تباينت ردود الفعل الرسمية السودانية حول الضربة الصاروخية التي وجهتها الادارة الامريكية لاحد مصانع الدواء بالمنطقة الصناعية بالخرطوم بحري اذ قال الدكتور حسن الترابي انهم سيعاقبون الولايات المتحدة والمعارضة السودانية وكذلك بريطانيا , وألمح الى ان الطائرات التي اغارت على المصنع انطلقت من بلد مجاور في اشارة الى مصر وجاراه الرئيس عمر البشير لاحقا في ذات الاتهام متمنيا الا تكون الطائرات قد اقلعت من مصر! كذلك تضاربت الاراء حول الطريقة التي وجهت بها الضربة العسكرية فالبعض وصفها بأنها تمت عن طريق طائرات مقاتلة والبعض الاخر اعتمد الرواية القائلة انها كانت عبر صواريخ توما هوك موجهة من بوارج حربية في البحر الاحمر. وكانت (الشرق الاوسط) قد نشرت تصريحات ورد فيها على لسان الترابي ان العقاب الذي ستصاب به امريكا يتمثل في ايقاف الصادر المباشر من السودان ومقاطعة وكلاء المنتجات الامريكية في السودان, وقد يقاطع السودانيون كافة السلع الامريكية وكذلك هدد بطرد اية منظمة امريكية من السودان وقد يطرد اي وجود امريكي اقتصادي في السودان ونوه باتخاذ اجراءات ضد بريطانيا وبالفعل ابعد سفيرها واستدعى الى السودان سفيره في بريطانيا, اما عن المعارضة السودانية التي وصفها بالخيانة فتوعدها بقوله (ان كل مناشط المعارضة السودانية التي خانت وطنها وانحازت للولايات المتحدة الامريكية سنتخذ ضدها الاجراءات السياسية, لكن الترابي عاد في اليوم نفسه فنفى ان يكون قد توعد المعارضة بالعقاب وان ما نسب اليه ليس صحيحا بينما البشير شن هجوما عنيفا على المعارضة وقال: ان قوى التجمع والخيانة التي اجتمعت في القاهرة ظلت تسعى في كل المنابر تبحث عن اعداء السودان ليدفعوا لها... وكان لهم دور في تضليل الادارة الامريكية ومدها بمعلومات كاذبة وتروج لفترات طويلة ان الحكومة تصنع اسلحة كيماوية) واضاف (ان قوى المعارضة يمكن ان تكون سعيدة وتظن ان مثل هذا العمل يمكن ان يسقط الانقاذ) . وننتقل من اطار هذا المسلسل من التخبطات والفوران الى مسلسل آخر هو الاعتذارات فبعد ان هدد الترابي بريطانيا وتوعدها بتردي العلاقات معها وطرد بالفعل سفيرها من الخرطوم قال الناطق الرسمي باسم الحكومة د. غازي العتبابي ان الحكومة على استعداد للتقدم باعتذار للحكومة البريطانية على رشق المتظاهرين لمبنى السفارة بالحجارة وقال: انه من المؤكد ان اعمال الشغب لم تتم بناء على تحريض من هيئة حكومية او مسؤول وانه من حق السفارة ان تتلقى اعتذارا عن ذلك واعرب عن اعتقاده بانه سيتم توجيه اعتذار) . واضاف (انه ليس من مصلحة السودان في شيء صرف الانظار عن الهجوم على مصنع الدواء وان بلاده لا تريد خوض خلاف مع بريطانيا او المانيا او فرنسا وان الخصم الوحيد هو الولايات المتحدة. وهذا الحديث من الناطق الرسمي باسم الحكومة يتعارض تماما مع ما قاله مرشد النظام د. الترابي وما عملت به الحكومة بطردها السفير البريطاني وايقاف كل الخطوات التي كانت تهدف الى تحسين العلاقات بل واكثر من هذا ان الترابي طلب من فرنسا والمانيا موقفا اكثر تحديدا ووضوحا من الهجوم الامريكي حتى يكون بوسعه التصرف بشأن العلاقات مع البلدين! ثم ماذا؟ ان امريكا التي توعدوها بأشد أنواع العقاب وبأنها العدو الاوحد على حد قول د. غازي العتباني لانها ضد دولة الاسلام, عاد هذا الغازي نفسه وفي اليوم نفسه ليقول: ان دولة ثالثة حملت رغبة واشنطن في اعتذار سري الينا الا ان الخرطوم رفضت الاعتذار خلف الكواليس... وقال البشير في مؤتمر صحافي ان الولايات المتحدة طلبت من السودان عبر طرف ثالث فتح تعاون امني في اعقاب الغارات الامريكية وشدد على ان الخرطوم تطالب باعتذار امريكي علني) ونوه بان الادارة الامريكية اجرت اتصالا رحبت فيه بعودة السفير مهدي ابراهيم الى العاصمة الامريكية ودعت الى تعاون امني مع الحكومة السودانية واستدرك فقال: ان مهدي يحمل اقامة في امريكا ولا يحتاج الى دعوة وان الاتصال الامريكي شمل تأكيدات بان الحكومة السودانية لم تكن مستهدفة بالهجوم) . وبصرف النظر عن صحة او عدم صحة ما قاله البشير وغازي العتباني فان المؤكد هو ان نبرة النظام قد تغيرت من التحدي والمواجهة والمناطحة مع امريكيا الى قبول التعامل مع الاعتذارات فقط بدرجة ما وهي درجة العلنية مما يعني ان فكرة الانبطاح للولايات المتحدة هي الاقرب الى طبيعة النظام خاصة بعد الشراسة التي اظهرتها الادارة الامريكية لكن اذا تمعنا فيما قاله الفاتح عروة ممثل السودان في الامم المتحدة نجد أن فكرة الانطباع سائدة لدى دوائر الحكم حتى قبل الضربة العسكرية. او لم يقل عروة انهم طردوا بل استعمل كلمة ركلوا بن لادن الى خارج البلاد بمجرد ماطلبت امريكا ذلك: كيف يحدث هذا الركل ومن ثم تزعم الحكومة انها تتمتع بسلطات السيادة؟ .. وكيف تركل صديقا وحليفا ومستثمرا لمجرد طلب الولايات المتحدة؟! ولعل الاسوأ من ذلك في تصريحات عروة المذاعة والمتلفزة بشخصه وصوته ماجاء فيها (عندما طردناه ــ يقصد بن لادن ــ قلنا لواشنطن انه اختار ان يذهب الى افغانستان فكان ردهم لايهمنا اين سيذهب طالما انه لن يتوجه الى السودان, وان ممتلكات بن لادن تمت تصفيتها بناء على الشروط الامريكية) . ترى هل هناك تذلل اكثر من هذا من دولة تعتبر نفسها دولة ذات رسالة الى دولة هم يطلقون عليها وصف الشيطان الاكبر؟! اذا كان نظام الجبهة في الخرطوم قد فعل كل ذلك, كما قال الفاتح عروة في الامم المتحدة فانه يكون قد بالغ في الانبطاح لامريكا التي يسبها علنا, واذا كان قد قال ذلك من باب الخداع للولايات المتحدة الامريكية ـ وهو الضليع في الشؤون الاستخبارية ــ فانه يكون قد خدع نفسه لان الولايات المتحدة هي الاقدر على متابعة تطابق الاقوال مع الافعال وبالتالي من الصعب مخادعتها ان لم يكن من المستحيل. في كل الاحوال فان تصريحات الفاتح عروة لابد من ان تكون موضع تساؤلات عديدة بدءا بمنظمات حركات الاسلام السياسي مرورا بالسلطة الحاكمة في الخرطوم وصولا الى المشروع الحضاري الذي يكثر اهل الحكم الحديث عنه وعن التمسك به. صحفي سوداني مقيم في لندن*