يقدم الدكتور الأزهر بوعوني, خبير القانون الدولي العام والعميد السابق لكية الحقوق بجامعة تونس مقاربته لقضية القمة على محورين, الاول مشاغل القمة , والثاني مشاغل العرب انفسهم, مشددا في هذا الخصوص على اهمية جعل القرار العربي بمنأى عن قبضة (الحاكم)الدولي , وعن قضية اسرائيل ايضا ويحدد بوعوني محورا اساسيا لكلامه, هو ما اسماه مرض عربي - يراه مزمنا ويتمثل في عدم قدرة العرب على التحاور والاستماع الى بعضهم البعض ويواصل بقوله. الانطباع العام الذي يحصل لي عند الحديث عن احوال الأمة, ان مرضا مزمنا اصاب العرب, ويتمثل في عدم القدرة على الحوار وعلى تجاوز ماهو سيىء, وعدم التطلع - عربيا - الى الافضل فهناك عجز عربي في اصلاح ذات البين ودفع التحديات التي تهددهم في مسيراتهم لافقط القومية بل الوطنية ايضا. هذه ظاهرة بحاجة الى كثير من التحليل, لايتسع الحديث حولها الآن. لكن من باب الكشف عن الداء, هناك نوع من التشخيص لمرض اصبح دائما, يتمثل في عدم قدرة العرب - او رغبتهم الله اعلم - على تجاوز ماهو قاتم. لاشك ان تصرفات الدول العربية فيما بينها لايمكن اعتبارها تصرفات راشده تقر الحق في نمط شك مختلف او منهج تنمية مختلف او تحالفات مختلفة بما فيها مع الدول العظمى, ويتابع بوعوني لكن هذا لايبرر التدني الشديد في العلاقات العربية والذي لم يحدث من قبل, رغم ماعرفته الجامعة العربية من مشاكل اواسط الستينات, وايضا خلال السبعينات فهذا الوضع يبعث على الحيرة وهو وضع غير مصرح به بصفة علنية, اذا ما استثنينا بعض المواقف لدولتين او ثلاث. هذه النفسية سمحت حسب رأى بوعوني للاطراف الاجنبية التدخل, لتؤخر امكانية التصالح وامكانية دفع التحديات. فقد كانت شبه علنية بالنسبة لامريكا دعوتها الاردن وتونس بالاساس الى اقامة نوع من التيار المضاد لاجتماع القمة, التيار الذي قد يطالب بتأخيرها, وفشل الولايات المتحدة في ذلك - حيث لم تقبل الاردن, وتونس, هذا الامر - امام الوضع المتفجر, وتعنت حكومة نتانياهو. وهذا الوضع حسب كلام بوعوني يبعث على التساؤل لماذا توجد منظمة اسمها جامعة الدول العربية؟ اذا كانت مجرد وعاء للقاءات دورية تقنية لايتمخض عنها شيء, باستثناء الاشياء البسيطة ومحدودة الأثر مثل اتفاقية مقاومة الارهاب, فاننا نشير الى ان جامعة الدول العربية وصل مردودها الى درجة من التدني, رغم ان الظروف لا تسمح بتحرك ناجع, الا ان المطلوب من هذه المنظمة وخاصة الجالسين على قمتها القيام بدور طلائعي قصد التقريب بين كل الاطراف في كل المسائل, هذا مالم تقم به المنظمة بعد. وتحركات امينها العام, محدودة الأثر واصبحت جامعة الدول العربية تذكر لدى المختصين في العلاقات الدولية كمثال يكاد يكون الوحيد او الاوحد للمنظمة التي من المفروض انها قائمة على أسس ووشائج قربى عميقة تتعدى الجوانب الجغرافية لتصل الى هوية ذاتها. هذه المنظمة تساق كمثال على انها المنظمة الوحيدة التي لايستطيع قادتها ان يلتقوا للحوار طوال ثماني او تسع سنوات, هذا الوضع غير مقبول بكل المقاييس. اذ لايعقل انه في نهاية القرن الـ 20 ومشارف القرن المقبل ان تكون الجامعة عاجزة مطلقا عن اقامة قمة ويضيف عندما اتحدث عن قمة اعني كما قالها الميثاق: لجميع الدول المنضوية تحت الميثاق لان العودة الى منطق القمم المصغرة في تقديري ولئن وجدت جانبا اكبر من المؤازرة لدى بعض الدول, فانها تشكل على المدى الطويل عاملا لتقويض أسس الجامعة بذاتها, وبالتالي لاحترام النظام الاقليمي العربي, اذن يجب ان يشعر كل مواطن وكل شعب من شعوب دول الجامعة العربية ان هناك رغبة في الدفع بهذه المنظمة لتتجاوز الهنات التي اصبحت اليها. ويجب ان لانعود الى منطق (داحس والغبراء) هذا المنطق الذي يسعى الى التذكير بالفرقة بين العرب لاعتبارات قد يطول شرحها. ويتابع بوعوني اذن العرب الآن, ومنظمتهم في وضع متردي, والتعنت الاسرائيلي, من جهته لم يصل منذ ما يزيد على 30 سنة الى ماوصل اليه الآن من استفزاز واضح ومن همجية مطلقة ولا حدود لها, ولا يعقل ان تتحرك بعض الدول او بعض المنظمات الاوروبية او الاسيوية او غيرها لعقد القمم كل ستة اشهر وان تبقى الجامعة بصدد الحديث منذ مايزيد الآن عن السنة على الاقل, على امكانية عقد قمة من عدمه بيد ان بوعوني يستدرك بالقول: طبعا هناك مقتضيات ينبغي احترامها للدعوة الى قمة وانجاحها لانها ليست غاية في حد ذاتها واذا كانت القمة قد لاتؤدي الى شيء فلا فائدة ولا طائل من الاجتماع, لكن دور الديبلوماسية يتمثل في تقريب ذات البين والوصول الى اعادة البناء واستنادا الى جملة من القواسم المشتركة التي ينازع فيها عقل : احترام السيادات, واحترام انظمة الحكم القائمة واحترام الخيارات الوطنية في جوانبها الداخلية والدولية, مع احترام التركيبة الاجتماعية لكل دولة ونمط التنمية الذي تبتغيه كل هذه العناصر, اضافة الى عدم اللجوء الى القوة في فض النزاعات واضافة ايضا الى احترام مبدأ حسن الجوار.اذن هذه من العوامل التي ينبغي التسليم بها تسليما مطلقا حتى يمكن الانطلاق منها لبناء ماهو افضل, والانطلاق منها خاصة لتجاوز هذا الحاضر والوضع المتردي الذي اصبحت عليه مسيرة السلام وكل شيء. ويمضي بوعوني في حديثه ليقول: واذا كان الشاعر العربي قد قال سابقا بان (الظلم من شيم النفوس) فان اخلاقياتنا وثقافتنا العربية تدعونا ايضا الى تجاوز المنطق البدائي والمواجهة البدائية ومنطق التنكيل والتنديد ... والسعي الى اقامة علاقات - على الاقل - طبيعية بين الدول العربية فيما بينها, ان لم نقل علاقات متميزة بين بعضها البعض. لكن الاستاذ بوعوني يطرح سؤالا مهما, هل انعقاد القمة - اذا حصل - كفيل بالتأثير على عصابة المتطرفين الحاكمة في اسرائيل او على الاقل ان تربكها, ورد على ذلك بالقول ان في المسألة قول وأنا أميل الى الاعتقاد ان نجاح قمة عربية لا ينعكس بالضرورة مباشرة وآنيا على سياسة حكومة نتانياهو, لانه ينبغي ان تكون هناك اكثر من مبادرة واكثر من موقف واكثر من ضغط, بمعنى ان نجاح القمة في حاجة كذلك الى مبادرات لاحقة تصب في نفس الخانة حتى يساعد ولو بصفة نسبية جدا على ظهور رد فعل ايجابي من قبل هذه الحكومة. اذن العرب الآن هم في عنق الزجاجة وهم في حاجة الى بذل اكثر من جهد والى تكثيف مبادراتهم حتى يشعر الجميع ان القمة ونتائجها ليستا عملا منفردا او موسميا يتم تجاوزه بمجرد نهاية التئامها وهذا يفيد ان القمة ينبغي ان تعد كذلك لاجراءات تساهم من خلالها في تتبع ما يمكن ان يصدر عنها من قرارات, ومجمل القول اذن ان القمة وان مثلت في حد ذاتها اعادة شعور بالارتياح فيما يتعلق بمسار تطور العلاقات العربية العربية, هي في حاجة الى تجسيم لما يتمخض عنها من قرارات على ارض الواقع وهذا التجسيم يفيد انه لا مناص من احداث لجنة متابعة يعهد اليها رفع تقارير دورية عن العوائق وعن المكاسب حتى يتمكن القادة من اعادة التصويب بالنسبة لاهدافهم بما يجعلها تكون اكثر نجاحا.