توعدت واشنطن بأن تنشط في البحث عن مرتكبي تفجيري سفارتيها في افريقيا وهذا مشهد طبيعي داخل السيناريو الذي بات مكرورا, ضربة هنا او وخزة هناك لاحدى المصالح الامريكية, فتحميل امريكي للمسؤولية على عاتق الارهاب , فوعد بملاحقة المجرمين القتلة, ورصد لجائزة مالية لمن يدلى بمعلومات عنهم, مع اشارات وتلميحات توحى بأن هؤلاء ربما كانوا من الجماعات (الارهابية) الشرق اوسطية.. فعادة ما تكون الملامح شرق اوسطية! وهذا كله, تحف به وتصاحبه آلة الدعاية الجهنمية التي تستحوذ عليها مراكز متخصصة تتعيش من هكذا مناسبات, وتتبع الولايات المتحدة كظلها وتردد خطابها عن قصد. مضت سنوات عديدة الان على هذا المسلسل. بيد ان الارهاب لم يتوقف, ولا توقفت السياسة الامريكية تتأمل بجدية اكثر في هذا الذي يجرى من حولها في العالم, وهذا هو غير الطبيعي في الامر كله. ليس صحيحا من الناحية المنطقية ان الارهاب, او ما يدعى بذلك, يلاحق المصالح الامريكية عن سابق حسد وترصد بقوة خيرة نظيفة اليدين, وجرى بواشنطن ان توازى بين نشاطها الاستخباري وراء مراكز تهديد مصالحها, من جهة, وبين اجتهادات حقيقية لاستكناه عوامل تحريك هذه المراكز, ان اي صاحب نظر او بصيرة, لابد ان ينصح بهذه المنهجية المتوازنة. ذلك ان المعالجة الامنية لا تكفى وحدها في مثل هذه القضايا.. ثمة معالجة سياسية هي في التحليل الاخير جديرة بالاعتبار في الوقت ذاته, وفي هذا السياق لابد ان يسأل المعنيون في واشنطن انفسهم: لم كل هذا التربص بمصالحهم, على نطاق عالمى كما يدعون؟. لماذا يلاحق (الارهابيون) الامريكيين بدءا من مبنى التجارة العالمي ومقر الكونجرس حتى مجاهل افريقيا؟.. وفي حقيقة الامر, لا نحسب ان الهجوم على سفارتي واشنطن في افريقيا كان مقصودا به فقط توصيل رسالة تخص السياسة الامريكية الافريقية. فربما كان ذلك لمجرد تلمس اصحاب الهجوم لمنطقة رخوة امنيا في كينيا او تنزانيا لا اكثر. بينما الرسالة الحقيقية تخص السياسة الامريكية على امتداد المعمورة. والاصل في ذلك, ان اخطاء هذه السياسة تكاد تنتشر بالفعل في الجهات الاربع. وقد يعزى هذا الى ان قوة عالمية بحجم الولايات المتحدة لابد ان تطال الاخطاء سياساتها. فالمتقوقعون والمنكمشون وغير ذوي الحركة الدولية الواسعة لا يخطؤون بالقدر ذاته. لكن هذا التفسير لا يشفع وحده ولا يبعدنا عن اسباب الغضب من السلوك الامريكي في كل الانحاء. فليس ابناء العالم الثالث ولا الشرق اوسطيين منهم فقط, هم الموتورون مع واشنطن اننا لو تحرينا جيدا, لادركنا ان اصحاب مصالح قوية منافسة حتى من بين حلفاء الولايات المتحدة يشاركون في الامتعاض من السياسة الامريكية ويسعون للتشفى في مصائبها. الم تخطئ واشنطن باصدارها قانون داماتو ضد المصالح التجارية الاوروبية؟. وماذا عن مزاحمة السياسة الفرنسية في افريقيا؟ وعن التسوية المهينة بحق البوسنيين في دايتون؟, واستمرار حصار كوبا.. واكثر من عشرين دولة تطلب واشنطن مقاطعتها؟. هذه نماذج محدودة لتصرفات امريكية غير شرعية ولا مشروعة خارج نطاق الشرق الاوسط ويتضرر منها اصحاب الملامح غير الشرق اوسطية؟ على ان جناية السياسة الامريكية تتجاوز الى ما يمكن ان ندعوه بعدم الاتساق الداخلي مع الذات ومع الآخرين. ومؤدى ذلك ان واشنطن تتبع سياسة قصيرة النظر والنفس. هي سياسة غير مأمونة الجانب ولا تنظمها خطوط استراتيجية ممتدة في الزمان او المكان. فهي مثلا, تولت تدريب وتمويل قوى معينة في افغانستان, ثم انقلبت عليها بعد تحقيق اهداف امريكية بحتة. وهي تصدرت لتسوية قضية الصراع الصهيوني العربي, ثم احتجبت عندما حان وقت القرار مع الحليف الاسرائيلي, بل وهي الان تهدد بسخافة مفرطة, بالانسحاب من هذه التسوية.. وهي انجزت اتفاق دايتون المريض القلق في البوسنة. وهي تتوعد بملاحقة جماعات الارهاب غير محددة الملامح, فيما تترك مجرمي الحرب من الصرب والصهاينة وتدارى سوءات ارهاب الدولة الاسرائيلي.. لا يدخل في باب السياسة طويلة الاجل او المبدئية, ان تراوح السياسة الامريكية بين ادانة ايران وخطب ودها خلال بضع سنين وفي ظل النظام الايراني وفلسفته ذاتيهما. وان تدين انتهاكات حقوق الانسان في الصين وتسعى في الوقت نفسه الى الازورار عن ذلك بزعم المصالح الاقتصادية. ولا ان تتحدث عن ريادتها للتحول الديمقراطي على صعيد عالمي, فيما هي تحالف النظم الفاشية في اسرائيل وكثير من دول امريكا الجنوبية وافريقيا, ولا ان تغض الطرف عن قانون داماتو, لأن الأوروبيين خرجوا عن طوعها, وتستمر في حصار ليبيا والعراق لان قدرتهما اعجز من قدرة الاوروبيين.. نحن والحال كذلك, بصدد سياسة لقوة عظمى تحركها نوازع انانية, ومنطلقات القوة العارية. فلا عجب اذن ان اصبحت هدفا لمن لا يستطيعون مجاراتها ومواجهتها في اعالي البحار.. ونزعم ان قوة الضعفاء عن المناوشة عن بعد, تتحرك في بيئات غاضبة من الممارسات الامريكية.. وهذه البيئات قد يستهويها رؤية العملاق الامريكي هائجا حائرا, يزبد ويرغى, كثمن لحماقات ارتكبها في اماكن مختلفة. كما نزعم ان السياسة الامريكية, تتحرك ضد من يهددون مصالحها في غير الاتجاه الصحيح. ووفق الهاجس الامني منفردا, ومن المؤسف حقا ان هذه السياسة التي وضعت الاقدار بين يديها مقدرات وموارد هائلة, عاجزة بالفعل عن تحديد هوية سوية لسلوكها الدولي, الامر الذي كان سيمكنها بلا عناء كبير من تجفيف منابع القوى (الشبحية) التي تطارد مصالحها حيثما تمكنت وسنحت لها الفرصة. لا تستطيع الولايات المتحدة التسامح مع هذه القوى, ولكن المنطلق الامني اثبت فشله في التعامل معها. كما ان الولايات المتحدة لا تستطيع ولا يسهل على من كان في موضعها من التفاعلات الدولية, الاعتكاف وايثار العزلة. كما كان عليه الحال في وقت سابق (حتى الحرب العالمية الثانية).. ومن هنا ليس من سبيل امام واشنطن, سوى اعادة النظر في ادائها تجاه القضايا الدولية, تلك التي تدور بينها وبين الاخرين في اطار ثنائي او تتغلغل فيها بحكم ريادتها العالمية, بشكل تعددي (جماعي). بصيغة اخرى, لا يمكن لعاقل ان يهضم فكرة وجود ارهاب اعمى, هكذا بلا هدف محدد, يرغب في الانتقام من واشنطن. الاقرب الى المنطق ان القوى التي تطلب رأس المصالح الامريكية, تحدوها غايات معينة وهذا يستدعى بداهة ما هو اعمق من التحليلات السطحية الامريكية السائدة تجاه اعمال العنف الشديد التي تجرى ضد الأهداف الامريكية. ومن المثير ان المبررات المبثوثة والمنتشرة حول علاقة اعمال العنف بالنظم الحاكمة داخل بعض الدول, وجدت طريقها الى العقل الامريكي, بحيث راح الامريكيون, يحيلون العنف الموجه الى مصالحهم في الخارج وبشكل ميكانيكي الى الارهاب هذا مع ان مفهوم الارهاب موضع غموض, سواء تعلق الامر بالصراعات الداخلية او الخارجية. وفي هذا الاطار, نلاحظ ان مهاجمة المصالح الامريكية بما فيها طبعا حادثي افريقيا الاخيرين, يصنف امريكيا ضمن اعمال الارهاب.. لكن هناك من يعتبر ايضا, ان ممارسات واشنطن ضد العراق او ليبيا او كوبا او ايران, هي اعمال ارهابية. على ان واشنطن تعتمد فيما يبدو مفهومها الخاص للارهاب, ولديها بحكم سطوتها العالمية الادوات التي تتوسل بها ترسيخه في كل مكان, ولا يمكن الادعاء بأن هذه الانتقائية والكيل باكثر من مكيال, ناجم عن جهل بحقيقة الامور.. ففقه السياسة الدولية الامريكي متطور للغاية, ويستطيع التمييز بين المفاهيم الصحيحة والمغلوطة.. كل ما في الامر, ان العقل النفعى البراجماتي المغرق في الذاتية ورعاية الاهواء والمصالح الخاصة بلا وازع من قيم, مازال مهيمنا على التفاعلات الامريكية الدولية. ولان هذا العقل لن يتحول بشكل فجائي, ولان القطيعة مع السياسات العملية الامريكية متعددة الاخطاء, غامضة الاهداف, كثيرة التردد والغطرسة لن تحدث في وقت قريب, مثلما تبين ردود الفعل بتكرارية مملة ضد اعمال العنف بحق المصالح الامريكية.. فانه من غير المنتظر ان تخرج واشنطن من الدائرة المفرغة التي تحاور داخلها وتتحرك في اتجاهها لمقاتلة الارهاب.. ومعنى ذلك انه لا يوجد حل قريب للصراع الامريكي مع ما يسمى بالارهاب يزاوج بين المقاربة الأمنية الظاهرة والمقاربة السياسية العميقة. كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة