في يوليو من عام ,1994ومن حواف ولاية قندهار في الجنوب الغربي لأفغانستان ظهرت مجموعة صغيرة من طلاب المدارس الدينية , وبحلول سبتمبر 1997 كانت هذه المجموعة قد اشتهرت عالميا باسم (حركة طالبان)ووصلت جيوشها الى الحواف الشمالية لأفغانستان بعد ان سيطرت على حوالي 80% من مساحتها بما في ذلك العاصمة كابول مغيرة بذلك الخارطة السياسية والعسكرية والفكرية للداخل والتشابكات الدولية في الخارج. هذا الظهور المفاجىء لحركة طالبان وتطورها الطفري المباغت والتعامل الدولي معها ما بين الغموض والتباين, أثار الكثير من التساؤلات حول هذه الحركة بدءا بمنشئها وانتهاء بمستقبلها. وفيما يلي تعريف سريع وموجز للحركة يلقي الضوء على عوامل ظهور الحركة والنشأة الأولى مع أبرز الايجابيات والسلبيات: المدارس الدينية منبت (حركة طالبان) المدارس الدينية هي المحاضن التي تربى فيها أفراد حركة طالبان, وفيها تشكلت شخصيتهم وثقافاتهم وبناؤهم التفكيري, وتنتشر المدارس الدينية في مختلف مناطق أفغانستان وباكستان, وغالبا ما تدار هذه المدارس من قبل الشخصيات الدينية المعروفة, وتمول عن طريق جمع التبرعات من داخل وخارج باكستان, بالاضافة الى ما تتلقاه من الدعم من قبل الحكومة الباكستانية منذ عهد الرئيس الأسبق لباكستان الجنرال ضياء الحق.. ومع ذلك فهذه المدارس مستقلة لا تخضع للرقابة الحكومية, ومعظمها لا ينخرط في الحياة الحزبية السياسية. عوامل ظهور ونشأة حركة طالبان عوامل عديدة ساعدت ومهدت لنشأة وظهور حركة طالبان, ومكنتها خلال عامين فقط بعد ظهورها من السيطرة على العاصمة الأفغانية كابول في السابع والعشرين من سبتمبر عام 1996 بعد انسحاب القوات الموالية للرئيس رباني منها نحو الشمال, وفيما يلي نعرض لأهم هذه العوامل على المستويين الداخلي والخارجي: العوامل الداخلية 1- الحروب الأهلية: فمنذ سيطرة فصائل المجاهدين الأفغان على كابول في أبريل من عام 1992 ودحرهم لنظام نجيب الله العميل للاتحاد السوفييتي السابق, نشبت حروب أهلية بين هذه الفصائل راح ضحيتها أكثر من 40 ألف شخص. 2- الفوضى وانعدام النظام: كانت الفصائل المتحاربة تقتسم ولايات أفغانستان. 3- غياب الأمن والاستقرار. 4- الفساد الأخلاقي: انتشر الفساد الأخلاقي بصورة غريبة, كما انتشرت حوادث الاغتصاب القهري من قبل المتسلطين والمتنفذين وخاصة من قبل ميليشيات دوستم هذا اضافة الى انتشار أنواع غريبة من الفساد الأخلاقي لم تعتد عليه البلاد من قبل. 5- ابتزاز أموال الناس. 6- ظهور طبقة أثرياء الحرب: لقد نهب قادة المناطق ثروات البلاد, واستغلوا عدم وجود إدارة مركزية قوية وبدأوا يتاجرون بأموال الشعب وثروات البلاد من المعادن والأحجار الكريمة وممتلكات الدولة من الأسلحة والذخيرة وأكوام الحديد الخردة التي خلفها الجيش الروسي, وضرائب الجمارك الحدودية .. إلخ. العوامل الخارجية الموقع الجغرافي لأفغانسان أملى عليها أن تكون ميدانا للصراع بين القوى الاقليمية, الخارجية وتعددها نكتفي بطرح العامل الرئيسي في ظهور طالبان والذي تمثل في: * المحور الأمريكي الباكستاني وهو أهم وأخطر عامل من عوامل ظهور طالبان نظرا لتلاقي تطلعات الحكومة الباكستانية مع الأهداف الأمريكية لضرب الإسلام الأصولي ومشاريعه المستقلة, كما دفعت المخاوف من النفوذ الإيراني في المنطقة دولا عديدة للمساهمة في هذا المحور بشكل أو بآخر بدعم حركة طالبان, وإن كان تمرد الحركة على سياسات واشنطن إسلام أباد أمرا واردا. وكان لتطلعات القادة الأصوليين المستقلة عن الحدود المرسومة ضمن الأهداف الأمريكية في المنطقة دور كبير في حالة عدم الرضا السائدة, ومن ثم تحرك المحور الأمريكي الباكستاني لضرب هذه القوى في أفغانستان لتحقيق التالي: ايجاد حكومة صديقة لباكستان وتوفير عمق استراتيجي لها تجاه الهند وفتح الطرق أمام السلع الباكستانية نحو أسواق آسيا الوسطى. ضرب الاسلام الأصولي المتمثل في الأحزاب الجهادية وحرق وتشويه التجربة الجهادية التي انتقلت إلى مناطق أخرى في العالم. مقاومة النفوذ الايراني في المنطقة وتشديد الحصار عليها من جهة الشرق. استقرار الوضع في أفغانستان في ظل حكومة تتمكن من منع زراعة المخدرات, ومنع نشاط الأفغان العرب المطلوبين والقيام بجمع السلاح من أفغانستان والسيطرة عليها. ايجاد حكومة لا تعارض السياسة والمصالح الأمريكية, فقد تقبل واشنطن بحكم اسلامي في أفغانستان يجلد الظهور ويقطع الأيدي والرؤوس, ولكنها لا تقبل بحكم يقطع المصالح الأمريكية, أو يقرع أجراس الخطر ضد الهيمنة الأمريكية. * في ظل هذه العوامل الداخلية والخارجية ظهرت حركة طالبان كنتيجة لهذه العوامل التي أوصلت الحالة الأفغانية إلى ذروة أزمتها, فكانت الظروف الداخلية والخارجية مهيأة لنشأة هذه الحركة التي يحظى أعضاؤها باحترام وتقدير كبيرين من قبل الأفغان باعتبارهم أكثر قطاعات الشعب نزاهة وأمانة ودينا.. وبإمكانهم ملاحقة الفساد المستشرى في البلاد ووضع حد له . مَنْ وراء انشاء حركة طالبان؟ يرى معظم المراقبين ان حركة طالبان لم تنشأ من فراغ وأنها ظهرت بتمويل ومساعدة من جهات خارج أفغانستان ويوجهون أصابع الاتهام في هذا الصدد باتجاه باكستان بالدرجة الأولى بوصفها صاحبة المصلحة الكبرى في ظهورها. ويشير المراقبون إلى الجولة الطويلة التي قام بها الجنرال نصير الله بابر وزير الداخلية الباكستاني السابق في جنوب وغرب أفغانستان في المكان الذي نشأت فيه حركة طالبان ـ في شهر أكتوبر 1994 ــ أي قبل الاعلان عن قيام الحركة ـ حيث التقى خلال هذه الجولة بالقادة الميدانيين والمسؤولين في الولايات من قندهار إلى هيرا, وأرسل بعد عودته قافلة مكونة من 30 شاحنة محملة بالمساعدات والمواد الاغاثية لسكان قندهار وهيرا وكانت القافلة تحت قيادة كولونيل من الاستخبارات الباكستانية, فتعرض لها القائد منصور أغا في قندهار , وانتشرت أخبار سلب القافلة ونهب أموالها في وسائل الاعلام الباكستانية والعالمية, فتحركت مجموعة من طلبة المدارس الدينية لتخليص القافلة وأعدم القائد منصور أغا مع بعض رفاقه تحت ترويج كبير من قبل الاعلام الباكستاني والعالمي, وكان هذا أول ظهور اعلامي كبير لحركة طالبان. الثابت ان حركة طالبان قد بدأت عملها قبل حادثة القافلة بأربعة أشهر تقريبا, لذا فإنه من الصعب نسبة أول نشأتها إلى بابر, لكن الذي يظهر انه قدر خلال جولته ان الظروف مواتية لانتشار مثل هذه الحركة, فأراد ان يستغلها بمساعدة الاستخبارات الباكستانية, ومازالت محاولات استغلالها من قبل باكستان مستمرة. بل ويرى عدد من المراقبين ان باكستان ليست الجهة الواحدة التي تدعم الحركة وتسعى لاستثمارها, مشيرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأنها متواطئة مع باكستان في هذا الأمر.. كما ان هناك تصريحات لمسؤولين باكستانيين بهذا الاتجاه , ومن هؤلاء حميد جل الرئيس الأسبق للاستخبارات الباكستانية الذي يرى ان حركة طالبان نبتة (أمريكو ـ باكستانية) زرعت في أفغانستان , حيث قال في الندوة التي نظمها معهد الدراسات السياسية باسلام أباد في 18/10/1995 حول النفوذ الأمريكي في باكستان: ( ان سياسة باكستان في أفغانستان تديرها الاستخبارات الأمريكية, وان حركة طالبان زرعت زرعا في أفغانستان) . غير ان قيادات طالبان تنفي هذه الاتهامات حول نشأة حركتهم ووقوف جهات خارجية وراء تكوينها ويرون انها أفغانية النشأة, وأنها مخاض طبيعي ونتيجة محتمة للظروف التي كانت تحيط بالبلاد, وأنها قامت من اجل القضاء على الفساد المستشري وتخليص الناس من قطاع الطرق وإحلال الامن والسلام. حركة طالبان: الايجابيات والسلبيات حركة طالبان التي احكمت سيطرتها على معظم الاراضي الافغانية, تركت تأثيرا كبيرا في المجتمع الافغاني, ولقد تضاربت الآراء حول هذا التأثير, ففيما يرى البعض انه شر محض, يراه آخرون نموذجيا... ونعرض هنا لأهم الايجابيات والسلبيات التي ظهرت بوضوح على الساحة الافغانية, ومن خلال هذا العرض يمكن للقارىء ان يحكم على الحركة وعلى ما خلفته من تأثير. أولا: أهم الايجابيات ــ إعادة الامن والاستقرار: ذكرنا ان الوضع الامني كان متدهورا جدا في معظم انحاء افغانستان قبل ظهور حركة طالبان, فلما ظهرت الحركة عاد الامن والاستقرار الى الولايات التي سيطرت عليها خاصة بعد إيقاعها عقوبات رادعة على مثيري الفوضى وقطاع الطرق والمجرمين, وشعر معظم الناس الذين يقطنون هذه الولايات بالاطمئنان والامان. ــ جمع الاسلحة. ــ توحيد الاراضي الافغانية". ــ القضاء على المحسوبية والفساد الاداري. ــ مقاومة الفساد الاخلاقي ذكرنا فيما سبق ان الفساد الاخلاقي وجد رواجا كبيرا في افغانستان, ولم تتمكن الحكومة السابقة ان تغير الوضع, الا انه مع مجيىء الحركة اختفت مظاهر الفساد تماما, وان كان هناك تشدد غير مرض في بعض الامور الا انه لابد من الاشادة بهذا المكسب. ــ ايجاد نظام اداري وانشاء المحاكم كانت عدة ولايات تقوم على الفوضى دون نظام او ادارة وكان يحكمها قانون الغاب حيث يتمتع فيها القوي بكل الحقوق والمزايا وبعض من جميع الالتزامات والواجبات, ويحرم الضعيف من ابسط حقوقه وعليه جميع الالتزامات.. ولما سيطرت الحركة اقامت الدوائر الحكومية والمحاكم الشرعية فقضت على الفوضى والتسيب. ثانيا: ابرز السلبيات التعصب وضيق الافق افراد حركة طالبان متعصبون لما يحملونه من افكار واراء فلا يقبلون رأيا مخالفا لرأيهم أو فكرا يتعارض مع فكرهم, كما انهم يصادرون الافكار الاخرى اسلامية كانت او غير اسلامية, لذا فانهم عندما دخلوا مدينة جلال اباد اصدروا اوامر الى جميع المكتبات العامة ان تخرج الكتب التي لا تتفق مع افكارهم, كما اصدروا اوامر بالا تنشر الصحف والمجلات الا ما يخدم اهدافهم. تشويه صورة النظام الاسلامي فالحركة ليس لديها تصور واضح عن اقامة النظام الاسلامي ومجمل تصورهم عنه ينحصر في حمل الناس واجبارهم على اختيار المظهر الاسلامي من اللحية والعمامة والباس وتقصير الشعر واقامة بعض الحدود واجبار الناس على صلاة الجماعة ومنع المنكرات وليس عندهم وراء ذلك شيء. وهو ما صور الاسلام وكأنه يعنى بالمظهر دون اللباس. ــ عدم وجود كوادر مؤهلة زجت الحركة بطلاب المدارس الدينية ممن ينتسبون اليها في جميع الدوائر الحكومية هذا في حين ان هؤلاء ليست لدى احد منهم ادنى خبرة ادارية او عملية لذلك فقد فشلت اغلب هذه الدوائر في مهمتها. ومع ذلك لا تشعر قيادة الحركة بضرورة استخدام الكوادر المتخصصة والمؤهلة وترى ان من درس في المدارس الدينية يمكن ان يقوم بأي عمل يفوض اليه. ــ عدم الاهتمام بالتعليم العصري او الحديث: يرى كثير من قيادات الحركة ان التعليم الديني هو الاصل وغيره امر ثانوي لا يستدعي الاهتمام, وقد اثرت هذه القناعة في وضع التعليم في افغانستان, فقبل دخول الحركة الى كابول اغلقوا المدارس الثانوية كلها في ولاية لوغر وميدان وغيرهما مكتفين بالتعليم الديني والمدارس الدينية, وفي الحين الذي ضيقوا الخناق فيه على المدارس العصرية والثانوية وقلصوا عدد مدرسيها الى النصف وقللوا الانفاق عليها بحجة ضعف الميزانية, نجدهم انشأوا مدارس دينية جديدة بمساكن داخلية في قندهار وهيرا وهلمند وغزني وغيرها وصرفوا عليها اموالا طائلة. ــ استنزاف موارد البلاد: لما كانت مصاريف حركة طالبان كثيرة خاصة مصاريف حربها مع الفصائل الاخرى فانها بدأت ببيع بعض المواد الخام مثل الرخام في هلمند وبعض انواع المعادن في ولاية ننجرهار وانواع جيدة من اخشاب غابات افغانستان بأثمان زهيدة جدا.. وبذلك يلحقون اضرارا كبيرة باقتصاد افغانستان. ــ الايذاء والتعذيب الوحشي: فالحركة تمارس ايذاء عنيفا لبعض التهم البسيطة التي لا تستحق مثل هذا الامر كالاتهام باقتناء سلاح او اقامة علاقة مع المعارضة, ويصل التعذيب في كثير من الاحيان الى التسبب في اعاقة الشخص واحيانا موته. مما سبق يمكننا تلخيص ايجابيات حركة طالبان وسلبياتها في جملة واحدة هي ان الحركة استطاعت ان تزيل الفساد لكنها لم تستطع ان تقيم نظاما بديلا.. ومن المعلوم ان عملية التغيير لها جانبان: ازالة نظام قديم فاسد واقامة نظام بديل عنه فنجحت الحركة في الاولى وفشلت حتى الآن في الثانية. اسلام أباد ــ البيان