لا ندري كم من المراقبين والمحللين السياسيين توقف عند الظاهرة المتسجدة نسبيا على اسلوب المعالجة الامريكية لحادثي تفجير سفارتي الولايات المتحدة في شرق افريقيا ؟. هذه الظاهرة تتمثل في التعاون والشراكة التي قامت في سياق التحريات والتحقيقات بين اهم وكالتين معنيتين بالامن على المستوى القومي بالولايات المتحدة وهما: مكتب المباحث الفيدرالي (اف. بي. ايه) ووكالة المخابرات المركزية (سي. آى. إى), ونحن نصفها بالمستجدة لانها لم يسبق لها مثيل بهذا المستوى والحجم, وايضا بهذا المستوى من العلانية فيما يشبه الرسالة الموجهة ونضيف اليها صفة التحوط نسبيا لانها تمثل المرة الثانية التي جسدت التعاون بين الوكالتين حيث كانت الاولى في حادثة الخُبر في العاصمة العربية ـ الرياض عام 1996. دلالات هذا التعاون ونحسب ان هذا التعاون له دلالته البالغة والفصيحة في آن فقد ظلت الاعراف المتبعة في مجال صون الامن القومي الامريكي, وعلى امتداد السنوات الخمس والستين التي مضت منذ انشاء مكتب المباحث ــ التحقيقات الفيدرالي, ثم السنوات التي قاربت نصف القرن على انشاء وكالة الاستخبارات المركزية ظلت هذه الاعراف تقضى بالفصل الحاسم بين نشاط الوكالتين, حيث اختص المكتب بالامن الداخلي فيما انفردت الوكالة بالامن الخارجي. وكان هذا الفصل متبعاً بحرص بالغ ونابعا من فلسفة الفصل بين مجالي السياسة المحلية والسياسة الخارجية فيما وراء الحدود. وهو ما تجلى ايضا في الفصل بين الاعلام الداخلي في امريكا وهو متروك كما هو معروف للقطاع الخاص ولا تشارك فيه الحكومة الا من خلال الشبكة الاذاعية العامة (بي. بي. اس) التي تقدم لها الدعم وتتيح لها جمع تبرعات من جماهير المستمعين ومن الهيئات والمؤسسات الخاصة لقاء تقديمها مواد وبرامج رفيعة المستوى وبغير تحيزات لرأس المال او للمسارات الحزبية ودون ان تعتمد على الاعلانات وهي بداهة سوط التحكم او السيطرة على الرأي والعرض الاعلامي في التحليل الاخير. لكن على مستوى الاعلام الخارجي تدير الحكومة على شبكة صوت امريكا واذاعتها الخارجية المنبثة حول العالم ومنها خدمات اذاعية كانت دعائية وفجة زاعقة ظلت واشنطن توجهها الى جماهير المعسكر الاشتراكي السابق, ودلالة هذا التعاون الذي نشهده بين مكتب المباحث ووكالة المخابرات تعني: اولا: ان مسؤولي واشنطن باتوا يدركون جسامة العمليات الارهابية الجديدة من حيث الحجم والتعقيد والاثر الناجم وخاصة فيما يتعلق على تحولات الرأي العام الداخلي في امريكا الذي يتميز بحساسية خاصة ازاء الخسائر في ارواح الامريكان التي تقع خارج الحدود. ثانيا: يأتي هذا التعاون بين مكتب الاختصاص بالامن الداخلي ووكالة الاختصاص بالامن الخارجي تجسيدا للتيار الجديد السائد حاليا في دوائر رسم الاستراتيجية وهندسة السياسات ووضع واتخاذ القرارات في واشنطن وهو تيار تتغلب فيه المصالح المحلية والاوضاع الداخلية على مقتضيات السياسات الخارجية بحيث اصبح الكثير من قرارات السياسة الدولية لامريكا وكأنه يصاغ وفق اعتبارات اصوات الناخبين في الولايات المختلفة وطبقا للمصالح الاقتصادية الداخلية وايضا لبرامج العمل (الاجندات) التي ترسمها جماعات الضغط المحلية المؤثرة في هذه الولاية او تلك او في هذا اللوبي او ذاك. وفي دراسة حول هذا الموضوع (دورية الشؤون العالمية ـ رورلد افيرز ـ عدد الصيف لعام 1998) يقول البروفيسور روبرت لايبر استاذ اصول الحكم في جامعة جورجتاون المرموقة: ادى انتهاء الحرب الباردة وانحلال الاتحاد السوفييتي الى زوال الاحساس بالخطر الخارجي لدى المواطن الامريكي ومن ثم ظلت اهمية السياسة الخارجية تتضاءل في الحياة العامة في امريكا.. لدرجة ان جاءت اخر انتخابات رئاسية في عام 1996 لتشير استطلاعاتها الى ان نسبة من الناخبين الذين كان لديهم اي اهتمام بالسياسة الخارجية (الدولية) لامريكا بلغت 4 في المائة فقط بالمقارنة مع 9 في المائة في انتخابات الولاية الاولى للرئيس كلينتون في عام 1992. ثالثا: ادركت وكالتا الامن الرئيسيتان في الولايات المتحدة ان كلا منهما بحاجة الى خبرة وامكانات الطرف الاخر, وخاصة في محاربة ظاهرة الارهاب المتنامية حاليا, ان حرب الارهاب ليست بالحرب النظامية ورموز الارهاب ومرتكبيه ليسوا بالاعداء الظاهرين او المحددين او المعروفين (ودع عنك ما تردده اجهزة الاعلام من اسماء وشعارات وعناوين ومنظمات يعزون اليهم ارتكاب هذا الفعل او ذاك فتلك اقرب الى ضرورات الاستهلاك اللازمة لجماهير من مستقبلي الرسالة الاعلامية الدائرة والهادرة على مدى 24 ساعة ومطلوب ان يقدّم لها اسماء واتجاهات وتكهنات وشائعات وتخرّصات وتوقعات قد تصدق والغالب انها لا تصدق, والمهم انها تؤدي دورها لاشباع نهم الاستهلاك الاعلامي.. والباقي.. يفرج الله). اجتماع سري في روما والذي حدث ان كانت العاصمة الايطالية روما قد شهدت منذ سنتين اجتماعا سريا بين اعلى المستويات في قيادة مكتب المباحث الامريكي ووكالة المخابرات المركزية حيث تبادل المجتمعون الرأي والخبرة في معالجة ظاهرة الارهاب وايضا في معالجة الاحتكاكات التي ظلت لتشتجر بين الوكالتين لسبب تنازع الاختصاصات او بحكم ان كلا منهما تصدر عن ثقافة او فكر مختلف كما يقول الكاتب الامريكي (تيم وورثر) الذي نشر مؤخرا دراسة في الموضوع وقال فيها ان هذا الاختلاف في الرؤية والتصورات يرجع الى ان ضابط المباحث (الامن الداخلي) يبادر الى مداهمة الفاعل كي يقبض عليه ويشل حركته في حين ان ضابط المخابرات يفضل ان يتركه طليقا مع وضعه تحت المراقبة لعله يوصله الى خيوط وشبكات اخرى. ولان المخابرات المركزية امر واقع تسلم به كل بلدان العالم فقد احتاج الامر بالنسبة للعنصر المستجد وهو المكتب الفيدرالي الى تصريحات خاصة من الدولتين الهدف في شرق افريقيا وهما كينيا وتنزانيا لكي يباشر المكتب انشطته في التعامل مع جريمة تفجير السفارتين حيث اوفد المكتب فريقا ضخما الى البلدين برئاسة شيلا هورات وهي اكبر خبير في مكافحة الارهاب في واشنطن وقد تألفت الاستراتيجية التي وضعها فريق المكتب لمباشرة تحرياته وتحقيقاته من ثلاثة اجزاء هي: - اجراء مقابلات مكثفة مع الشهود والمشتبه فيهم وكل من لديه اي معلومات تتصل بالحادث. - استعراض كل المعلومات المستقاة من مصادر مخابراتية تكون قد جمعتها الوكالة المركزية الامريكية او شاركت فيها تعاونا وتطوعا وكالات دول صديقة اخرى بعد ان طلبت واشنطن اليها التبرع بتلك المعلومات التي تكون لديها وتفيد التحقيق والطلب هنا بديهي بحكم ان الارهاب ظاهرة اجرامية عابرة للحدود. ولعله يصدر بدوره عن ظاهرة عبور الحدود ترانز باوندري التي استشرت في سنوات عقد التسعينات الحالي ما بين فساد عابر للحدود.. وجريمة منظمة (نيومافيا) عابرة بدورها, وتلوث بيئي عابر ايضا.. ناهيك عن سائر الظاهرات السلبية والاجرامية العابرة كذلك مثل غسل الاموال والاتجار بالمخدرات وبالرقيق البشري وكله من نفايات ظاهرة العولمة التي ما برحت بحاجة الى فرز وتمحيص. - جمع الادلة المادية من الميدان ذاته وهي ادلة من الحطام والركام والبقايا التي تم الحصول عليها موقعيا خاصة وقد بدأ وصول فريق المباحث الفيدرالية الامريكية بعد 36 ساعة من ترتيب الانفجار وبعدها تبدأ مهمة مختبرات المكتب الفيدرالي في امريكا ذاتها. تناقضات بين دوائر السياسة واذا كانت الادلة الموقعية هي ادلة مادية موضوعية في التحليل الاخير, واذا كانت نتائج المختبرات لها ايضا نصيبها من الموثوقية او الموضوعية العلمية فان علينا ان نوجه اهتمامنا الى ما يجرى على الساحة السياسية في الولايات المتحدة ذاتها من حيث استجابات الاطراف المؤثرة الفاعلة المختلفة ازاء الاحداث الارهابية التي وقعت, وهي استجابات يعبر عنها اصحابها, بينما تتركز عيونهم بالذات على المصالح المحلية والدوائر الانتخابية وجماعات الضغط, وقطاعات الرأي العام على مستوى امريكا الداخل. في هذا المجال السياسي نكاد نلمح امرا غريبا قد يصل الى حدود التناقض!, كيف؟ .. المسؤولون في ادارة كلينتون الحالية يتذرعون بحبال طويلة من الصبر ويبدو عليهم سيماء التريث المعقول والمحمود. مثلا اولبرايت, وزيرة الخارجية وهي التي بنت مكانتها على لسان حاد بالانتقادات حتى بحق رؤساء دول, جمعت مؤخرا 800 من موظفي وزارتها وقالت لهم: نحن امة لا ترد لمجرد شهوة الانتقام ورغم ان بودنا ان نذهب الان ونقصف هذا الطرف او ذاك, الا ان علينا ان نتوخى الدقة فيما نفعل بحيث يستند الى مبرر وجيه معقول. وفي هذا الاطار ايضا يحذر روبرت جيتس رئيس المخابرات المركزية في عهد الرئيس بوش من الاندفاع المحموم, غير المحسوب الى توزيع الاتهامات واشعال حرائق الثأر ثم يطالب في مقال هام نشره الملحق السياسي من التايمز بالعدد الاسبوعي الاحد 16 اغسطس الحالي بان تتوسل الادارة الامريكية بمزيج من الحزم والدبلوماسية, ومن الصبر والتخطيط و... من ادراك ان الامر قد ينطوي على مزيد من خسائر يجب توقعها وتحمل آثارها في المستقبل, صحيح ان مثل هذا المسار الصعب لن يطفىء شهوة الانتقام لدى جماهير متعطشة للثأر او للقصاص. ولن يقدم اجابات بسيطة جاهزة على اسئلة وخيارات في غاية الصعوبة والتعقيد لكنه في رأي جيتس هو السبيل الوحيد الى معالجة الارهاب والتصدى له على نحو متواصل ومتزن وناجح. على الطرف الاخر من القضية نجد استجابات سياسية في غاية السخف والخطل والاندفاع الى حد الاستفزاز. المذيع المعروف تيد كوبل يستضيف في برنامجه السياسي الليلي (نايت لاين) وزير خارجية سابق هو (الكلبرجر) الذي لا يتورع عن ان يقول: ان العمليات الارهابية تكاد تساوى اعلانا بشن الحرب ومطلوب الرد على ذلك بحرب مضادة (تشنها امريكا) !. واذ يتطرق الحديث في البرنامج التلفزيوني المذاع على الشبكات القومية الى احتمال ان يصل الامر الى مخططات اغتيال لزعماء او رؤساء دول خاصة وان الرئيس الاسبق فورد أصدر مرسوما بحظر تلك المخططات, يهتف ضيف اخر في برنامج اسمه هوارد شابيرو الذي قدموه بوضع من كبار خبراء مكافحة الارهاب قائلا: ان الامر بات يقضى الغاء هذا المرسوم واباحة عمليات اغتيال القادة والزعماء في الدول الخارجية فلا شيء يهم ازاء خسائر ارواح الامريكيين. من ناحية اخرى فالكاتب الصحفي تارنتو ينشر مقالا موجزا في (وول ستريت جورنال) يعرض فيه لاولى الاستجابات في الاعلام الامريكي ازاء احداث شرق افريقيا وفي مقدمتها ما يمكن ان نصفه بانه بالونات الاتهام الجاهزة من خلال القوالب الجاهزة والصور النمطية المنطبعة ستريو تايب وقد اطلقها الاعلام الامريكي من مخزونات الكليشيهات الجاهزة ايضا.. وهم يخرجونها من مستودعاتها عندما يقع حادث يوصف بانه ارهابي فاذا بالافق الاعلامي في الولايات المتحدة يتذكر اسماء افراد وديانات ودول ومنظمات بعينها وليس غيرها واذا بالآلة الاعلامية تغازل حاسة التذكر الجمعي المبسط عند الجماهير, وهنا تطفو على السطح اسماء: الاسلام وجماعات الجهاد وحزب الله, وليبيا وايران والعراق والسودان (وكلها واقعة بالمناسبة تحت حصارات اقتصادية امريكية) وعبثا يحاول العقلاء منهم الاشارة الى ان الارهاب ظاهرة عالمية عابرة لحدود الامم والاوطان كما اسلفنا, وان له جذورا اعمق واخطر من مجرد التفكير بالقوالب النمطية او الكليشيهات.. وان هناك ارهاب الفرد كما حدث في اوكلاهوما على يد مواطن امريكي وارهاب المؤسسة كما حدث بالامس القريب وانفجرات ايرلندا الشمالية, بل وارهاب الدولة (وقد مارسته اسرائيل اكثر من مرة) ناهيك عن حوادث ارهابية في طول العالم وعرضه تمت على يد منظمات شتى ما بين (التاميل) في سريلانكا الى (الجيش الاحمر) في اليابان الى (بادر ماينهوف) في المانيا, الى (الطريق اللامع) في بيرو بامريكا اللاتينية الى (الالوية الحمراء) في ايطاليا الى (الايتا) الباسكية في اسبانيا. لكن كل هذا لا يهم بالنسبة للتركيبة النمطية في الآلة الاعلامية الامريكية, والمهم, الا باستثناءات قليلة بل ونادرة, هو الربط بين الارهاب والشأن الاسلامي والشأن العربي.. و.. فتش عن اصحاب المصلحة في هذا الربط المستمر وبدلا من عبارة اصحاب المصلحة, يمكنك باطمئنان علمي ان تضع كلمة واحدة هي اسرائيل. كاتب سياسي مقيم في واشنطن*