افغانستان بلد انهكتها الحرب الاهلية واجهزت على كل مقومات الدولة ودفعت بملايين من شعبها للنزوح الى الدول المجاورة هربا من جحيم الحرب التي لم تهدأ ومن فوضى الحياة اليومية وضيق العيش والظروف الصعبة التي بات يعاني منها الافغانيون في معظم الولايات , ووفقا لاحدث التقارير السياسية عن هذه البلاد فان معظم المهن بدأت تتقلص بل وتنقرض في اغلب الاحايين واتجه الناس الى ساحات القتال للاسترزاق والحصول على لقمة العيش وبذلك اصبح القتال وحمل السلاح هو اكثر المهن رواجا بدلا من الزراعة وغيرها من المهن, ووصل تعداد المقاتلين الى مليون ونصف شخص يتبعون حركة طالبان وبقية الفصائل الافغانية المعارضة. المشكلة الافغانية معقدة في معادلاتها الداخلية والخارجية ولا يستطيع المرء تحليل ورصد ما يجرى على الصعيد الداخلي بمعزل عن التفاعلات الاقليمية ولسوء حظ هذه الدولة انها وقعت في محيط اقليمي تتجاذبه عداوات ايديولوجية وتاريخية وسياسية منذ قرون من الزمان ومازالت آثارها ماثلة الى اليوم, وهو الامر الذي ساهم في تغذية الصراعات السياسية والعرقية والمذهبية في افغانستان, وجعلها ساحة لتصفية حسابات خارجية. وعندما تستعر الآن حرب اهلية هناك فانها افراز متوقع لاشتباك تعقيدات الداخل بعرقياته وصراعاته السياسية وتخلفه وآثار حربه الطويلة, متفاعلة في ذلك مع تقاطعات حادة لمصالح ونفوذ القوى الاقليمية المجاورة والقوى العالمية النافذة, وعندما تتلاحم اشكالات الداخل مع تشابكات الخارج في تفاعل صراعي فان الحرب الناجمة عن ذلك تصبح حربا شاملة كثيفة مدمرة النتائج عصية الحلول, انها تعقيدات المكان الراسخة وهنات الزمان العاصفة. لقد توظفت تشابكات الخارج المصلحية واشكالات افغانستان المجتمعية من صراع على السلطة وتعددية عرقية ثقافية مذهبية وفقر وتبعية لتتحول افغانستان الى ميدان صراع بين محاور اقليمية لها رؤوس حراب محلية. وليس من المبالغة القول ان الصورة الحية التي رسمتها الفصائل الافغانية في جهادها ونضالها لدحر القوات السوفييتية آنذاك قد اهتزت عندما فشل قادة هذه المنظمات في تقديم نموذج لبناء دولة اسلامية تستوعب الجميع بمختلف القوى السياسية والتيارات الفكرية وبدا ان كل فصيل يسعى للاستحواذ على السلطة بمفرده والغاء الآخر, وبذلك دخلت البلاد في حرب اهلية طاحنة واعادتها الى عصور التخلف ووضعتها في عزلة عن التطور الحضاري والانساني. ان مسؤولية استقرار افغانستان هي مسؤولية ابنائه وقواه السياسية وفصائله ولعل حركة طالبان التي تقود البلاد اليوم هي المعنية بالدرجة الاساسية باشاعة الامن والاستقرار واعادة الطمأنينة ووضع حد لهذه الحرب الاهلية المجنونة التي انهكت البلاد وأتت على الأخضر واليابس, وهي مدعوة ايضا الى بناء علاقات خارجية متوازنة مع الخارج وعلى وجه الخصوص مع دول الجوار بما يحقق مصلحة افغانستان ويخدم امن واستقرار منطقة وسط آسيا عموما.
