عشية احتفاله بالذكرى الـ 16 لتأسيسه شنت احزاب وصحف المعارضة اليمنية على المؤتمر الشعبي العام ـ الحزب الحاكم في اليمن وحكومته ــ حملة اتهام عنيفة تمحورت بثلاث قضايا اساسية, التراجع عن المشروع الديمقراطي وكبت الحريات والعودة بالبلاد الى عهد الشمولية , وعسكرة الحياة المدنية, واتباع سياسة افقار الشعب, وتكديس الثروة والسلطة بأيدي قلة بعينها. ولم تلق كل هذه الاتهامات الصدى والتفاعل الكامل معها عند اهل اليمن, ولا عند قيادات المؤتمر الشعبي (الحاكم) نفسه ويعيد بعض المراقبين ذلك الى مسألتين, الاولى ان اليمن لم يتجاوز بعد الازمة الناشبة منذ حرب صيف 94 وبلغت ذروتها منذ منتصف يونيو الماضي بالاحداث والمظاهرات التي شهدتها البلاد, وان الواقع يفرز قضايا ومنعطفات اكبر بكثير من الاتهامات الورقية التي تشنها وترفعها احزاب المعارضة, وجميعها لم ترتق الى مستوى الفعل والبرنامج, والثانية ان الازمة الداخلية تعصف بكيان المؤتمر الشعبي نفسه, من ثلاثة جوانب: التركيبة التنظيمية والعلاقة بالحكومة والتوازن القيادي والقواعدي بما شهدته الفترة الماضية من خلافات واختلالات داخل مبنى المؤتمر سيما عقب الانتخابات البرلمانية ,97 وتذمر الكثير من القيادات الوسطية والقواعد, وكذلك الخلافات التي عصفت في القيادات المؤتمرية نفسها. مراقبون ينظرون الى الذكرى الـ 16 لتأسيس المؤتمر الشعبي في اليمن بعناية خاصة, بالنظر الى التفاعلات الحالية التي تشهدها قيادات المؤتمر, من المحتمل ان تفضي الى اعفاء او اقالة د. عبدالكريم الارياني الامين العام للمؤتمر من الامانة العامة, واكتفائه بالمناصب التي يشغلها حاليا ابتداء من رئاسة الحكومة مروراً برئاسة مجلس ادارة الكثير من الهيئات الحكومية, وفي الدولة وان ترددت انباء صحافية بأن يحيى المتوكل الامين العام المساعد ووزير سابق سيحتل موقع الامين العام فان ذلك زاد من تأجج الخلافات في قيادات المؤتمر, ادت الى تكليفه بالقيام بأعمال الامين العام, ومجرد التكليف ايضا يظهر الازمة الداخلية للحزب. تكمن اهمية المناسبة بأنها قسمت تاريخ المؤتمر الشعبي الى قسمين متساويين, ثماني سنوات قبل قيام الوحدة اليمنية مايو 1990م, وثماني سنوات بعدها, فالمؤتمر قام في العام 1989م بعد حوارات شهدتها غالبية فصائل العمل الوطني اليمني حينها, ووسط جملة من الاختلالات والصراعات السياسية والعسكرية التي شهدتها غالبية محافظات ومناطق اليمن الشمالي حينها ووجد الجميع بـ (الميثاق الوطني) صيغة توفيقية كدليل نظري لكيان المؤتمر الشعبي العام, واعترفت السلطة حينها بالحزبية في اليمن في اطار المؤتمر الشعبي, كما اعترفت بتمثيل بقية مناطق وقبائل اليمن في اطار المؤتمر ايضا, استحوذ تنظيم الاخوان المسلمين على الهيكل القيادي لتنظيم المؤتمر, وتدريجيا ازيحت بقية القوى من القيادات وتوسعت قاعدة استحواذ الاخوان المسلمين, حتى جاءت تفاعلات وحوارات قيام الجمهورية اليمنية ودولة الوحدة وعارض ذلك الكثير من قيادات الاخوان, والجناح القبلي في المؤتمر الشعبي العام. الى ذلك ايضا حاول جناح الحزب الاشتراكي المنهزم في احداث 13 يناير 96 ان يجد له الموقع المناسب داخل كيان المؤتمر الشعبي العام, وكان المؤتمر العام التكميلي للمؤتمر الشعبي العام 92 خطوة حسمتها مجموعة ما تسمى بزمرة المؤتمر لصالحها ولعبت الدور المضاد للتجمع اليمني للاصلاح وتبدو الخارطة الحزبية داخل حزب المؤتمر الشعبي العام نفسه قد تلاشت وتحولت الى خارطة لمراكز القوى وصراع مصالح تتخذ من المؤتمر الشعبي العام مظلة لها, والى ذلك يحدد الكثير من المطلعين خارطة الصراع داخل المؤتمر الشعبي العام بثلاثة اتجاهات. الاول: الجناح الراديكالي الذي يقوده د.عبدالكريم الارياني وعبدالملك منصور وهذا الاتجاه يشكل مراكز قوى تتخذ من حزب الاصلاح العدو اللدود, وتبني مصالحها على حساب اللعب بأوراق صراع الماضي في اليمن بما في ذلك نتائج الحرب اليمنية صيف 94. الثاني: الجناح القبلي داخل المؤتمر الشعبي العام, والكثير من المؤلفة قلوبهم مما اصطلح عليه بزمرة المؤتمر وهذا الجناح يحاول بناء نفسه كل على حدة, ويتسم بالعمل الموسمي, والاستخدام الفردي له من قبل القيادة والمؤتمر نفسه, وينشط هذا الاتجاه في مواسم الازمات والانتخابات والصراع الحزبي السياسي, او الصراع في المناطق, ويفتقر هذا الاتجاه الى التماسك, ويعمل بشكل فردي. الثالث: هذا الاتجاه هو الاهم والقوة الفاعلة في المؤتمر وتتخذ من الاتجاهين الاول والثاني اوراق ضغط لم تخرج بحال من الاحوال من يدها, كما يمتلك السطوة والمال لتحديد القرار وادارة الازمة ويقود هذا الاتجاه الرئيس على عبدالله صالح رئيس المؤتمر, وقيادات عسكرية ومدنية من العيار الثقيل في المجتمع, وهذه هي اخطر التحديات التي لم تحسم المعادلة اليمنية هل المؤتمر الشعبي الحزب الحاكم ام حزب الحاكم؟ ان تحديات خطيرة تبرز اليوم ليس امام هيكلية واصلاح المؤتمر الشعبي وتحويله الى حزب, لكنها تحديات تختزل الازمة اليمنية بكل مآسيها.. وتفرز حالات من الصراع المتجدد مع كل يوم, في ساحة يمنية لامكان فيها للتعددية الحزبية, ولا بقعة لسيادة القانون. صنعاء ــ عبدالله سعد