ارتسمت صورة هذا البلد في اذهان الناس منذ سنوات عدة مقرونة بالحرب والدمار الذي اتى على كل شيء, وصار اسم افغانستان يجر الذاكرة الى من يتآمرون لتدمير بلدهم بصورة وحشية , ودون رحمة الى ان تحول الكلاشينكوف والآر. بي. جي إلى جزء لا يتجزأ من شخصية الافغاني الذي يتمنطق بهذا السلاح منذ الصباح الباكر حتى ينام الليل حاضنا اياه ليدك به بعد ذاك منزلا او يقتل ابن وطنه الذي يقف في مترس آخر! وبات معظم الناس مقتنعون بأن هذه الحرب ملهاة لا هدف لها ولا معنى سوى الصراع على كراسي السلطة والتحكم بعباد الله, واصبح البعض يترحم على الملك ظاهر شاه وايام الملكية الغابرة التي حافظت على استقرار البلاد من شرور وجحيم الحروب الاهلية, التي تزهق الارواح البريئة, وتأتي على مقدرات الوطن وثرواته ومستقبل اجياله. عندما كان الثوار (يجاهدون) ضد الحكم الماركسي بقيادة كارمل المدعوم من الاتحاد السوفييتي كان التعاطف العربي والاسلامي معهم لا حدود له, وظل الناس يتمنون لحظة الانتصار والخلاص من المد الشيوعي حتى يتسنى لقادة الثوار اقامة دولة اسلامية عادلة ربما تكون هي النواة لاعادة الاعتبار للمسلمين في تلك البقعة من العالم. وما ان انسحب السوفييت وسقط النظام الاحمر حتى بدأت الحرب الاهلية بين حلفاء الامس واعداء اليوم الذين قاتلوا وجاهدوا ضد عدو واحد... ووسط هذه الاجواء اختلطت الاوراق وضاعت الحكمة والرؤية العقلانية ولم يعد المراقب قادرا على تحليل ما يجري لان الكل يرفع شعار الاسلام ويتحدث عن تطبيق الشريعة الاسلامية.. وتاه العقل في اجواء قعقعة السلاح ولعلعة الرصاص... وبات مشهد المدنيين الافغان وهم راحلون من كابول وبقية المدن الافغانية هو المشهد المألوف لهذه الدولة المنكوبة. من يتحمل المسؤولية؟ من يتآمر على من؟ من المستفيد مما يجري؟ وهل لهذه الصراعات من نهاية؟ ومن هو الصح في هذه الاجواء الملوثة برائحة البارود ودخان المدافع؟ اسئلة كثيرة تطرح عند مناقشة المسألة الافغانية وتبحث عن اجابات. المستجدات الاخيرة تشير الى ان حركة طالبان التي تدير سلطة الحكم غير المرئية تشدد قبضتها يوما تلو اخر على البلاد وتتفوق على المعارضة في الشمال مما ادى الى انزعاج جيرانها روسيا وايران وهو الامر الذي بدأ يثير معه شكوكا حول خط سير اللعبة السياسية في افغانستان ومساراتها والانعكاسات على دول الجوار التي ترقب التطورات بقلق, وبدأت كل دولة تعيد حساباتها السياسية تجاه هذا البلد الذي لم تتضح الصورة النهائية لنظامه السياسي. لعبة الدول الكبرى مازالت غامضة تجاه افغانستان وان كانت فرص اعادة صياغة الخرائط السياسية مطروحة في ظل سعي امريكي محموم لقطع الطريق على دول اقليمية من ممارسة ادوار فاعلة على صعيد الشأن الافغاني. ومع تطور الاحداث بصورة مثيرة برزت ثلاث دول اقليمية هي روسيا وايران وباكستان هي المعنية اكثر من غيرها بالمسألة الافغانية... حيث بدأت التهديدات والتهديدات المضادة من هذه الاطراف سيما وانها معنية اكثر من غيرها على خلفية مسار الحرب الاهلية وما ستفضي اليه من نتائج قد ينتصر فيها طرف على آخر ربما لفترات محدودة سرعان ما تتغير المعادلات تبعا لقوة وامكانيات كل طرف. الضحية في كل هذه المأساة هو الشعب الافغاني الذي يدفع ثمن هذه الحرب المجنونة من حياته ومستقبل اجياله, اما قادة الحرب فانهم غارقون في انتصاراتهم الواهية على بعضهم.. لان مفهوم الانتصار في هذه الحالة مختلف (فالمنتصر في الحرب الاهلية مهزوم) لانه سينتصر على شقيقه ولا فخر له في ذلك البتة. ان مسؤولية استقرار افغانستان هي مسؤولية ابنائه بدرجة اساسية.. فهل تخرج قيادات الحرب من النفق لتدرك ان العالم سيدلف قريبا في الالفية الثالثة بعقلية جديدة تتوق للتكنولوجيا الحديثة والتقدم الانساني بعيدا عن عقلية الحروب والثأرات.. وتبدأ بالعمل على اعادة روح العصر الى افغانستان التي توقف فيها الزمن.. وتصوغ اتفاقا يضم كل الفصائل السياسية يفضي الى تشكيل حكومة وحدة وطنية تنشد مصلحة البلاد اولا بروح من المسؤولية والحرص على المصلحة الوطنية... ام سيستمر غياب العقل كما هو عليه الان.. ولا حياة لمن تنادي.