أفغانستان ضحية ظروف اقليمية ودولية عديدة لاناقة لها فيها ولا جمل, وهي تفسر جانبا من حالة التفكك التي تهدد بانفراط عقد الدولة هناك . فرغم الانتصارات التي حققتها طالبان مؤخرا على تحالف المعارضة الأفغانية, وبدء ظهور مؤشرات على أحكام سيطرتها على مجمل أراضي البلاد, إلا ان كافة الدلائل تشير إلى ان ذلك لن يكون بأي حال من الأحوال بداية مرحلة جديدة من الاستقرار في أفغانستان, وإنما هي مرحلة مؤقتة تستتب فيها الأمور لطالبان فترة من الوقت حتى اشعار آخر. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى المأزق الذي تواجهه طالبان بسبب الظروف الاقليمية والدولية, بل وحتى الداخلية وطبيعة الحركة ذاتها والتي تجعلها غير مقبولة كواجهة لحكم أفغانستان, ما يفرض على طالبان العيش في مناخ من العداء يهدد استمرار احكام قبضتها على البلاد. وإذا كان خصوم طالبان التقليديين حتى فترة قريبة يتمثلون في روسيا ــ ايران ــ الهند, فقد تضيف تطورات الفترة المقبلة خصما جديدا هو الولايات المتحدة ما يعني تضييق الخناق على طالبان. فمن ناحية فإن القلق من امتداد تأثيرات طالبان ذات التوجهات الأصولية إلى المعارضة الاسلامية في الدول المستقلة بالكومنولث الروسي وعلى رأسها طاجيكستان وأوزبكستان يدفع بروسيا إلى اتخاذ مواقف عدائية لاحتواء ما تراه من تأثيرات سلبية يمكن ان تنتج عن انتصارات طالبان, ويفسر هذا إلى جانب اسباب أخرى تعزيز موسكو للوجود العسكري على الحدود الطاجيكية مع أفغانستان, حيث يتمركز حاليا 25 ألف جندي. أما ايران فهي تمثل أحد الأطراف الرئيسية المعنية بما يجري في أفغانستان ويتبع ذلك من أبعاد اقتصادية وسياسية, فطهران تحرص على مناصرة حزب الوحدة المعارض وتسعى لأن يكون له دور في حكم أفغانستان, وهو مسعى يبدده انتصار طالبان, فضلا عن ذلك فإن استباب الأمر لهذه الأخيرة سوف يقضي على مصالح طهران المتمثلة في نقل غاز ونفط منطقة بحر قزوين عبر أفغانستان وباكستان وتجنب المرور في ايران رغم ان المرور عبر ايران هو أقصر الطرق, إلى جانب ما تراه طهران من ان الحركة تساهم في نشر فهم مغلوط عن الاسلام. أما الهند فهي تناصب طالبان العداء انطلاقا من ان انتصارها يمثل خطرا على المصالح القومية في ضوء التأكيدات التي تذهب إلى كون الحركة صنيعة باكستانية. ورغم ان كل هذا العداء من أطراف اقليمية لم يؤثر في الحركة, إلا ان التطور الجديد المتمثل في بوادر الخلاف بين طالبان والولايات المتحدة على خلفية ضرب الأراضي الأفغانية لملاحقة أسامة بن لادن يضيف طرفا جديدا في مناخ العداء لا شك ان تحوله إلى خصم حقيقي قد يغير من قواعد اللعبة بأكملها في ضوء الحقائق التي تشير إلى صعود طالبان بفضل دعم الولايات المتحدة وباكستان. وتبقى هذه الأخيرة هي الحليف الوحيد الذي يقف وراء طالبان, وموقفها لا يخلو من حذر أيضا من انقلاب طالباني عليها في شكل تشجيع الاتجاهات الأصولية باسلام أباد ذاتها, واحتمالات اثارة الحركة لمطالب حدودية بشأن أراض تم ضمها إلى باكستان في خط ديوراند. إذا أضفنا إلى ذلك رفض منظمات دولية عديدة لطالبان لما يوجه لها من اتهامات بشأن انتهاك حقوق الإنسان وممارساتها التي لا تتفق سواء مع روح الاسلام أو العصر لأدركنا مدى اتساع جبهة الرفض للحركة. يعزز من كل ذلك امكانية مواجهة طالبان مشاكل على المستوى الداخلي نظرا للطبيعة الفسيفسائية للمجتمع الأفغاني الذي يضم أعراقا متعددة. وعلى هذا تبقى الصورة مظلمة بالنسبة لطالبان.. ويبقى مصير الاستقرار في أفغانستان معلقا لحين اتفاق ادارات الأطراف الاقليمية والدولية .. وهو اتفاق مشكوك في حدوثه على الأقل في المدى القريب.