رغم ضرورة ادانة الارهاب في كافة صوره وأشكاله, الا ان القضية الاهم من وجهة نظرنا هي البحث في اسباب هذا الارهاب وسبل علاجه ليس ذلك تعاطفا مع الارهاب او محاولة لنفي تهمة تجرى محاولات مكثفة لالصاقها بالعرب, وانما هي حقيقة ينبغي الالتفات اليها وعدم تغافلها . ويتطرق حديثنا هنا الى الارهاب الدولي وليس المحلي, فهذا النوع الاخير غالبا ما تكون اسبابه معروفة وترتبط باسباب داخلية بحتة مثل الانفجار الاخير في ايرلندا الاحد الماضي وان كان هذا لا ينفي وجود بعض جوانب ارتباط بين الارهاب الدولي والمحلي. وكما لا نميل الى الصاق التهمة بأطراف عربية ومسلمة رغم ان المبررات قائمة فاننا نرفض محاولات البعض التفكير انطلاقا من نظرية المؤامرة. والفيصل في كل الحالات هو وجود ادلة تثبت تورط هذه الجهة او تلك وان كان ذلك لا يمنع من الاجتهاد, غير انه يجب ان يقوم على اسس مقبولة ومنطقية. واذا كانت قراءة في الحوادث الارهابية الدولية خلال السنوات الماضية تشير الى تزايد الهجمات الارهابية على المصالح الامريكية.. ابتداء من حادث السفارة الامريكية ببيروت عام 83 والذي اسفر عن مصرع 63 شخصا, مرورا بتفجير ثكنات مشاة البحرية الامريكية نفس العام الذي قتل خلاله 241 من افراد الجيش, وصولا الى تفجير طائرة بان آم فوق لوكيربي, وحادث الخبر, وانتهاء بسفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا.. فان السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تستهدف المصالح الامريكية بالذات؟! رغم تعدد محاولات تعريف الارهاب, الا اننا نشير في كلمات بسيطة الى انه عمل عدواني يقوم به في الغالب الطرف الاكثر ضعفا في مواجهة ذلك الذي يستشعر انه الاكثر قوة حيث ان الطرف الاول لا يملك ايذاء هذا الثاني سوى من خلال هذه الطريقة.. تفجير سفارة.. اختطاف رهائن.. الخ من وسائل الاعتداء على مصالح الطرف القوي. وهو اسلوب يعبر عن الوصول الى مرحلة متقدمة من اليأس في سبل مواجهة الطرف القوي وبالطبع ليس هذا هو الشكل الوحيد للارهاب وانما قد يكون وسيلة يقوم بها طرف لهز الاستقرار لدى الطرف الاخر او حتى الوقيعة بين طرفين آخرين. وتشير محاولة تتبع علاقات القوة في النظام الدولي القائم الى ان الولايات المتحدة خلال عقد التسعينات اثر انهيار الاتحاد السوفييتي وتتويجها زعيمة للعالم بعد حرب الخليج تمارس سياسات قهرية تتجاوز كافة الاعراف والمبادئ الدولية المتعارف عليها. وقد وصلت الى حد انشاء ما يسمى بــ (شرعية دولية) خاصة بها. النماذج على ما نقول عديدة وهي تعبر عن قمة الغرور بالقوة, وليس ادل على ذلك مما تشير اليه الارقام من ان نحو 42% من سكان المعمورة خضعوا او يخضعون لسلاح العقوبات الامريكية. ما نريد ان نخلص اليه ان الولايات المتحدة ترتبط بشبكة علاقات, السمات الاساسية لها هي القهر والحرص على المصالح الخاصة حتى لو كان ذلك على حساب مصلحة الآخرين وقد ساعد ذلك على اتساع موجة العداء لها بقدر اتساع شبكة هذه العلاقات. ومن هنا فان الاعتداء على المصالح الامريكية ينبغي الا يبدو غريبا, وهو ما تستشعره واشنطن ذاتها ويدلل عليه تقليص بعثاتها الدبلوماسية اثر التفجيرين في عدد غير قليل من دول العالم. ورغم التصريحات التي تحاول التماسك والتأكيد على استمرار الكبرياء الامريكي, الا ان الحقيقة تقرر ان هناك موجة انحسار امريكي عالميا نتيجة حادثي التفجير. ويعنى ذلك ان اعادة النظر في السياسة الامريكية يبقى امرا ملحا ومطروحا ويجب البدء بتطبيقه, فسياسات القهر العالمية التي تشمل دولا من كافة قارات العالم لن تمر دون دفع الثمن, واذا كانت الدول او الجماعات غير قادرة على مواجهة السياسة الامريكية في العلن باعتبار ما سينال هذه الدول من بطش وعقاب, فانها قادرة على مواجهتها سرا من خلال الاعمال الارهابية. ليس هذا اتهاما لدولة ما او تسليطا للضوء على جماعة معينة, وانما هي سنة الطبيعة.. هذا كله بافتراض ان مدبري التفجيرين الاخيرين من المناوئين للسياسة الامريكية وهو الافتراض الذي نرجحه, ونرى ازاءه ان محاولة تفسيره وفقا لنظرية المؤامرة يفتقد الكثير من المصداقية. وازاء ما يتردد من ان التحقيقات قد تستغرق اسابيع او شهور او حتى سنوات, فاننا في انتظار النتيجة التي ستكون النقطة الفاصلة بشأن هذه الاجتهادات.