شدد المسؤولون الامريكيون على أن الضربات التي وجهت إلى مواقع في أفغانستان والسودان هي بداية (معركة طويلة الأمد) ضد الإرهابيين الذين نفذوا عمليات التفجير أمام سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا . ووصفوا الضربة العسكرية الامريكية التي أمر الرئيس كلينتون بتنفيذها الخميس الماضي بأنها إجراء (احترازي) من شأنه أن يؤدي إلى رد إرهابي. ووصف المسؤولون الامريكيون الاضرار التي أحدثتها الهجمات الأمريكية بأنها (متوسطة الى بالغة) . ويواصل المسؤولون العسكريون الامريكيون دراسة صور الأقمار الاصطناعية للمواقع التي تعرضت للهجمات الامريكية لتقييم حجم الأضرار التي لحقت بها ومدى فاعلية الهجوم الامريكي. غير أن وزارة الدفاع الامريكية رفضت نشر أية تفاصيل تتعلق بالهجوم الامريكي أو أرقام الضحايا أو مدى نجاح الهجمات في إصابة أهدافها. لكن توماس بيكيرينج وصف الاضرار التي ألحقتها الضربات الامريكية بأنها (متوسطة الى بالغة في كل من الاهداف) التي تم قصفها. ويحذر المراقبون في واشنطن من تأثيرات سلبية خطيرة على الادارة الامريكية جراء الضربة الصاروخية لمصنع الادوية السوداني. وفي حين بدا من تصريحات جميع المسؤولين الامريكيين أنهم لا يريدون الربط مباشرة بين عمليات الخميس العسكرية وأي حدث ارهابي بعينه بما فيه تفجير السفارتين الامريكيتين في نيروبي ودار السلام, فإن الرئيس الامريكي أكد أن لدى الولايات المتحدة (معلومات مقنعة حصلت عليها وكالات استخباراتنا بأن شبكة بن لادن الارهابية كانت وراء هذين التفجيرين, وبالتالي فإن لدينا الثقة بأن هذين التفجيرين خطط لهما ومولهما ونفذهما تنظيم بن لادن. وفي تبريره لأمره بتلك الضربات العسكرية, أورد الرئيس الامريكي ثلاثة أسباب رئيسية عدا عن المعلومات بتورط بن لادن وجماعته في تفجيري نيروبي ودار السلام. وهذه الأسباب هي: ان (هذه الجماعات نفذت هجمات ارهابية ضد أمريكيين في الماضي, ولأن لدينا معلومات قوية جدا بأنها كانت تخطط المزيد من العمليات ضد الولايات المتحدة في المستقبل, وبسبب ان هذه الجماعات كانت تسعى لحيازة أسلحة كيميائية وغيرها من الأسلحة الخطرة) . غير أن الكثير من المراقبين السياسيين والعسكريين في واشنطن, لاحظوا ان مسؤولي الإدارة الامريكية ربما لم يقدموا (أدلة مقنعة) على علاقة بن لادن بالتفجيرين الأخيرين أو حتى بعمليات سابقة ضد الامريكيين تشتبه واشنطن في علاقته بها. كما يقول المسؤولون ان معلوماتهم كانت تشير الى ان اجتماعا كبيرا لمساعدي بن لادن الكبار كان سيتم في تلك الليلة في القاعدة التي ضربت في أفغانستان, وانه (قصد ضرب أكبر عدد من هؤلاء وتعطيل قدرتهم على التخطيط لعمليات ارهابية اخرى ضد المصالح الأمريكية) . غير أن المسؤولين الامريكيين واصلوا التكتم على أية تفاصيل تتعلق بالأدلة التي حصلوا عليها والتي اعتبروها (إثباتات قاطعة) حدت بالرئيس كلينتون ومستشاريه العسكريين إلى اتخاذ الإجراء العسكري الامريكي. لكن بعض المسؤولون في الدوائر الاستخباراتية الامريكية شددوا في الوقت نفسه على ان هذه المرة تعتبر من المرات القليلة جدا التي يحصل فيها المسؤولون الأمريكيون على أدلة ذات نوعية عالية و(من مصادر استخباراتية موثوقة ومتنوعة) . وذكر مسؤول رفيع في دوائر الاستخبارات الأمريكية انه (استنادا الى المعلومات (المتوفرة) فإننا على درجة عالية من الثقة بأن التفجيرين (في كينيا وتنزانيا) تم التخطيط لهما وتمويلهما وتنفيذهما من قبل المنظمة التي يتزعمها بن لادن) . ومع ذلك أعربت بعض الأوساط الأمنية الامريكية عن مفاجأتها للهجومين الامريكيين على أفغانستان والسودان لأن التحقيقات في حادثي التفجير لا تزال في بدايتها ولم تتوصل بعد إلى توجيه اتهامات إلى أسامة بن لادن أو أية جهة أخرى. ونقلت صحيفة (الواشنطن بوست) الصادرة الجمعة عن أحد المسؤولين الأمنيين الامريكيين قوله: (من الناحية القانونية لا يمكننا ان نتوقع نتائج (التحقيقات) بين ليلة وضحاها.. ولكن هذا أمر مختلف بالنسبة للاجراء العسكري) . القضية الأخرى التي لاحظها المراقبون ويعتقدون أنها قد تمثل مشكلة بالنسبة الى الإدارة الامريكية لناحية اقناعها الرأي العام بتبريراتها هي الضربة التي وجهت الى مصنع الشفاء للأدوية في شمال الخرطوم. ويقول هؤلاء انه اذا لم تثبت الإدارة بشكل قاطع بأن هذا المصنع (تابع لأسامة بن لادن وأنه كان يتم فيه انتاج المواد الأولية التي يمكن ان تستخدم في صناعة الاسلحة الكيميائية كما اتهم المسؤولون الامريكيون, فإن تلك الضربة ستكون كارثة لناحية العلاقات العامة للادارة الأمريكية) . وتشير المعلومات في واشنطن الآن الى أن التخطيط لضرب مجمعات التدريب التابعة لبن لادن في قاعدة خوست في أفغانستان والمصنع السوداني قد بدأت قبل تسعة أيام. وتضيف أن كلينتون قطع زيارة كان يقوم بها في ولاية كاليفورنيا قبل تسعة أيام وعاد الى البيت الأبيض لحضور اجتماع لمستشاريه لشؤون الأمن القومي, وهو الاجتماع الذي يقال ان القرار الأولي باستخدام القوة ضد (جماعة بن لادن قد اتخذ) . وتقول هذه المعلومات ان الرئيس الامريكي اتخذ القرار بشكل نهائي يوم الجمعة الماضي, أي قبل ثلاثة أيام من شهادته في قضية لوينسكي وخطابه للشعب الامريكي بشأن تلك القضية. ويقول مساعدو الرئيس الامريكي انه تقرر توجيه تلك الضربات في ذلك اليوم, ولكن التوقيت لم يحسم حينها, الا انه تم الاتفاق لاحقا على التوقيت أثناء وجود الرئيس في اجازته خارج واشنطن, لكنه اتفق ايضا على ان يعود الرئيس الى واشنطن للتحدث الى الشعب الأمريكي عن العمليات العسكرية. وقال هؤلاء ان الرئيس كلينتون أعطى أوامره بتوجيه الضربة العسكرية في السادسة صباح الخميس, أي قبل سبع ساعات من تنفيذها. ويستخدم مساعدو الرئيس الامريكي هذه المعلومات للرد على حملة اتهامات قوية للرئيس الامريكي بأنه أمر بتوجيه هذه الضربات من أجل صرف نظر الشعب الامريكي عن قضيته القانونية مع الكونجرس بعد ادلائه بشهادته الأخيرة في علاقته بالمتدربة السابقة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي واعترافه بتلك العلاقة بعد نفيه اياها لأكثر من سبعة أشهر. وأعربت غالبية زعماء الكونجرس, بمن فيهم رئيس الأغلبية في مجلس الشيوخ ترين لوت ورئيس مجلس النواب نوت جينجريتش وزعيم الأقلية الديمقراطية توم داشل ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ السناتور جيسي هيلمز ونظيره في مجلس النواب بنجامين جيلمان, عن تأييدهم الكامل لقرار الرئيس الامريكي. بل طالبه هؤلاء بأن تكون هذه العمليات (بداية لحرب لا هوادة فيها ضد الارهاب وقواعده ومموليه ومنفذيه) . ووصف لوت العمليات العسكرية التي نفذتها واشنطن بأنها (مناسبة ومنصفة) . وكذلك قال داشل ان الرئيس (قام بالعمل المناسب في الوقت المناسب من أجل حماية مصالح امريكية حيوية) . غير أن بعض هؤلاء شككوا في نوايا كلينتون من وراء توقيت هذه العمليات لتأتي متزامنة بعد ثلاثة أيام من شهادته أما هيئة المحلفين الكبرى في قضية لوينسكي وخطابه بعد ذلك الذي وصف بأنه لم يساعد الرئيس في استعادة مصداقيته لدى الشعب الامريكي, كما أنه جاء في اليوم ذاته الذي شهدت فيه مونيكا لوينسكي أمام هيئة المحلفين ذاتها مرة ثانية وذلك للرد على بعض التساؤلات التي تشير الى تناقض كبير بين أقوالها وأقوال الرئيس كلينتون بشأن علاقتهما. وقال السناتور آرلن سبيكتر ان (هناك قضية واضحة ستثار عالميا, وهي ما اذا كان هناك دافع شخصي للرئيس كلينتون يتمثل في صرف انظار الناس عن مشكلته الشخصية) . وكذلك قال السناتور دان كوتس, الذي طالب كلينتون بأن يستقيل من منصبه بعد خطابه الاثنين الذي اعترف فيه بعلاقة (غير ملائمة) مع لوينسكي: ان الرئيس مستنزف في قضاياه الشخصية. السناتور جون مكين شدد على أهمية أن يكون للولايات المتحدة دور قوي في الشؤون الخارجية, وانتقد الإدارة على (تجاهلها مشاكل عدا عن مشكلة بن لادن لوقت طويل) . ومن هذه القضايا التي ذكرها قضية العراق الذي قال السناتور الامريكي انه (يتحدى الأسرة الدولية الآن ويرفض السماح للمفتشين الدوليين بمعاينة مواقع انتاجه للاسلحة المحظورة. وقال مكين, وهو عضو في لجنة القوات المسلحة, ان (هذه القضية يتم تجاهلها, وفي حين انه لا يمكنني القول انه تجاهلها بسبب قضية مونيكا لوينسكي, فإنه يتم تجاهلها) .