شهدت الدراما الافغانية المشتعلة منعطفا خطيرا في الاسبوعين الماضيين ودخلت فصلا جديدا بعد سيطرة حركة طالبان البشتونية على 85% من الاراضي الافغانية عقب انهيار تحالف ترويكا الشمالي الطاجيكي الاوزبيكي وسقوط أهم معاقلها في مزار شريف وطالقان , الامر الذي وصفه المحللون بأنه نصر غير مسبوق لنظام الحركة وذلك بالنظر الى الأهمية الاستراتيجية السياسية منها والعسكرية لتلك المناطق. ووسط الانتصارات المبهرة للطالبان تناثرت عشرات علامات الاستفهام والتعجب من نوع: الى اين تتجه افغانستان؟! وهل باتت قاب قوسين أو ادنى من السلام؟ والى أي مدى تستطيع حركة طالبان اقناع الآخرين بأنها مؤهلة لحكم افغانستان وانها (البديل الافضل) ؟! وتبرز اسئلة من نوع أخر.. كيف تبدو ملامح الحقبة المقبلة.. هل ستدخل البلاد في دائرة الاستقرار ام في مرحلة فوضى جديدة؟! والاهم من ذلك كيف ستتبدل تحالفات الترويكا الشمالي.. وما هو دور الاطراف الاقليمية والدولية في سيناريو السلام أو الحرب؟! والنظر الى بيشاور ,وجلال اباد بانها مكان لتصدير المخدرات؟! ومايضاعف من أهمية هذه الاسئلة الملحة والباحثة عن اجابة (الاشارة الى الهجوم الامريكي على الخرطوم وافغانستان الخميس قبل الماضي وسعي البيت الابيض الى كسب المعركة ضد ما تسميه اليوم بضرب معاقل (الارهاب) بقيادة أسامة بن لادن الذي ساهمت واشنطن في دعمه وتدريب جماعته واستخدمته في (الحرب الباردة) ضد عدوها الاتحاد السوفييتي السابق!! وعلى خلفية هذه الصورة تبرز النتائج المأساوية للنزيف الدامي لحرب الأخوة الاعداء من (المجاهدين) وحتى (الطالبان) باعثة على الاسى والحسرة في نفوس معظم م رابطوا ــ إبان الجهاد ضد السوفييت وبعده ــ بين الاسلام وحرب الابادة الافغانية ــ الافغانية.. ولاستجلاء حقيقة مايجري اليوم في هذا البلد المنكوب بأيدي ابنائه وتقديم رؤية تحليلية لاستشراف آفاق المستقبل في هذه البقعة من عالمنا الاسلامي المضطرب والمشتعل بكوارث وصراعات تبدأ ولا تنتهي كان لابد من العودة الى الملف الافغاني لمعرفة جذور الصراع العرقي بكل تقاطعاته وتداخلاته مع المحيط الجغرافي. ملتقى الطرق ولعله من المفيد هنا اعادة قراءة التاريخ الافغاني من اجل فهم أفضل لخلفيات الصراع الراهن واحتمالات الايام المقبلة الحبلى بالاحداث فماذا تقول الذاكرة الافغانية؟ لنتابع. شكل الموقع الجغرافي لافغانستان على مدى التاريخ محطة هامة لنقطة ملتقى طرق بين ايران وشبه القارة الهندية والصين وآسيا الوسطى وروسيا ــ لذا مثل هذا الموقع مكانا للتواصل بين الشرق والغرب ــ كما كان بلدا استثنائيا للهجرات البشرية.. وبسبب هذا الموقع كانت افغانستان هدفا لغزو خارجي مما جعلها على الدوام جزءا من الامبراطوريات الكبيرة التي جاءت على التوالي الى منطقة الشرق الاوسط وصلة الوصل بين الحضارات الآسيوية الكبرى.. وكان ان خلق هذا الواقع المتشابك والمعقد مجتمعا متنوعا باعراف متعددة للشعب الافغاني الذي يعاني منذ قرون عزلة منعته على الانفتاح على العصر الحديث والقرن العشرين!! وهكذا وقعت افغانستان خلال القرن السابق, وتحديدا عام 1837م, في دائرة الصراع بين روسيا القيصرية وبريطانيا التي كان تحكم شبه الجزيرة الهندية المتاخمة درة التاج البريطاني (سياسيا) وفي عام 1879م حققت بريطانيا معاهدة مع افغانستان الخارجية مقابل ستين الف جنيه استرليني سنويا. واعترف قيصر روسيا بوضع بريطانيا الخاص وبين عامي 1901 ــ 1919 تولى الملك حبيب الله السلطة وكان معجبا بكل ماهو بريطاني حتى انه اغتيل بسبب رفضه اي اعتراض على محاربة بريطانيا لتركيا الاسلامية خلال الحرب العالمية الاولى بسبب الصراع الاوروبي على امتلاك المستعمرات والتسابق على امتلاك تركة الامبراطورية العثمانية. وفي عام 1917 قامت ثورة البلاشفة في موسكو على أنقاض روسيا القيصرية .. حيث حملت هذه الثورة نظاما غير ذلك الذي في الغرب .. وترافق مع ميلاد النظام الجديد في روسيا الكشف عن اتفاق (سايكس بيكو) لتقسيم تركة الدولة العثمانية .. وبعد عامين من قيام الثورة البلشفية تولى أمان الله الحكم في أفغانستان عقب اغتيال والده في عام 1919. هنا فتح حاكم كابول الجديد عينيه على ما يدور من حوله في العالم وبخاصة في شمال مملكته. فحاول أمان الله اقامة علاقات حسن الجوار مع روسيا ووقع معاهدة في 28/2/1921م تضمنت لأول مرة في تاريخ المعاهدات التأكيد على تساوي الطرفين وعلى الالتزام المتبادل بتحرير شعوب الشرق. وفي اكتوبر من العام نفسه وقع اتفاقا مع بريطانيا والاتحاد السوفييتي على اعتبار أفغانستان منطقة محايدة وانصرف أمان الله الى تحقيق اصلاحات داخلية وكان منهجه مشابها لمحاولات اتاتورك بالتركيز على التعليم وحرية المرأة وإدخال التشريع المدني وإنشاء مجلس وطني للشورى وبعض أوجه المدنية الأخرى, وأسس مدينة جديدة في كابول لكنه لم يقترب من أساس المجتمع فبدلا من محاولة لتحقيق اصلاح زراعي أو عقاري فقد ضاعف الضرائب على التجار والملاك فزاد بطبيعة الحال من ظلم المزارعين حتى وصل بهم الحال الى الفرار إلى الجبال وقطع الطريق وظهرت أشكال من المقاومة الشعبية كتمرد قبائل القاجيك الجبلية ضد امتيازات الباشتون التي ازدادت طوال القرن الماضي حتى قطع امداد الكهرباء عن كابول, واشتعل الموقف وفر أمان الله عام 1929م الى ايطاليا حيث توفي عام 1960. واستمرت الفتن الداخلية قرابة عشرة شهور مهدت لحكم نادرخان وهو من أسرة أمان الله كان سفيرا في باريس وسهلت بريطانيا الأمر حتى نادى به رؤساء المدن والقبائل والخانات ملكا فألقى الكثير مما وضعه أمان الله كتعليم النساء وجعل الحجاب اجباريا وأعاد النفوذ للنزعات القبلية ولرجال الدين وسرعان ما اغتيل عام 1933م فتولى ابنه - ظاهر شاه - الموجود حاليا في ايطاليا وكان بين الرابعة عشرة والتاسعة عشرة, وطوال عهده الذي امتد حتى 1973 كانت السلطة الحقيقية في ايدي افراد آخرين من الأسرة. وانتهجت سياسة الحذر والمحافظة وصدر دستور كرسي الامتيازات العرقية للباشتون جعل لغتهم هي الرسمية خلال المرحلة التي بدأت منذ عام 1948م كانت الهند تستقل ونشأت دولة باكستان متاخمة لحدود أفغانستان الجنوبية .. ووضعت بريطانيا كالعادة أسس نزاعات حدود مقبلة حيث توزع الباشتون بين باكستان وأفغانستان وحدها دون دخول باكستان الأمم المتحدة عام 1950م. وكانت أفغانستان قد أظهرت ميولا للغرب لكسبه إلى جانبها وأطلقت بعض الحريات الديمقراطية لكن خيبة أمل أفغانستان دفع بالقوى المتشددة للقضية الى السلطة فقوي نفوذ ابن عم الملك داوود خان وصهره الذي كان يسيطر على الأمن الداخلي فتثبت بالسلطة من العام 1953 كرئيس للوزراء. سقوط الملكية ومع مرور الأعوام ظلت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية تتفاقم وفشل النظام الملكي في إخراج البلاد من أزمتها المزمنة .. وكانت أفغانستان تصنف أفقر فقراء العالم - فالبلد تفتقر للثروات الطبيعية .. والأمية تصل الى 90% 20 مليون نسمة عدد السكان وفقا للأرقام المنشورة ــ وفي الوقت الذي كان فيه الفساد يشتد, والأوضاع تزداد سوءاً, صما سكان كابول على حركة انقلاب داوود خان في 17/7/1973 طوحت بنظام ظافر شاه آخر ملوك افغانستان الى العاصمة الايطالية حيث يعيش الآن وبه تم اسدال الستار على الحكم الملكي الذي استمر مائة عام. وبذلك انتقلت البلاد الى حكم لم يكن أفضل من السابق, بيد ان المجاعة التي شهدتها البلاد بين أعوام 71 ــ 1973 شلت حركة حكومة التحالف الوطني بقيادة محمد داوود, ولم تستطع تلبية تطلعات الافغان وتوفير الحياة الكريمة للسواد الأعظم من الشعب المحاصر بأزمات تعاقبت عليه على مئات السنين.. بمعنى آخر لم تسعف شعارات ثورة مصدق في ايران حكومة كابول وبقيت شعارات العزة القومية والوطنية والعدالة والحرية والتعليم حبرا على ورق خلال عمرها الذي لم يتجاوز السنوات الأربع. الى المستنقع الافغاني وهكذا ذهب قادة هذه الثورة مع رياح الانقلاب العسكري في 29/4/1978 وعلى الرغم من ان القادة الجدد ينتمون الى حزب الشعب الافغاني الديمقراطي, الا ان الجذور العرقية بدت ظاهرة على أركان النظام الذي قاده (تراقي) .. وحين اختلف (العسكر) على كيفية اقتسام السلطة والأخذ بالماركسية كهوية في بلد 90% يجهلون القراءة والكتابة انفرد باباراك كارمل بالسلطة في 1979 وهو التاريخ الذي صادف سقوط نظام الشاه في ايران وقيام الثورة الاسلامية بقيادة آية الله الخميني الأمر الذي جعل كارمل يطلب التدخل العسكري السوفييتي ليسقط الأخير في المستنقع الأفغاني الذي اجتذب الأطراف الأمريكية والأوروبية والاسلامية في اطار ما يعرف تفاصيله بالحرب الباردة. وبدخول السوفييت أخذت الامور تتجه بسرعة نحو اشتعال الحرب كما يعرف تفاصيله.. وقيام التحالفات وظهور المجاهدين الذين لقوا من الدعم العربي والاسلامي ما لم تحصل عليه أية ثورة.. وثمر ذلك الدعم اللوجستي والمادي في ان تمكن (المجاهدين) بقيادة أسد بنجشير احمد شاه مسعود من تكبيد (السوفييت) خسائر بشرية ومادية لاتزال حتى اللحظة الراهنة تشكل عقدة للسوفييت وللروس من بعدهم.. وحفاظا على ماء الوجه أسرعت موسكو الى سحب قوتها من هناك وسط ارتياح عربي واسلامي وغربي لخروج الاحتلال السوفييتي من هذا البلد المسلم. تصعيد الصراع ماذا بعد؟.. عندما كان آخر جندي سوفييتي يغادر الأراضي الأفغانية كانت تطورات متسارعة ودراماتيكية تجري في موسكو أوائل التسعينات حتى انكفأ الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى وثم جورباتشوف الذي سقط هو الآخر في مثل هذه الأيام من ,1991 لكن الامور لم تسر على ما كان ينبغي في كابول التي شهدت هي الاخرى استقطابا من نوع آخر تمثل في تداخل وتشابك شركات السلاح والنفط والمخابرات الغربية.. وهذا الجو خلق وضعا من نوع آخر, برزت ملامحه في عدة مشاهد لعل أهمها ان فصائل المجاهدين المنجذبة الى جذورها العرقية شكلت عبئا كبيرا على الاطراف العربية والاسلامية والغربية التي دعمتها ابان حربها ضد (السوفييت) , فبعد اختفاء (عدو الأمس) بدأ صراع آخر السلطة والهيمنة والنفوذ.. أي ان تلك الفصائل اختلفت قبل وصولها كابول, فذهب كل فريق لبسط نفوذه على أكبر مساحة من الاراضي وفقا للحدود العرقية والطائفية, فيما كان نظام نجيب الله يتآكل هو الآخر كما تآكلت البيئة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, حين وجد نجيب الله نفسه دون سند السوفييت, وحزب الشعب الأفغاني الديمقراطي دأب اعضاؤه.. وعاد كل واحد منهم الى طائفته وبالمثل انهار الجيش وانخرط والتحق الافراد مع اسلحتهم كل وفق عرقه وطائفته. وبذلك انتقلت افغانستان مع 92 من الحرب ضد الشيوعية والملحدين الى حرب طاحنة حشدت لها ولم تزل كل ترسانة النزعات العرقية الامر الذي افقد الفصائل المتناحرة ذلك التعاطف ابان الاحتلال السوفييتي.. والاخطر من ذلك ان افغانستان التي تحولت الى محطة ما يسمى (بالافغان العرب) بدأت ليس في تصدير الارهاب على النطاق الاقليمي فحسب وانما لزراعة وترويج المخدرات على نطاق واسع في العالم مما جعل معظم المراقبين يرون الصراع الافغاني على انه صراع لبسط نفوذ كل فصيل على مزارع المخدرات وكيفية اقتسام العائدات من الاسواق الاوروبية والامريكية والتي وصلت الى نحو 85 مليار دولار امريكي بحسب الارقام المنشورة عام 1997م. من المجاهدين الى الطالبان ونواصل تقليب الملف الافغاني لنتوقف عند واقع الخارطة السياسية وقبل ذلك لابد من الاشارة الى ان التحالفات بين (الاخوة الاعداء) تبدلت وتغيرت بحسب المصالح.. اذ ان التحالف الطاجيكي ــ الاوزبيكي مع الهزارة وحزب قلب الدين حكمتيار البشتوني كان خاضعا لتقليدات ولمزاج ومصالح القادة وخلافهم على السلطة.. وهذا الصراع الطاجيكي ــ الاوزبيكي كان احد اهم اسباب انهيار تحالف دوستم ـ مسعود امام قوات الطالبان بل وظهور الحركة التي تشكل اغلبية بشتونية من 5 ــ 6 ملايين نسمة وهذه الحركة المسيطرة على معظم الاراضي الافغانية لم يكن لها شرف مقاومة الاحتلال السوفييتي.. لانها ظهرت بشكل مفاجىء على الساحة الافغانية في شهر نوفمبر 1994 بـ 25 الف مقاتل معظمهم من طلاب الدراسات الدينية الذين تلقوا تعليمهم في باكستان على ايدي الشيخ فضل الرحمن زعيم جمعية علماء الاسلام.. اي ان هذه الحركة رغم حداثة تكوينها على خلاف بقية الفصائل تمكنت من فرض نفسها على الداخل الافغاني والخارجي في زمن قياسي وبدأ اسمها يلمع ويتصدر وسائل الاعلام العالمية مع احتلالها لكل المدن والمناطق المحاذية لباكستان خلال عام حتى دخولها كابول في 27/9/96 دون مقاومة. ومع مرور ايام من اعلان حكمها في كابول بقيادة اميرها الملا محمد عمر حتى تغيرت الصورة لدى الشعب الافغاني والمجتمع الدولي.. ذلك لأن سلوك الحركة تجاه العديد من القضايا المتصلة بالجوانب الديمقراطية وحقوق الانسان فضلا عن تفسيرها المتزمت والخاطىء لتعاليم الدين الاسلامي الحنيف اظهر الحركة وكأنها مجموعة غوغائية وفوضوية ودموية. وزاد من هذا الاعتقاد قيام الحركة بشنق وصلب الرئيس السابق نجيب الله امين وشقيقه دون تحقيق او محاكمة بعد ساعات من اختطافهما من مقر الامم المتحدة حيث كانا يلجآن فيه منذ تنحي نجيب الله عن الحكم في عام 1992 واللافت للنظر ان الحركة رفضت الاستجابة لكل المنظمات الدولية. فذهبت الى سن (فرمانات) غريبة منها اغلاق المدارس امام الفتيات ومنع المرأة من العمل واجبار الرجال على تربية اللحى بمقياس موحد.. ومنع استخدام السينما والتلفزيون والتصوير وفرض قيود صارمة على موظفي وكالات الاغاثة الدولية والصحافيين.. والاغرب ايضا انها اغلقت المستشفيات امام الطبيبات ومنع المرأة من المعاينة عند الاطباء.. وهذا السلوك عزز الانطباع لدى الناس ان الحركة تسعى الى جر الشعب الافغاني الى القرون الوسطى سيما وان نظام الحركة لا يلقى قبولا من سكان الشمال الافغاني والخارج.. زد على ذلك رفض قيادة الطالبان بشدة تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم بقية الفصائل الاخرى المنحدرة من الطاجيك والاوزبيك والهزارة نصف السكان.. وتعارض الدعوات الاقليمية والدولية لقبول التعامل مع (المجاهدين) لأنها ــ أي الحركة ــ تعتبر هؤلاء هم السبب فيما وصلت اليه افغانستان دون أن تعلم انها هي بذلك تقود البلاد والعباد الى فوضى وحرب أهلية ستكون اكثر سخونة واشد خطورة (!!) وما يبعث على هذا التشاؤم ان التحالف الشمالي المتمثل بالجبهة الاسلامية لانقاذ افغانستان بقيادة الطاجيك برهان الدين رباني وذراعه العسكري القوي الجنرال أحمد شاه مسعود والاوزبيكي الجنرال عبد الرشيد دوستم والهزارة والاسماعيلية لن يغيبوا عن الساحة.. بكلمات اخرى ان هؤلاء الذين كان لهم الفضل في اخراج السوفييت لا يمكن ان يفرطوا بمستقبلهم السياسي.. ولا يمكن ان يقبلوا بحكم الطالبان.. ويستند هؤلاء الى أن لهم شرعية وطنية ودولية ومعترف بها من قبل المجتمع الدولي. وتغيبهم من الخارطة السياسية شبه مستحيل.. وذلك بالنظر الى أن لهؤلاء جذور ثقافية واجتماعية ممتدة الى الدول المجاورة لهم والتي ستمدهم بالعتاد والسلاح والرجال في حالة الضرورة, وهذا ما تؤكده التقارير الصحافية الواردة من كابول والتي تفيد بأن قوات التحالف بدأت في وضع التحصينات في وادي بنجشير.. استعدادا لخوض حرب عصابات ضد قوات طالبان واستنزافها لاسترجاع كافة الاراضي في مزار شريف وباميان كما فعلت كذا مرة من قبل, لانها ترى انتصار الطالبان لن يدوم طويلا, وسينهار مع بدء اعادة ترتيب المعارضة لقواتها. صراع المصالح ويتضح للمراقب المتابع من الخارج ان إدامة الصراع في افغانستان واشعال الحدود العرفية لم يكن يوما ما يتصاعد دون تأثير عوامل محيط الجوار الجغرافي والاقليمي والدولي. وفي هذا السياق يقفز اسم باكستان الى الصدارة كونه المعنى الاول بتطورات افغانستان لأنها ــ اي اسلام اباد ــ تنتظر الى أنها تتحمل اعباء كبيرة لاستمرار الحرب الافغانية وعبء المساعدات التي تتحملها الخزينة المستنزفة جراء تدفق اللاجئين في وقت يشهد فيه الاقتصاد الباكستاني تدهورا كبيرا زاد من اضطرابه فرض العقوبات الدولية عليها بعد أزمة التجارب النووية الباكستانية الهندية في مايو ويونيو الماضيين. وبالرغم من النفي المتكرر لحكومة نواز شريف حاليا وقبلها وزارة بناظير بوتو بعدم مساعدة الحركة عسكريا وسياسيا فهناك العديد من المؤشرات الدالة على الدعم الباكستاني للحركة ويكفي أن نعرف أن اسلام اباد اول دولة تعترف بشرعية استيلاء طالبان على كابول في 96. ومن المؤشرات الاخرى ان اسلام اباد لم تخف فرحتها بسقوط معاقل التحالف الشمالي بايدي الحركة هذا الشهر.. وعليه فان العديد من المحللين بالشؤون الافغانية أجمعوا على أن دعم اسلام اباد لحركة طالبان يرتبط بعوامل كثيرة منها أن الحركة تمثل بانتمائها البشتوتي الاقرب ثقافيا وعرقيا لباكستان من الآخرين وكذا رغبة اسلام اباد في التمدد الاقليمي وتأمين حدودها القريبة والأهم من ذلك سعي باكستان الى مد جسر يربطها بجمهورية آسيا الوسطى والتي تمر عبر قندهار في الجنوب ثم هيرات غرب افغانستان حتى تركمانستان الى ذلك لا تخفي اسلام اباد رغبتها في عودة الملك ظافر شاه الى الحكم لأنه ينحدر من العرق البشتوني الذي تسانده. مخاوف ايران وعلى عكس الموقف الايراني, فطهران التي ترقب ما يجري في المناطق المتاخمة لحدودها الجنوبية والشرقية ترى في حركة طالبان رأس حربة أمريكية لتشديد الحصار عليها, خاصة وأن لإيران مصالح اقتصادية حيث يستفاد من التصريحات الخارجة من طهران انها تولي أهمية قصوى للحيلولة دون مد مشاريع انابيب نقل البترول من نوفرو سيسك بروسيا وباكو في اذربيجان عبر كراسنوفورسيك في تركمانستان الى كراتشي في باكستان على بحر العرب والتي تخترق افغانستان من الغرب الى الجنوب الغربي حيث تطوق هذه الشبكة ايران من الشمال والشمال الغربي والشرق مع الاخذ بعين الاعتبار ان الطريق عبر ايران هو من اقصر الطرق. لذا تنظر طهران الى توجهات باكستان وواشنطن بأنه موقف عدائي هدفه استبعادها من شبكة الانابيب الامر الذي تعتبره خسارة لها يصب لصالح تركيا التي ستكون المستفيد رقم واحد من هذه الشبكة باعتبارها تشكل المصب على البحر الابيض لبترول منطقة بحر قزوين, وتذكر الدراسات ان اهمية المناطق الشمالية تعتبر منجماً للثروات المعدنية خاصة في محافظة شيرنمان التي بها اكثر من 500 ترليون قدم مربع من الغاز الطبيعي وكذا البترول. على الجانب الآخر في الصورة يبدو ان خلاف ايران مع طالبان له أبعاد دينية ومذهبية منها تفسير الاخيرة المغلوط للتعاليم الاسلامية, لذا لا تخفي طهران دعمها للتحالف الشمالي وعلى وجه الخصوص الاوزبيك والهزارة وحزب الوحدة الاسلامي نظرا لوجود الشيعة فيه من ناحية ولأن الطاجيك (مسلمون سنة) يتحدثون الفارسية زد على ذلك اعتبرت ايران سقوط مزار شريف بيد طالبان بمثابة خدعة كبرى طوحت بالمشروع الباكستاني الايراني لجمع الفرقاء في اطار حكومة وحدة وطنية, ونعيد الى الاذهان هنا ان ازمة الــ 11 دبلوماسيا ايرانيا الاسرى لدى طالبان ستكون بمثابة الشرارة لإشعال حرب افغانية ايرانية. العقدة الروسية أما روسيا هي الاخرى شعرت بخطورة ما يجري على خلف حدودها الجنوبية ووصول الطالبان الى مزار الشريف وطالقان وباميان وهي مناطق استراتيجية وعسكرية هامة. فالانتصارات المتلاحقة للطالبان حددت مخاوف موسكو السابقة عندما اعلن الرئيس الروسي يلتسين ان سقوط مزار الشريف بأيدي الطالبان يمس الامن القومي الروسي وهو ما كان أكده الجنرال ليبيد حين حمل حكومة يلتسين مسؤولية عدم التعامل بصرامة وقوة لوقف انتصارات الطالبان قبل سقوط كابول في 96, وعاد ليقول ان اقتراب الطالبان اليوم من حدود طاجكستان وأوزباكستان سيضع الفرقة 201 الروسية المرابطة على الحدود الطاجيكية ــ الافغانية في خطر. وما يزيد من مخاوف موسكو ان النظام الطاجيكي سيتعرض لأخطار اضافية تجعل من الصعب مقاومته, لذا كانت الخطوة الاولى للرد على اية تجاوزات محتملة للطالبان استنفار 25 الف جندي روسي على طول الحدود الافغانية الطاجيكية في حين اتخذ وزراء دفاع الدول المستقلة تعزيزات اخرى للرد على اي تهديد من طالبان. وفي هذا السياق يعتقد المراقبون ان التحرك الروسي ودعم قوات التحالف سيزيد من اضرام المعارك وقوة المعارضة لاخراج الطالبان من مزار شريف وابعادهم إلى الجنوب بعيدا عن الحدود المفخخة بالبراكين العرقية والأمنية لذا ذهبت موسكو مع عواصم الدول المستقلة للعمل على احياء معاهدة الدفاع المشتركة, وحشد طاقاتها المالية والبشرية تحسبا لاختراق طالبان لحدودها أو نزوح اللاجئين الأفغان إلى تلك الدول هربا من جحيم المعارك والتصفيات العرقية التي تقوم بها قوات الحركة وفقا لما أكدته التقارير الصحافية. الهدف الأمريكي وثمة أمر أخر لطرف دولي يتمثل باللاعب الأكبر في الساحة الأفغانية ونعني به أمريكا التي استخدمت الأفغان وقودا في حربها مع السوفييت وبعدها قامت بدعم حركة طالبان ويتضح ذلك من خلال لقاء المبعوث الأمريكي رتشاردسون في كابول بقيادة الحركة للمرة الأولى لزيارة مسؤول أمريكي لأفغانستان منذ عشرين سنة.. ووفقا لتصريحات المسؤولين الأمريكيين فإن رغبة واشنطن في انهاء القتال واحلال السلام هدفه ضمان وقف تدريب أي عناصر ارهابية علي الأراضي الأفغانية وشن حرب شاملة على زراعة المخدرات حيث تذكر الأرقام ان ثلث الهيروين الذي يدخل إلى الولايات المتحدة يأتي عن طريق أفغانستان.. لكن هذه العلاقة يبدو أنها لن تمضي كما يريد الطرفان, خاصة بعد اتهام واشنطن لأسامة بن لادن بأن له علاقة في تفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام.. علاوة على ذلك ان أولبرايت طالبت قيادة الحركة بتسليم بن لادن مقابل الاعتراف بها وهو العرض الذي رفضته الحركة وقالت ان الطالبان سيفدون بن لادن بدمائهم! من هنا يبدو ان السياسة الأمريكية قد تتغير تجاه الحركة وتعمل على اسقاطها لخلق البديل المناسب, وقد ذهب إلى التغيير مبكرا بارنيت روبين خبير الشؤون الأفغانية بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكية ومقره واشنطن حين رأى أن طالبان تجمع بين نقيضي الاستقرار والفوضى, أما شارلي سانتوس الذي عمل لمدة عام مساعدا لمبعوث الأمم المتحدة في أفغانستان السابق محمود المستيري وصف طالبان بعد ظهورهم بأنهم محررو أفغانستان في اكتوبر 96 ويستفيد مما نشرته الصحافة العالمية ان شارلي نفسه سمح له موقعه المميز بالاطلاع على كل الملفات السرية والخاصة لكل أوضاع الفصائل الأفغانية هو نفسه الذي عينته شركة (اوتكال للنفط) مستشارا لها في المشروع الخاص بانشاء انبوب نفط يربط أوزباكستان وباكستان وفقا للأرقام المنشورة فإن قيمة العقد الذي تم توقيعه في 1996 تقدر بثلاثة مليارات دولار في حين تقول أرقام أخرى أن قيمته الحقيقية خيالية ويكفي ان نعرف ان الأنبوب سينقل 20 مليار متر مكعب من الغاز سنويا. وهذا يفسر ما سبق وان أثير في 95 حول قيام شركات النفط الأمريكية بتمويل طالبان بالسلاح مقابل توفير الحماية لأنبوب النفط بالاضافة إلى تكثيف تلك الشركات لجهودها للبحث عن صورايخ (ستيجير) المفقودة في أفغانستان. ولعل هذه المواقف الأمريكية من الطالبان هو ما يفسر حث الرئيس الأمريكي بيل كلينتون نظيره الأوزباكستاني على المضي قدما في تنفيذ العقد المبرم من شركة اوتكال النفطية مع أوزباكتسان في أكتوبر 96 والذي يهدف إلى ربط الجمهوريات الاسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفييتي السابق بالبحار الدافئة عبر جنوب أفغانستان!! والحل وتأسيسا على ماسبق .. وبعيدا عن نبرة التشاؤم واليأس فإن مسيرة السلام في أفغانستان لا يزال يعترضها صعوبات وعقبات عديدة لا يمكن تجاوزها بالقوة وإنما باتفاق الأطراف الإقليمية والدولية على عدم التدخل والتوصل إلى اتفاق يراعي مصالح جميع المعنيين بالأزمة الأفغانية.. أما العامل الأهم هو ان تعيد حركة طالبان (تقويم) نهجها والاعتراف بقبول الآخر وتغليب المصلحة العليا للشعب الأفغاني لكي يكون لها دور في ارساء السلام والاستقرار, وطي صفحة حرب عشرين عاما بكل ما بها من آلام وضحايا وجرحى ولاجئين. فهل يتحقق السلام, ذلك ما ستحمله الأيام المقبلة وما علينا إلا الترقب والانتظار .. وندعو الله ان يهدي (المجاهدون ) و (الطالبان) وان يجنب الأفغان صراع النفط والسلاح ومصالح الجيران!! صنعاء ــ البيان