قوبل تفجيري سفارتي الولايات المتحدة الامريكية في كل من كينيا وتنزانيا باستياء بالغ من مختلف الفعاليات الرسمية كما عبرت عن ذلك برقيات التعازي والمواساة واذا كان هذا الاستنكار له اكثر من دلالة في رفض الارهاب والاجماع على ادانته وهو امر مألوف في مثل هذه الحالات سيما والعالم اليوم يتجه نحو تبني سياسات مشتركة لمكافحة الارهاب كما عبرت عن ذلك اللقاءات والاتفاقيات والمعاهدات المتمخضة عنها. فان هذا الموقف المجمع عليه يندرج ايضا في اطار توجه اخلاقي قوامه رفض ازهاق ارواح الابرياء قبل خضوعه لمقتضيات تلك الالتزامات. والسؤال الذي يطرح نفسه بالحاح في هذا السياق هو: الى اي حد كان هذا الاستياء حاضرا في الضمير الشعبي والفردي الذي لا يندرج موقفه في اطار التزامات الدول وتعهداتها؟ ان المتتبع لردود الافعال الشعبية سواء كمواقف فردية او مواقف تنظيمات وجماعات جماهيرية يستشف منها بوضوح مبلغ الاسى الذي خلفاه التفجيران, بل ويستنتج من خلال النقاشات والحوارات التلقائية او من خلال البيانات والكتابات التي حفلت بها الصحافة العربية منذ تناولها لهذه القضية. ان هول الكارثة خلف اثرا عميقا عبر عنه بالرفض والادانة لهذا العمل الوحشي الذي اودى بحياة 284 قتيلا واكثر من خمسة الاف جريح. واذا ما تمعن المرء في ردود الافعال على المستويات الفردية وما كتب عنها يلاحظ بأنه بقدر ما تبلور اتجاها يرفض الارهاب ويستهجنه فانه في الوقت ذاته يجد ان السياسة الامريكية وضعت كموضوع للتساؤلات والاستفسارات ذهبت في بعض الاحيان الى اعتبار الكارثة نتيجة طبيعية للسياسة الامريكية التي تقوم على معايير مزدوجة ومتعددة لا تراعي المصالح الامريكية ولا مصالح الاطراف الاخرى. ويكفي في هذا المضمار الرجوع الى الكتابات الصحفية التي حفلت بها الصحافة العربية التي لم تخل من الشعور بالمرارة والاسى تجاه ضحايا التفجيرين لكنها في الوقت ذاته جعلت منها محملا لانتقاد ولوم السياسة الامريكية في المنطقة العربية والافريقية على حد سواء حتى بات الامر وكأننا في حديث مناسباتي لحدث غير مناسب. وهو ما يحيل الى التساؤل عن الاسباب التي تجعل من هذه المواقف تنحو هذا المنحى؟ الحقيقة انها اسباب لم تعد خافية على احد فامريكا التي قدمت صورة مثالية للحرية والتسامح تظهر في ممارسة سياستها الخارجية منحازة لطرف ضد اطراف على الرغم من ممارسات هذا الطرف المناقضة لكل قيم التسامح والحرية والمساواة, وهو ما يجعل من هذه القيم مجرد اسطورة لا تلاقي الصدى الذي يأمله انصار الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان. بل وتذهب ابعد من ذلك في وضعها لهذه القيم موضع شكوك تتنازعها وتتجاذبها ميولات اقل ما يقال عنها انها تغذى اتجاهات ضدا لهذه الامنيات والرغبات التي تخامر العالم ويتطلع اليها لتسود مختلف ارجاء المعمورة. ان بلوغ ذلك التطلع لا يمكن له ان يكون ما لم يتبلور بصيغ عملية لا تناقض في دلالاتها تلك القيم ولا تخدم في مراميها مصالح انية تلغي من حساباتها الاخر ان لم نقل تتجاهله وتقصيه. واذا كان الدرس المستخلص من مثل هذه العمليات هو عدم اثرها وفعاليتها كونها تصيب الابرياء من الناس وتندرج في اطار اسلوب لم يعد مقبولا في عالم اليوم. فان الدرس الاهم هو في تحول مثل هذه المآسي الى مناسبات تحاكم فيه السياسات الامريكية خاصة ان هذه المرة ليست الاولى التي تتخذ فيها مثل هذه النوازل منحا لاستعراض ومراجعة جوانب السياسة الامريكية في العالم عامة ومنطقة الشرق الاوسط خاصة. وهي مراجعة لا ينبغي ان تنطلق من التأمل بنتائج مثل هذه العمليات وعواقبها بل من التمعن ايضا في ردود الافعال التي تواكبها وتتبعها على مختلف المستويات, وهي وان كانت في جوهرها ترفض مثل هذه الاعمال الارهابية الا انها في الوقت ذاته تستحضر السياسة الامريكية لتسائلها وتستنطقها وهو ما يعكس اتجاها له دلالاته لا ينظر بعين الرضاء للسياسة الامريكية تجاه الكثير من مناطق العالم وبالذات منطقة الشرق الاوسط. بغض النظر عمن يقف وراء مثل هذه الاعمال. ويكفي في هذا الشأن ادراك كيف يتحول حدث غير مناسب الى حديث مناسباتي في السياسة الامريكية. وهو امر متروك لاساطين منفذي هذه السياسة ومبرمجيها. فهل فطنوا للادانة المزدوجة لكلا الامرين الارهاب والسياسة الامريكية؟؟؟ هذا ما ستخبرنا به الايام المقبلة سيما والعديد من الملفات الساخنة تنتظر كثيرا من الحسم ولا تدع اجلا للتداول. كاتب وصحفي يمني مقيم في المغرب*