياسية. ان على الاطراف الافغانية المتصارعة منذ عام 1989 حتى الان ان تدرك ان اقتتالها هذا له نتائج عديدة.. النتيجة الاولى هو سقوط الاف الضحايا من الابرياء من ابناء الشعب الافغاني, النتيجة الثانية هو تشويه صورة الاسلام امام العالم, فالاسلام دين السماحة واليسر والسلام وليس دين العنف والانتقام, واذا كانت مختلف الفصائل الافغانية تزعم انتماءها للاسلام فانه من الاجدر بها ان تثبت ذلك بسلوكها وتسامحها وتخليها عن العنف وعدم التشبث بالوصول الى السلطة وان تسعى نحو المصالحة القومية الشاملة التي تلم كافة الفصائل حول تحقيق الاستقرار والرخاء للشعب الافغاني. وعلى المستوى الدولي يتعين على القوى الاقليمية والدولية المتدخلة في شؤون افغانستان ان توقف هذا التدخل وتمتنع عن تحريض ودعم الفصائل الافغانية ضد بعضها وذلك احتراما لمبادئ القانون الدولي والامم المتحدة التي تنص على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. كما انه مطلوب من الامم المتحدة ان تفرض حظرا دوليا على تصدير السلاح الى افغانستان, وعلى منظمة المؤتمر الاسلامي ان تضاعف من جهودها الدبلوماسية للوساطة والمصالحة بين مختلف الفصائل الافغانية المتصارعة, كما انه يتعين على القوى الاقليمية والدولية ذات القدرات الاقتصادية العالية ان تبادر باعداد مشروع لاعادة إعمار افغانستان واصلاح ما دمرته الحرب ومساعدة الشعب الافغاني على استئناف حياته الطبيعية والنهوض بمستواه المعيشي. على انه تجدر الاشارة إلى ان العامل الرئيسي في تحقيق السلام في افغانستان ووقف الحرب الاهلية هو تخلي قادة الفصائل الافغانية عن صراعهم المحموم على السلطة حيث سبق للمجتمع الدولي ان بذل محاولات مصالحة ولكن الفصائل الافغانية تسببت في فشلها ففي ابريل الماضي عقدت اول مباحثات تضم جنبا الى جنب ممثلين عن حركة طالبان وتحالف المعارضة الشمالي في اسلام اباد برعاية الامم المتحدة ومنظمة المؤتمر الاسلامي مما خلق جوا من التفاؤل حول امكانية التوصل الى صيغة للمصالحة بين الجانبين ووقف القتال, ولكن سرعان ما توقفت المباحثات واستؤنف القتال الذي لم توقفه حتى الكوارث الطبيعية مثل سلسلة الزلازل التي ضربت افغانستان, ورغم ان الولايات المتحدة بذلت جهودها من اجل اجراء هذه المفاوضات حيث عرج مندوبها الدائم لدى الامم المتحدة على افغانستان في اطار جولته في عدد من دول جنوب اسيا والذي اعلن من افغانستان ان الاطراف المتحاربة وافقت على وقف اطلاق النار وبدء حوار مباشر قبل نهاية شهر ابريل, وايضا رغم ان الامم المتحدة ومنظمة المؤتمر الاسلامي حثتا كعادتهما الاطراف المختلفة على الدخول في حوار وايدتا اقتراح تشكيل لجنة تنسيق مختلفة بين طالبان والتحالف الشمالي للاعداد لبدء الحوار فإن هذه المفاوضات قد فشلت, وهو ما يعود الى سببين رئيسيين: اولهما التعارض بين اهداف كل من الجانبين من المفاوضات. وثانيهما التعارض بين اهداف الاطراف الخارجية وهي المسألة التي تفسر استمرار الحرب الافغانية منذ عام 1989 حتى الان. ولعل في مقولة ممثل الامم المتحدة ان مهمته قد تكون اسهل مائة مرة اذا وافقت الدول المجاورة وخاصة ايران وباكستان على وقف المساعدات العسكرية للفصائل الافغانية خير دليل على ذلك. وهنا نجد ان هناك تداخلا بين السبب الاول والسبب الثاني حيث ان طالبان ترفض مناقشة اقتسام السلطة في حين يطالب التحالف بذلك ويطالب برفع الحصار عن بعض المناطق في حين ترفض طالبان ذلك. وهكذا تستمر دوامة الحرب الاهلية في افغانستان في ظل تناقض المواقف بين قادة الفصائل الافغانية وتضارب المصالح بين القوى الاقليمية والدولية.. وكان الله في عون شعب افغانستان. بقلم ــ د. أحمد فارس عبدالمنعم