ليست المصادفة وحدها التي حولت وقائع الفيلم السينمائي الامريكي (هز ذيل الكلب)الى واقع معاش, فعندما قطع الناطق بلسان البيت الابيض مايك مكوري على الصحفيين ومندوبي الشبكات التلفزيونية متعة مشاهدة الفيلم على شاشة التلفزيون , ليستدعيهم لحضور مؤتمر صحفي عاجل يعقده الرئيس بيل كلينتون في منتجع صديقه جوردون حيث يقضي عطلة استشفاء من (جرسة) فضيحته مع مونيكا ليونسكي المتدربة السابقة في البيت الابيض, شعر الجميع بالعجز وعدم تصديق النقلة الفجائية من محيط الخيال الى تخوم الواقع. واوضح بيان كلينتون العاجل الذي صدم الصحفيين, وجعلهم يفركون أعينهم, للتيقن من كونهم امام واقع حقيقي وليس مجرد اطياف خيال سينمائي, ان التوقيت محسوب وليس مصادفة, وان قرار توجيه ضربات صاروخية الى مصنع الدواء السوداني, وبعض القواعد الافغانية, تم طبخه وصنعه في آتون فضيحة مونيكا جيت. وشعر الصحفيون بلدغة المفاجأة التي نقلتهم من متعة المشاهدة لفيلم يعتبرونه محض (فانتازيا) الى: معايشة واقع فانتازي عبثي يفتقر الى منطق او شرعية. فكما تروي وقائع الفيلم الذي كان يقطع الصحفيون وقتهم بمشاهدته, يلجأ رئيس امريكي (ما) الى افتعال ازمة خارجية وادعاء وجود خطر يهدد المصالح الامريكية, ويقرر شن حرب ضد دولة (البانيا) لا لشيء الا لانقاذ نفسه واختراق حصار فضيحة تضرب نطاقها حوله وتهدد مستقبله الرئاسي. وبمجرد ان انهى كلينتون بيانه المقتضب تأكد الجميع انه فاق بطل فيلم (هز ذيل الكلب) الممثل باستن هوفمان, في براعة تمثيل الدور. وحسبما كشفت المعلومات عن سياق قرار كلينتون, فإنه اتخذه قبيل ادلائه بشهادته الثانية امام المحقق المستقل كينث ستار, واعترافه (المماطل) باقامة علاقة جنسية مع مونيكا. اي ان كلينتون قرر ضرب مصنع الدواء السوداني بعد ايام من تفجير السفارتين الامريكيتين في نيروبي ودار السلام, وقبل ان ينقشع الدخان من مواقع التفجير, وقبل ان يمسك المحققون بأي خيوط تثبت اتهام اية جهة. فاذا كان التفجير قد حدث يوم السابع من اغسطس وكلينتون ادلى بشهادته يوم 17 اغسطس, فإن المؤكد ان القرار لم يضع في حساباته وجود دلائل او مخاطر حقيقية تفرض ضرورة ضرب السودان او افغانستان, بل صيغ القرار اصلا لتوفير مظلة أمان وطوق نجاة لكلينتون من خطر الغرق في قاع فضيحة مونيكا جيت, حتى ولو كان الثمن غرق المصداقية الامريكية والشرعية الدولية في مستنقع الهمجية وشريعة الغاب. .. وليتأكد ان خيال السينمائيين قد يلهم ساكني البيت الابيض بحلول لأزمات يعجز عن ادارتها صناع القرار. والمسألة ليست اكثر من (هز ذيل الكلب)