العنف يولد العنف والضغط يولد الانفجار حقائق لا تقبل الجدل, فقد اكد الواقع التاريخي على مدار ربع قرن, وبالتحديد منذ عام 1973 وحتى حادثي الاعتداء على سفارتي امريكا في نيروبي ودار السلام بداية هذا الشهر, ان تصرفات العنف السياسي ورفع عصا التهديد في وجه شعوب العالم من قبل امريكا وسياسة الضغط هي الدافع الاول والمحرك الاساسي لمشاعر الغضب والانفجار تلك التي تدفع اشخاصا او منظمات لارتكاب اعمال ارهابية ضد . ومن هنا تأتي هذه الاعمال في معظمها كرد فعل على سياسة الارهاب الامريكية ضد الحكومات والشعوب ففي العام الماضي فقط وقع 304 حوادث اعتداء على مستوى العالم منها حوالي 33% ضد المصالح الامريكية قتل في هذه الحوادث 7 امريكيين وجرح 21 وفي عام 1996 بلغ عدد حوادث الاعتداء 296 منهم 25% ضد اهداف امريكية قتل 24 امريكيا وجرح 250 شخصا وتصنف عملية تفجير سفارة امريكية هنا او هناك او الاضرار بمصالح واهداف امريكية في مكان ما على انها ظاهرة محدودة بمثابة ردود فعل على سبيل الانتقام على عكس السلوك الامريكي وتصرفات الادارة السياسية الامريكية في مختلف دول خاصة العالم ما يطلق عليه (دول العالم الثالث) فهي تصرفات غير محدودة متنوعة متناقضة منحازة تقوم على مصالحها بالدرجة الاولى. تتحدث امريكا عن حريات الشعوب وحقها في تقرير مصيرها, وتساعد اسرائيل بالمال والسلاح, ولا تخجل من اعلان حفاظها على ان تكون كفة الميزان راجحة في صالح اسرائيل في المنطقة العربية, تضغط امريكا على الامم المتحدة ومجلس الامن لاتخاذ قرارات عقابية, وفرض حصارات اقتصادية على دول بعينها, وتترك اسرائيل تمرح وتقتل وتضرب وتغتصب الاراضي دون اتباع نفس الاسلوب معها, وهو ما يطلق عليه سياسة الكيل بمكيالين, تخطط في الخفاء وتتخفى وراء امتثالها للديمقراطية في نسج سياسة ابتزاز, هذا التناقض في السياسة الامريكية قد خلق ارضية غضب وعداء لها خاصة في دول العالم الثالث, فهي تخفى عصا ورقة الاقباط المصريين وراء الباب تهدد بها مصر, وتروج في العالم بان الاقباط اقلية مضطهدة في بلادهم. وتعتمد امريكا في سياستها على قوتها العسكرية وذراعها الطويل في العالم, وتنسى او تتناسى الاثر النفسي على الشعوب جراء التصرفات الامريكية, ولنطرح عدة اسئلة قريبة جدا لاذهان العالم كله الآن: الحصار المفروض على شعب العراق منذ ثماني سنوات له اثار نفسية خطيرة, على الشعب العراقي الذي يعانى من الجوع والمرض, فما هي صورة الامريكي لدى الانسان العراقي؟ وما هي سمعة الحكومة الامريكية؟ وحتى لو انفك الحصار اليوم او غدا, فهل سينسى الشعب العراقي ما فعلته امريكا فيه؟.. الانسان العربي المسلم الذي يواجه اعلاما امريكيا ظالما, يصفه بسبب وبدون اي سبب بالارهاب, ماذا يفعل؟ يبتسم.. يتقدم بقربان الطاعة والولاء للعم سام.. يتوجه بالشكر للسياسة الامريكية! رد فعل طبيعي جدا ان تنفر سياسة امريكا الجماعات والمنظمات المتطرفة, ويدفع الثمن عددمن الامريكان الابرياء حياتهم في مقابل السياسة الامريكية الظالمة, وبالرغم من ذلك كله فانه لا يمكن بأي حال من الاحوال تبرير الاعمال الاجرامية ضد المدنيين مهما كانت جنسياتهم, لكن رصد الحقائق وتعرية الواقع امر مفيد لكافة الاطراف, فما يحدث الان من اضرار واستهداف للمصالح الامريكية انما هو افراز طبيعي للنظام الاحادي القطبي, ذلك الذي اساءت امريكا استخدامه بصورة لم يشهد مثلها التاريخ, وجعلت من وجودها كقوة واحدة سيفا مسلطا على رقاب الحكومات والشعوب, وجعلت انين الشعوب وسخطهم يخرج من الحناجر والصدور الى حد التصرفات والافعال المضادة, والتي تحاول النيل ولو بهامش بسيط من تلك الهيمنة والاضرار بها, ولكن هذا التفسير لا يعني اننا نوجه الاتهامات لجماعة ما او منظمة من تلك الشعوب, بل يعنى ان ما يحدث الان للمصالح الامريكية في العالم هو نتاج وافراز طبيعي للسياسة الامريكية نفسها, اما من هو المستفيد الاول والحقيقي مما يحدث لامريكا فهذا شأن اخر سنعرض له لاحقا, لكن السياسة الامريكية تجعلها هدفا للمنظمات الارهابية والمتطرفة في العالم, خاصة تلك المنظمات المأجورة, التي ليس لها ولاء محدد بل ولاؤها لمن يدفع اكثر, ولذلك يمكن القول ان هذه المنظمات الارهابية تجد في تصرفاتها المعادية لامريكا سوقا دولية رائجة, فتلك المنظمات كالتاجر الذي يعرف جيدا معطيات العرض والطلب في السوق الدولية, وطالما ان العداء متزايد دوليا ضد امريكا وسياستها, لذلك ففي امريكا سوقا جيدة لبيع المخططات الارهابية لتهدئة النفوس الرافضة والغضب المتأجج, اما امريكا كهدف بعينه, فهذا الامر ليس له مجال في تصورنا, بل التصور الاقرب للواقع هو ما سبق التعرض له, وهو ان المنظمات الارهابية تجد في غضب العديد من الشعوب والدول ضد امريكا سلعة رائجة, تحاول استثمارها لتقبض الثمن, ولا تكون هذه المنظمات الا أداة تنفيذ وتنفيث, لتلك الجهات الرافضة والغاضبة على سياسة الادارة الامريكية. وتعلم الادارة الامريكية الدوافع الحقيقية لسيل الاعمال العدوانية التي تساق ضدهم من هنا وهناك, غير ان التفسيرات التي يقدمها الساسة في الادارة الامريكية لشعوبهم بعيدة تماما عن الواقع, وهي تفسيرات للاستهلاك الاعلامي فقط, وتفسيرات تستهدف التأثير على الرأي العام الامريكي, وتنمية الشعور بالعظمة والغلبة لديه والتفرد دون شعوب العالم, فالساسة يزعمون ان الغيرة والحقد من التفوق الامريكي والانسان الامريكي هو الذي يدفع بجهات معادية للنيل منهم في مصالحهم ومحاولة تهديد هذه المصالح, ويحاول الساسة ترويج ان سياسة الادارة الامريكية هي الاسلوب الوحيد الذيضمن حماية الانسان الامريكي وحماية حقوقه, وكذلك ارساء قواعد الحرية والديمقراطية والدفاع عن حقوق الانسان المظلوم في العالم, ويلعب الساسة على اوتار المشاعر لدى الشعب الامريكي, باثارة الحمية والحماسة والتحيز لكل ما هو امريكي بدءا من ساندويتش الهامبورجر, ومرورا بسياسة السوبر ماركت في افريقيا وانتهاء بسياسة العقوبات والضرب بيد من حديد على ايدي الحكومات والدول التي تحاول الخروج من بيت الطاعة الامريكي, وتجويع الشعوب وقتل الاطفال بمنع الدواء واذلال رقاب الحكام بمنع طيرانهم من بلدانهم. امريكا والدعم المقنع للارهاب وهنا يثور سؤال هام يتردد كثيرا, هل تدعم امريكا الارهاب..؟ سؤال شديد الحساسية, غاية في الصعوبة والتعقيد.. فلقد سمحت امريكا تحت شعارات الحرية والديمقراطية لكثير من الخارجين عن القانون بالاقامة في ولاياتها المتحدة الامريكية, واستقبلتهم تحت زعم حرية التعبير عن الرأي واللجوء السياسي, وهي ـ امريكا ــ تعرف تماما هويتهم الارهابية, فلماذا ترحب بهم في بلادها؟ السفارات الامريكية نفسها التي هي عرضة للاعتداءات عليها تقيم جسورا وعلاقات مع المتطرفين في دول العالم الثالث... لماذا؟! لامريكا اسباب سياسية واستراتيجية غير معلنة, لاحتوائها هؤلاء تجعلها تنتهج هذه السياسة, وبدون شك لها مصلحة في ذلك, تجعل حجم استفادتها جراء ذلك اكبر من خسائرها, والا بماذا نفسر ذلك؟ وقد تنسى امريكا في ثنايا هذه الاستفادة ما سيخلفه لديها احتواؤها للعناصر التابعة للحركات السياسية او الدينية المتطرفة, واثر ذلك سلبا عليها في المستقبل. وتجدر الاشارة هنا ان هذا الامر لا يختلف عنه في العديد من الدول الاوروبية التي تفتح ابوابها امام العناصر الهاربة, والتي تتحول الى خلايا تصدر العنف والارهاب لدول العالم اجمع دون تفريق بين دولة واخرى, ومن هنا نجد ان كل يوم واخر تخرج لنا الساحة الامريكية ظواهر شاذة او جماعة ما متطرفة, او اخرى لها ميول عنف او ارهاب في الولايات المتحدة الامريكية هنا او هناك, ولا يستطيع احد الاجابة بشكل واضح عن مدى الاستفادة الامريكية من احتضانها لهؤلاء المتطرفين او اللاجئين المعادين لانظمة سياسية او دينية, وحمايتهم داخل اراضيها الا شخص من داخل الادارة الامريكية نفسها, ولكن يمكن التكهن ان المخابرات الامريكية تستفيد من هؤلاء في الحصول على المعلومات عن انظمة الدول الاخرى وخباياها السياسية, او قد تستخدمهم كأدوات تهديد او ضغط ضد حكومات او انظمة بعينها, او لعلها تريد ان تثبت للعالم ان البلد الاكثر حرية وديمقراطية وحماية لحقوق الانسان وحريته اي كانت هذه الحرية مدمرة للاخرين. الاستفادة الاسرائيلية من الاحداث يأتي توقيت تفجير السفارتين الامريكيتين في نيروبي ودار السلام في توقيت غريب ومريب, ويثير اكثر من تصور وتكهن, غير اننا سنركز هنا على جانب هام يهمنا كمسلمين بالدرجة الاولى وكعرب بالدرجة الثانية, ففي هذا الوقت بدأت النغمة الامريكية تبدو مغايرة تجاه سياسة الصلف الاسرائيلي, ويحدث شقاق داخل الادارة الامريكية نفسها, واعضاء الكونجرس بين رافض للصلف الاسرائيلي وبين مؤيد. وفي هذا الوقت بالذات بدت قضية مونيكا لونيسكي على وضع فصولها الاخيرة, وهي القضية التي تشير بعض الدلائل الى وجود اصابع يهودية خلفها تلك القضية التي استغرقت اهتمام بيل كلينتون والعالم عن القضايا المصيرية والحيوية والجوهرية, وشغلت الادارة الامريكية عن الصراعات الاخرى في العالم, وشغلت كلينتون عن جهوده في عملية السلام, وعن الضغط على اسرائيل لفرض الخيار او الاقتراح الذي طرحه لاستمرار المفاوضات مع فلسطين, فقبل انتهاء الفصل الاخير من فضيحة مونيكا كان لابد من حدوث شيء اخر يبدو للامريكان اقوى لجذب انظارهم وصرف اهتمامهم عن قضية السلام, او حتى عن قضية الحوار المباشر مع العرب, او عن الميل لحيادية اللهجة مع العرب, وقد جاءت احداث التفجيرات مصادفة للهوى الاسرائيلي تماما, وفي توقيت مثير للدهشة ويبعث على الانبهار, وعقب الانفجار تراصت عناصر اخرى جديدة لتخدم المصادفة الاولى او الاستفادة الاسرائيلية, فانبرت جماعة اسلامية تنسب لنفسها الاحداث, وتناثرت الاتهامات لتشير الى شخصيات وعناصر عربية, وبادرت اسرائيل بارسال فرق فنية لمتابعة التحقيقات مع الشرطة الفيدرالية والمخابرات الامريكية في مواقع الاحداث, وبدا للعالم وكأن القلب الاسرائيلي ينفطر على المصالح الامريكية, واسرعت اسرائيل لتبرهن لامريكا انها الصديق الاول وقت الضيق والحليف في الازمة والشدائد, ووجدت في هذا فرصة ذهبية لتجدد انها الحامي الاول للمصالح الامريكية في الشرق الاوسط, وفي افريقيا وان لم يكن في العالم كله, وهكذا كان في حادثي السفارتين فرصة عظيمة تم تقديمها لاسرائيل على طبق من ذهب, لتفصل فيها وتشكل وفقا لهواها ومخططها لتضخيم الفجوة بين الدول الاسلامية والعربية وبين امريكا, ومما لاشك فيه ان جهات من هنا او هناك سوف تدعم تلك الفرصة الذهبية التي لقطتها اسرائيل, فعشرات المنظمات الارهابية التي تتخفى في رداء الاسلام, وتدفعها في الواقع اهداف صهيونية واخرى معادية للاسلام, لن تفوت تلك الفرصة لكيل صفعة جديدة للمسلمين والعرب, وها هي وسائل الاعلام الغربية تطلع علينا كل يوم واخر بضبط هذا او ذاك من المسلمين, وتؤكد ان لهم صلة بحادثي السفارتين, وان هناك اعترافات ومخططات, غير ان الواقع يقول ان المواد التي استخدمت في التفجيرات مواد لا يمكن استيرادها الا من خلال حكومات الدول, ولا يمكن لافراد او منظمات الحصول عليها, وهذا ينفى كل الادعاءات والاشارات والتلميحات التي طلعت علينا حتى الان الى اشعار اخر وتسديد اتهامات اخرى.