مازالت (بورصة الاتهامات)في انفجاري السفارتين الامريكيتين في نيروبي ودار السلام مفتوحة, لم تغلق ابوابها بعد .. فمنذ ان اهتزت القارة الافريقية لهذين الانفجارين يوم الجمعة 7 اغسطس الجاري, واصابع الاتهام مثل مؤشر البورصة تشير تارة الى (جماعة) او (دولة) بعينها, ثم تعود وتنفي هذه الاتهامات وتنتقل الى جماعة او دولة اخرى, وهكذا.. (الغموض) في هوية او صفة القوى التي خططت ونفذت لهاتين العمليتين مازال هو (سيد الموقف) , كما ان (ارساء العطاء) رسميا على أية (جماعة) او (دولة) لها صفتها وهويتها وانتماؤها لم يحدث ايضا حتى الان.. الجريمة لها دافع مثلما يكون لها مخطط ومنفذ واذا كان المخطط والمنفذ مازالا غامضان فمن المؤكد ان الدافع واضح وضوح الشمس التي لا يمكن انكار وجودها في هذا الكون.. انه توجيه ضربة الى المصالح الامريكية, واشعار الولايات المتحدة سيدة الارض في هذا العصر ان هناك خطرا يهدد مصالحها ومنشآتها في اي مكان من العالم, داخل امريكا نفسها (اوكلاهوما), او في اسيا, واخيرا افريقيا.. المهم ان هذه القوى تريد لــ (سيدة العالم, المتفردة على قمته) ان تلتفت خلفها وحولها في خوف وهلع.. وربما حقق الذين خططوا لهذه العملية بعض اهدافهم.. علامات الاستفهام كثيرة, ومحيرة في جوانب عديدة من التحقيقات التي تقوم بها اجهزة الامن الامريكي المتخصصة في مكافحة الارهاب ويعاونها في ذلك اكثر من جهاز امني واستخباراتي على مستوى العالم, خاصة في الدول التي يعتقد انها معبرا للارهاب الدولي.. في باكستان اعلنت اجهزة الامن هناك انها اعتقلت مواطن عربي, كان يحاول المرور من باكستان الى افغانستان عائداً من كينيا يوم 7 اغسطس الى باكستان وهو نفس يوم التفجير وبعد ان تم التحقيق (العنيف) معه حول العملية الارهابية والمخططين لها وشركائه في التنفيذ لمدة تسعة ايام كاملة قامت السلطات الباكستانية بتسليم (المتهم) الى سلطات التحقيق في كينيا وجهاز الــ (F.B.I) الامريكي لاستكمال التحقيقات معه وسماع اعترافاته التي قال فيها ان عدد المنفذين لتفجيري نيروبي ودار السلام هم ستة افراد, وانهم ذهبوا الى افغانستان لتهنئة (اسامة بن لادن) بنجاح العمليتين, حيث انه اي اسامة هو المخطط والممول لهذين الانفجارين.. وذلك حسب اعترافات الشخص المعتقل لاجهزة التحقيق (العنيف) الباكستانية.. اذن.. هي اعترافات كاملة, كشفت بوضوح عن الجماعة الارهابية واسمائهم وطريقة تنفيذهم, بل والمخطط والممول الرئيسي لهذه العملية, هكذا اعتبرت وسائل الاعلام ان الامر قد انتهى, وان الجاني قد وقع في شر اعماله وانه لا يوجد في مجال الجريمة ما يسمى بالجريمة الكاملة, وبدأ التفكير في كيف ستقنع امريكا حركة طالبان الافغانية بتسليمها المتهمين و(اسامة بن لادن) .. غير ان (فنيسنت كانيسترارو) الرئيس السابق لوحدة مكافحة الارهاب في المخابرات الامريكية ابدى لصحيفة (واشنطن بوست) تحفظه ازاء هذا الاعتراف وقال ان تسعة ايام من التحقيق تجعل المتهم يعترف بأي شيء, والجميع يعلم ماذا يعنى الاستجواب العنيف في باكستان, فربما تكون اظافر المتهم قد انتزعت وهذا هو ما حدث بالفعل حيث عاد المتهم ويدعى محمد صديق لينفى كل اعترافاته السابقة أمام المحققين الكينيين والامريكيين.. القصة السابقة تعطى مثالا حرفيا لمدى الغموض الذي يحيط بمثل هذه العمليات, حيث تدور الاصابع حول المتهم, وتلف وتصعد وتهبط مثل مؤشر البورصة, ولا تنتهى الى الحقيقة ويبدو ان الحقيقة الوحيدة الواضحة حتى الان هي ان المصالح الامريكية مستهدفة, وان الدافع لمثل هذه الجرائم الارهابية المدانة بالطبع هي سياسة المصلحة الامريكية التي لا تضع اي اعتبار لاي طرف اخر في العالم كله.. ويقول اللواء الدكتور محمد نبيل فؤاد الرئيس السابق لمركز الدراسات الاستراتيجية بالقوات المسلحة المصرية.. ان الولايات المتحدة الامريكية التي انفردت بقمة العالم في اعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية السابقين بدأت في انتهاج سياسة مصلحية احادية الجانب, حيث لا تضع اية اعتبارات لمصالح الآخرين, الامر الذي اكسبها العديد من العداءات في اكثر من مكان من العالم.. فعندما حاولت امريكا ان تحقق في امر هذين الانفجارين من خلال معرفة العدو الذي له مصلحة في توجيه هذه الضربة الارهابية اليها لم تفلح في ذلك.. لان القائمة كانت طويلة جدا.. فهل هو (العراق) , (ليبيا) , (السودان) , (ايران) ام حزب الله, او (حماس) في المنطقة العربية.. هل هو (العدو الافريقي) تلك الجماعات او الدول التي تنظر بارتياب شديد الى الدور الامريكي الاستخباراتي في القارة السمراء, والذي يتدخل بشكل سافر في اسقاط انظمة وتصعيد اخرى الى قمة الحكم والسلطة ومسانداتها بكل الاساليب مهما كانت وجهة نظر الاطراف المعارضة الاخرى.. ويضيف د. نبيل: وقفت امريكا مع لوران كابيلا وساندته امام (موبوتو) والامر لا يقف عند ذلك بل يساعدونه اليوم ضد المتمردين في الكونغو الديمقراطية, فماذا كانت النتيجة؟ النتيجة ان تظاهرات شعبية اندلعت في كينشاسا العاصمة رفعت شعارا بارزا يقول (لا امريكا, ولا فرنسا) , اذن هناك عداء واضحا للسياسة الامريكية في القارة الافريقية حتى بين المواطنين العاديين.. اما على مستوى الانظمة الحالية فيمكن رصد هذا العداء من الجولة التي قام بها الرئيس (بيل كلينتون) الى افريقيا مؤخرا كما يقول د. نبيل فقد اجتمع الرئيس الامريكي في العاصمة الاوغندية (كامبالا) مع عدد من رؤساء الدول الافارقة الذين يقال انهم يدينون بالولاء للسياسة الامريكية لترتيب الاوضاع في منطقة البحيرات العظمى, ونسى الرئيس الامريكي, او تناست السياسة الامريكية عن عمد ان هناك دولا محورية اساسية لها اعتباراتها في المنطقة ولها مصالحها ووزنها ولا يمكن اغفالها وترتيب الاوضاع حسب الهوى الامريكي بتجاهل هذه الدول.. فكيف لا تضع امريكا هذه النظم الاخرى في اعتبارها والامر لا يقف عند هذا الحد بل ان امريكا تساعد قوات (جون قرنق) لتنفيذ مخططها في انفصال الجنوب السوداني.. وهو الامر الذي يخلق الكثير من العداء الطبيعي للسياسة الامريكية غير الحصيفة في القارة الافريقية.. ويضيف اللواء الدكتور (محمد نبيل فؤاد) نجد ايضا نفس السياسة غير الحصيفة بل واضحة (الازدواج) في المعايير تجاه قضايا الشرق الاوسط, وخاصة الحصار على كل من ليبيا والعراق والموقف المساند للتعنت الاسرائيلي في المنطقة.. فهنا الانحياز واضح وصريح ولم يعد مقبولا لدى دول عربية كثيرة في المنطقة, بل في العالم, ان يستمر هذا الانحياز الى ما لا نهاية وبهذا الشكل السافر ففي الوقت الذي تفرض فيه الولايات المتحدة عقوبات على العراق لنزع اسلحته الكيميائية والبيولوجية وصواريخه البالستية تتجاهل تماما الانباء المؤكدة عن امتلاك اسرائيل للأسلحة النووية والصواريخ, هذا بالاضافة الى تجاهلها آلاف القضايا الاخرى في الشرق الاوسط.. اما في اسيا فنجد ايضا نفس السياسة غير الحصيفة التي تنتهجها امريكا, وفي اكثر من دولة اسيوية مثل الهند وافغانستان وايران وغيرها.. كذلك في امريكا اللاتينية, فعلى الرغم من استتباب الامور والاوضاع السياسية هناك الى حد ما لصالح الولايات المتحدة الامريكية فمازال هناك عداء واضحا للسياسة الامريكية سواء من القوى المعارضة او بعض الانظمة السياسية مثل كوبا, حيث ترى هذه القوى ان الولايات المتحدة قد فرضت عليهم انظمة سياسية فاسدة وعميلة لقيادة البلاد.. اذن هناك ما يشبه العداء العالمي للسياسة الامريكية, في اغلب قارات العالم, ولذا لا يمكن لنا او غيرنا ان نحدد من هو هذا العدو الذي قام بتنفيذ هذه الضربة وتوجيهها تحديدا للسياسة الامريكية؟! ويختتم اللواء الدكتور (محمد نبيل فؤاد) حديثه لــ (الملف السياسي) بالقول: ان هذا كله لا يعني ان امريكا سوف تنسحب من قيادة العالم.. فالمصالح والسياسات الامريكية في اغلب الدول الواقعة في قارات العالم الخمس متشابكة ومعقدة الى حد كبير يصعب التخلص منه بقرار سياسي نتيجة عملية ارهابية في موقع او اخر, وتحديدا في القارة الافريقية التي تجد فيها امريكا سوقا ومصالح اقتصادية هائلة لا يمكن ان تتنازل عنها لصالح طرف اخر سوف يملأ هذا الفراغ فورا, وهو فرنسا. ان امريكا التي وضعت احدى قدميها مؤخرا في القارة الافريقية لا تستطيع ان تعيدها مرة اخرى لمجرد ان احد اصابع هذه القدم قد تعرض لاصابة يمكن معالجتها وليس عملية بتر كاملة. ويتفق د. احمد ثابت استاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة مع آراء الخبراء في ما يخص السياسة الامريكية المتفردة في العالم حيث يقول: ان امريكا لها سياسات اضرت بمصالح ومشاعر شعوب كثيرة ومن الطبيعي ان تكون هذه السياسة مستهدفة من قبل الرافضين لها.. فالولايات المتحدة قد تزرع بعض الانظمة لبعض الوقت لمساندة سياستها تحت راية الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الانسان, ولكنها بالطبع لا تستطيع ان تستمر في ذلك الصراع الى وقت طويل او الى ما لا نهاية وبالتالي سوف يأتي اليوم الذي سيكتشف فيه شعوب العالم والقوى السياسية بل والانظمة ذاتها ان الامر ليس كذلك وان امريكا لا تدافع عن هذه القيم الانسانية والسياسية السامية ولكنها تبحث عن مصالحها الخاصة جدا والتي تتعارض مع مصالح الاطراف المحلية والاقليمية تحت هذا الشعار او غيره.. ويضيف د. احمد ثابت: ان المواجهة بهذا الشكل مع امريكا لم تحدث حتى مع الاتحاد السوفييتي السابق ايام وجوده, والصراع الدولي الذي كان محتدما بين هاتين القوتين العظيمتين امريكا والاتحاد السوفييتي حيث كان التدخل الامريكي السافر في نقاط الصراع الاقليمية الملتهبة يأخذ اشكالا اخرى مختلفة تماما.. وقتها كانت هناك حركات تحرر وليس ارهاب منظم وعصابات مافيا لا يقتصر عملها في مجال الجريمة المنظمة فقط, وانما تتعداها الى الجريمة السياسية ايضا.. كما كانت هناك قوة سياسية تحاول ان تخرج من اطار الاستقطاب الدولي باعلان الحياد السلمي مثل قوى عدم الانحياز التي تشكلت في اواخر الخمسينات على يد كل من الزعماء نهرو وتيتو وعبدالناصر.. وعند اختفاء هذه المنظومة وجدنا بعض الدول الغربية تختلف في بعض الجوانب مع السياسة الامريكية وكأن هذه الدول هي القوى الدولية الجديدة التي تعارض التفرد الامريكي على قمة النظام العالمي.. وينفى د. احمد ثابت, ان تؤدى مثل هذه العمليات الى تقليص الدور الامريكي والسياسة الامريكية الغامضة في القارة الافريقية او على مستوى العالم كله, حيث ان حدوث مثل هذا الامر سيؤدي الى توجيه ضربات اشد قسوة للامريكان في اكثر من مكان اخر من العالم, ورغم ما سببته هذه الضربة للامريكان من قسوة وعدم اتزان فان الادارة الامريكية سوف تحاول جاهدة ان تستوعب اثارها الاليمة عليها حتى لا تظهر امام العالم بانها اهتزت او خافت من مثل هذه العمليات, ولذلك اتوقع ان تظل امريكا متمسكة بأسلوب سياستها المصلحية المتفردة لتؤكد انها ليست (خائفة او مهتزة) . القاهرة ـ البيان