عندما وصل المجاهدون الأفغان الى كابول, بعد سنوات الماضي المهول, بدأوا صراعهم حول كل القضايا صغيرها وكبيرها . كانت بعض نقاط الاختلاف الحادة هي هل الموسيقى حلال ام حرام؟ وهل يجوز تربية الحمام في البيوت والحقول؟ وهل يجوز اللعب بالشطرنج؟ وحلق اللحية؟ والتصوير؟ وخروج المرأة الى العمل؟! بدت هذه القضايا, وهي مجرد أمثلة لقضايا كثيرة من وزنها, وكأنها أهم القضايا أمام المجاهدين. وكان غريبا أن الذي أثار قضية الموسيقى على الخصوص, هو عبد رب الرسول سياف الذي جاء به المجاهدون خصيصاً ليرأس التحالف العام لمنظمات وأحزاب الجهاد, باعتباره شخصاً معتدلا, فإذا به يشمر ساعد الجد لإثارة الخلاف حول الموسيقى مطالبا بايقاف بثها فوراً من جهازي الراديو والتلفزيون. اما قضية (الحمام) باعتبار ان الحمام عندما ينطلق فانه يأكل من زروع الناس, وبالتالي لا يجوز تربيته ولا أكل لحمه. واما الشطرنج الذي تتحدث عنه كتب الفقه فهو غير الشطرنج المعروف اليوم, واما حلق اللحية فحكم الفقهاء فيه يتراوح بين الحرمة والكراهة, واما التصوير الفوتغرافي فجل فقهاء اليوم يبيحونه, واما خروج المرأة للعمل فقد تمنعه التقاليد (وغيرة) بعض الرجال الزائدة على النساء, ولكن لا توجد آية ولا حديث يقف ضده. هذه القضايا وما شابهها يتناولها الفقهاء القدامى, ويقررون أحكامها في خفوت, بلا صخب ولا ضوضاء. لكن تحت باب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) حاولت فرق المجاهدين ان تحسمها بأسلوب ثوري, مثلما حسمت نظام كابول السابق. وكان ذلك دليلا على محدودية العقل السياسي لقادة المجاهدين وسوء ترتيبهم للأولويات حتى الاولويات القرآنية الواضحة لم يفلحوا في فهمها. فكل آيات القرآن التي تناولت مفهوم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر, تحدثت عنه بهذا الترتيب: اقامة المعرفة أولا, وازالة المنكر ثانيا كما يتضح من الصيغة التي يرد بها في القرآن, وكذلك فان مجرد اقامة المعروف قد تفي احيانا ازالة المنكر, او التضييق عليه. واقامة المعروف قد تعني فيما تعني تقديم خدمات للناس لتيسير انماط حياتهم, وهذه ناحية قلما اهتم بها المجاهدون المشغولون بالصراع بل انهم اقدموا على تعطيل بعض الخدمات, واما انهاء المنكر او محاربته, فأيضا قد تعني ضمن ما تعني, رفع الانقاض التي خلفتها الحرب, في كابول وفي غيرها من اصقاع البلاد, والعمل على اصلاح ذلك الخراب, فهو كله (منكر) بالمعنى العريض لذلك المصطلح. تلك المهام ــ التي هي لب فقه الدولة ــ بدت صغيرة جدا في اذهان المجاهدين الذين تفرغوا لمحاربة المنكر بمفاهيمه الاخلاقية المحدودة وللصراع القبلي من اجل الانفراد بالسلطة. انموذج طالبان وفيما كان الحزب الاسلامي (اغلبيته من البشتو) والجمعية الاسلامية (قاعدتها الاثنية من الطاجيك) يحتربان انقضت عليهم طالبان, واقتلعتهم من دواوين الدولة وغنمت اسلحتهم وذخائرهم, وتركتهم في شبه شلل عسكري. تنتمي طالبان ايضا لقبائل (البشتو) وتأسست قواعدها الاولى في مدارس الحديث الشريف في قندهار وباكستان. والطالبان هي صيغة جمع المذكر السالم لكلمة (طالب) العربية في لغة البشتو. وليس كل جيش طالبان اليوم من طلبة العلم, وإنما طلائعه الاولى فقط هي التي جاءت من خريجي وطلبة تلك المدارس. وهي مدارس تختلف كثيرا في مناهجها عن مدارس وجامعات وحلقات العلم من العالم العربي والاسلامي اذ انها تركز على دراسة الحديث وحفظ نصوصه وسند الرواة, اكثر مما تركز على دراسة القرآن الكريم والعلوم الشرعية الاخرى ذات الطابع العقلي كالفقه واصول الفقه. وقد اثر هذا في تكوينهم السياسي الى حد بعيد, اذ انهم قلما يعتنون بالتحليل العقلي لقضايا الحرب والسياسة, كل عدتهم هي الاخلاص والحماس, ويبدو انها كانت عدة كافية مكنتهم من ان يدحروا جيوش الحزب الاسلامي والجمعية الاسلامية وتنظيمات الجهاد الاخرى, لكن ما ان استقروا على سدة الحكم, حتى عجزوا عن تسيير امور ووظائف الدولة التي لم يكن لهم ادنى تصور عنها, ولا يملكون الاختصاصات والتدريب الكافي لمباشرتها, اذ ان جيش طالبان لا يملك متخصصين الا في مجال القضاء الشرعي فقط. أسباب الفشل لاشك ان ضعف التصورات السياسية للقادة الافغان كان واحدا من ابرز اسباب فشلهم. لكن تضم لذلك اسباب اخرى تتعلق ببنية الامة الافغانية في الصميم, حيث لم تشكل افغانستان, في اي يوم من الايام دولة قومية بالمعنى الحديث للكلمة ورغم ان افغانستان تخضع للاستعمار المباشر, الا انها ظلت مجتمعات بدوية اكثرها منقطع في شعاب الجبال, تتمتع باستقلال ذاتي شبه كامل, وتحكم نفسها بنفسها, حسب تقاليدها واعرافها بعيدا عن مؤسسات الدولة المركزية التي لم يكن لها سوى سلطان اسمي على خارج كابول. هذا الانتماء القبلي ليس خطأ بالتأكيد, ولا هو دليل تخلف, كما يحلو البعض ان يشنع على بعض مجتمعات العالم الثالث, انما يكمن الخطأ في وضع القبيلة فوق الامة. وقد انتبه لهذا الخلل عدد من قادة افغانستان منذ بداية هذا القرن الا ان محاولاتهم في العلاج اعتمدت على الأساليب القهرية المبالغ فيها, فعندما حاول القائد أمير عبد الرحمن (المعروف في الأدب الانجليزي بأمير الحديدي) ان يوحد افغانستان, لم يجد غير ان يجمع قادة القبائل ويحكم عليهم بالإعدام ومصادرة أملاكهم, وزاد صنيعه ذلك سوءًا عندما جلب أفراد قبيلته (من اليشتو) ووطنهم في أراضي وأملاك القبائل الأخرى. هذا النمط المختل في معالجة الخلل البنيوي في الأمة الأفغانية لم يتغير حتى الآن, وكلما جاءت قبيلة الى السلطة حاولت أن تفرض نفسها على الجميع, وتهمش القبائل الاخرى, ولم تتمكن فصائل الجهاد الافغاني ان تحيد عن هذا الخط المختل, فكلما وصلت حركة منها الى الحكم حاولت ان تمكن لقبيلتها على المستوى القومي. لقد نشأت تلك الحركات الاسلامية الجهادية أساسا على روابط القبيلة, ولو حظيت أفغانستان خلال جهادها ضد السوفييت بحركة جهادية اسلامية واحدة, تقوم على المستوى القومي, لربما أسهم ذلك في تذويب الروابط القبلية قليلاً, وتحجيمها في إطار الرابطة الوطنية الكبرى أولو نشأت تلك الحركات على أسس غير قبلية, أي لو ضمت كل حركة اقساما مختلفة من أكثر من قبيلة, لربما أسهم ذلك ايضا في تحجيم العامل القبلي, وتحقيق الوفاق القومي, والآن فقد أتيح لطالبان (البشتو) أن تسيطر على أراضي القبائل الأخرى في شمال ووسط أفغانستان, من غير أن تعترف بالقيادات العسكرية لتلك القبائل, ومن غير ان تبدي مرونة سياسية لأجل الوصول الى حل وفاقي وسط, الأمر الذي ربما أثار انتفاضات عسكرية قبلية عنيفة ضد طالبان في مقبل الأيام. البعد الخارجي هذا الواقع الداخلي شديد التشظي يترافق معه واقع دولي شديد التعقيد, فقدر افغانستان الجغرافي قد جعلها من قديم موضع صراع بين القوى العظمى. ولشدة الصراع والاستقطاب البريطاني - الروسي في نهاية القرن التاسع عشر حول افغانستان, فقد اتفقت الامبراطوريتان على تحييد افغانستان, وجعلها منطقة عازلة بين نفوذ الامبراطوريتين وفهم حكام افغانستان ذلك الدور, فقيدوا انفسهم بشدة في إطار سياسة الحياد. وخلال ايام الحرب الباردة ظلت افغانستان تؤدي ذات الدور بين النفوذ السوفييتي, والنفوذ الامريكي المتصل بحلفائه في ايران وباكستان, وهكذا ظلت - افغانستان طوال سنوات الخمسينيات والستينيات ترعى بدقة سياسة عدم الانحياز, وظل كل من الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة يقدمان الدعم للحكومة الافغانية المنحصرة في كابول, مع تهميش تام للاطراف الداخلية المنازعة لها. واستمر ذلك الى 1973 عندما قام دواد خان بانقلابه الذي اخل بالحيا الدولي لافغانستان, وهنا بدأت قوى اقليمية وعالمية تعين جماعات المعارضة للنظام, الذي بدأ يميل بثقل واضح نحو الاتحاد السوفييتي السابق. ثم جاء الانقلاب الشيوعي في 1978 الذي اثار المعارضة الاسلامية المسلحة, التي تضاعف قوتها بمساعدات دولية عديدة. وهكذا فمنذ اخلت افغانستان بدورها في الحياد, فقد اصبح مسرحها السياسي مرتعا لتدخلات دولية عديدة. وعندما احتلت طالبان كابول في 26/9/,1996 اضطرب الوضع الاقليمي كثيرا. لقد كان واضحا ان طالبان قد حققت انتصاراتها بدعم باكستان وامريكا (لا تزال امريكا تنكر هذا الدور) ولذلك فقد انزعجت روسيا ودول آسيا الوسطى وايران ايما انزعاج اذ بدا ان طالبان ربما واصلت مسيرها فاجتاحت طاجيكستان, ودول آسيا الوسطى الاسلامية الاخرى, ووقفت اخيرا على ابواب الحدود الروسية. واما ايران فقد نظرت الى الدعم الامريكي لطالبان, وكأنه يجىء في سياق سياسة احتواء وتطويق ايران. منذ وصول المجاهدين الى الحكم زاد نفوذ الدول الاقليمية في افغانستان وارتبطت بعض حركات الجهاد ارتباطا خارجيا قويا, بقوى اقليمية كالهند, وازبكستان, وباكستان, وايران. ولكن نفوذ القوى العظمى عاد يهيمن على الصورة منذ ان بدأت مشروعات تسويق نفط بحر قزوين. تحاول امريكا ان تخفي دعمها لطالبان لأن الامر يتعلق بصفقات الاستثمار الامريكية لنفط بحر قزوين. وفي هذا الاطار حاول الكونجرس الامريكي اولا انه يوجه الاحداث باتجاه استقدام الملك القديم ظاهرة شاه (83 عاما) لحكم افغانستان, ولكن عدم مشاركة الملك في الجهاد, اجهضت اي محاولة لاعادة تنصيبه ملكاً على البلاد, وهكذا لم يبق لأمريكا سوى ان تعتمد على القوة الواعدة ممثلة في (طالبان) وذلك مع ممارسة بعض الضغوط عليها لتتفق مع حركات الجهاد الاخرى وفي مارس الماضي هددت مادلين اولبرايت باكستان بالعقوبات والعزلة الدولية اذا لم تضغط على طالبان لتتوصل الى آتفاق مع الفصائل الاخرى. ان المطلوب ــ امريكيا ـ هو ان يتحقق الاستقرار في افغانستان وذلك حتى تتمكن الشركات الامريكية عابرة القارات من تشييد خط نقل النفط والغاز من تريكيميتستان, عبر افغانستان الى باكستان, ولهذا الغرض تضغط شركة Unocal النافذة في دوائر الكونجرس ووزارة الخارجية الامريكية بشدة لتحقيق الاستقرار في افغانستان. لكن هل يتحقق ذلك لمجرد ان شركة Unocal ترغب في ذلك؟ يبدو ان تعقيدات الواقع الافغاني لا تبشر بأي حل في هذا الاتجاه. افضل ما اطلعت عليه اخيرا في سياق حل المعضل الافغاني هو ما جاء في كتاب Fundmentation Reborn? Alganiston and the talibon الصادر قبل شهور حيث اشار الدكتور نصيف شاهراني استاذ الدراسات الافغانية بجامعة انديانا الى ان الحل ربما يكمن في هجر فكرة الدولة القومية اساسا والاعتماد على حكم محلي للمجتمعات الافغانية.. وهذا الحل هو من قبيل الكي الذي هو آخر الدواء. وفي تفاصيل الكتاب أبحاث اجتهادية جادة, كان ينبغي ان يقوم بها المجاهدون انفسهم, بدلا عن ان يشغلوا انفسهم بقضايا الموسيقى, واللحى والحمام!