المفكر والكاتب التونسي الدكتور منجي الكعبي حاول ان يقف على مكامن الداء العربي, مشددا بصفة خاصة على ضرورة التحاور بين العرب وبعضهم, منبها ان الخطر المقبل يأتي من الخارج, ويعتبر ان الوقت سيطول جدا قبل اتخاذ قرار بشأن عقد أو عدم عقد القمة العربية , مشيرا الى انها ــ القمة ــ أضحت مظهرا من مظاهر التشتت العربي في القضايا المصيرية الكبرى, حتى لتمنى العرب لو لم تعقد في بعض الاوقات لتسفر عن تلك القرارات المخبية للآمال أو المحبطة للاعمال. رغم ان القرارات المخيبة للآمال أو المحبطة للاعمال هي التي تؤخذ دائما بدون اجماع وتكون لها قوة الاجماع. وهذا أمر غريب في الظاهر ولكن تجد تفسيره في قوة الضغوط الخارجية التي تعجل من عقد قمم غير تامة النضج لإفراز الحلول العربية الانسب للمصلحة العامة, العربية طبعا, في حين تتناسب تلك الضغوط مع مصالح بعض الدول العربية دون بعض وأحيانا مع كتل من بينها دون كتل اخرى. ويرى الكعبي ظهور التكتلات العربية ليس وليد الامس, ولكنها تعمقت وأصبح لها حكم الوجود الشرعي مع قيام التجمعات الاقليمية (المعلنة أو الظرفية) ذات المصالح غير المتوافقة دوما مع المصلحة العربية العامة أو مع بعض الدول التي تريد ان تبقى خارج التكتلات لأن وزنها الاستراتيجي في المنطقة يناسب على التحرك أفضل أو لادارة خيوط اللعبة بين الانقسامات العربية بأكثر حرية وانتهازية, خصوصا في ظل تحالفات اجنبية مقررة أو مقابل الحصول على امتيازات ظرفية غير مقررة علنا. ويضيف الكعبي: الوضع الحالي لا يحمل على التشاؤم, لأن السياسات العربية هكذا منذ تشكلت دول الجامعة, وليس وقت بأفضل من وقت أو مشكل بأقوى من مشكل, ولكن المعول عليه داخل كل تنظيم دولي هو العمل من اجل معالجة الاوضاع بحسب ما هو متاح لها دوليا من احداثيات وبحسب ما تملك كل دولة من حرية الحركة والمناورة لتغليب المصلحة العليا ولو في اطار مصلحتها. وإذا كانت التحديات اليوم اسمها اسرائيل واتفاقية السلام المعطلة أواسمها بالامس حرب فلسطين وخطر زرع دولة عبرية في الجسم العربي, فإن قلة عدد الدول العربية داخل الجامعة بالأمس أو كثرتها اليوم سوف لا يحل مشكلة في ذاته. وتهويد القدس سوف لا يزيد الصف العربي قوة اذا كان يفتقر في أصله الى مقومات القوة, وهي القوة الاقتصادية الفاعلة على مستوى مقدرات العالم والقوة النووية الرادعة على مستوى المنطقة. وتقديري ان التفاعلات الاقتصادية في ظل العولمة وكذلك التفاعلات السياسية في ظل اعادة خريطة توزيع النفوذ في العالم بين الدول الكبرى سوف يفضي آجلا أو عاجلا الى وضع عربي أفضل وإلى وضع عربي لرفع التحديات. لأن المؤسسات اذا طال دورانها في فراغ أو تبين قلة جدواها سوف تجد نفسها بالضرورة وقد تجاوزت الاحداث ولا تعود لها هيبة سواء بعقد قمة لها أو بعقد قمم متلاحقة لها. وعندئذ قد تتبين لأصحاب المصلحة منها وهي الشعوب العربية اساسا ــ أو قل الشعب العربي في مختلف أقطاره ــ قلة الجدوى منها ويستبدل بها, لأن الهياكل إما لتقييد الحركة أو لتسريع الحركة, وهذا هو الاصل في إحداثها, والزمن هو الكفيل وحده بتصحيح وجودها أو فضح وجودها.