منذ اللحظات الاولى لتوافد هيئة القيادة العليا للتجمع الوطني الديمقراطي السوداني على القاهرة اخذ اهل الحكم في الخرطوم يصدرون التصريحات المتشنجة والمتعارضة والتي ينسخ بعضها البعض الآخر , فبدأت حملة التصريحات بالتقليل من شأن قيادات المعارضة بزعم انها قيادات معزولة وفارغة ولاهية, إلى الدعوة إلى الترقب عما ستسفر عنه تلك الاجتماعات, وكيف ستتصرف القاهرة, وماذا ستفعل؟ .. رويدا رويدا تعالت الاصوات المتشنجة مبتدئة ايضا بان القاهرة ليست مؤهلة لاطلاق مبادرة للوفاق الوطني بسبب احتضانها للمعارضة إلى التصريح بتهديد مصر باستضافة المعارضة المصرية المسلحة في السودان, ومن ثم إلى التأكيد بان شكوى من السودان ضد القاهرة قد سلمت إلى منظمة الوحدة الافريقية بحسبانها تتدخل في الشأن السوداني لاستقبالها قادة المعارضة السودانية, وارتفعت وتائر (الولولة) باتهام مصر بانها اختطفت بعض زعماء العشائر من منطقة حلايب واعتقلت عسكريين في المنطقة, وانها تعتزم فتح جبهة مسلحة للمعارضة في شمال السودان. وبالرغم من هذا الهيجان والفلتان الذي وصل حد السباب لمصر فان سفير السودان في القاهرة نفى ان تكون حكومته قد تقدمت بشكوى إلى منظمة الوحدة الافريقية بل انها تتطلع إلى ما يؤدي إلى تحسين العلاقات, وفي هذا السياق رددت بعض الاصوات الصادرة من الخرطوم ما مفاده ان الحكومة على المستوى الرسمي لم تشارك في اطلاق تلك التصريحات المعادية وانما هي محتسبة على المؤتمر الوطني ـ الحزب الحاكم ــ الذي يتزعمه الدكتور الترابي, وفي ذات الوقت نفى مصدر مسؤول في منظمة الوحدة الافريقية تقديم الحكومة السودانية شكوى رسمية ضد مصر بسبب استضافة القاهرة اجتماع المعارضة السودانية, واوضح المصدر (ان المنظمة تلقت مذكرة من الخارجية السودانية عبر ممثلها لدى الامانة العامة في اديس ابابا, تناولت وجهة نظر الحكومة السودانية حول معالجة المشكلة الراهنة, وان المذكرة لم تتطرق إلى اي هجوم دبلوماسي على السياسة المصرية في هذا الشأن) , واكد ان المذكرة عادية لا تخرج عن كونها ورقة عمل لتوضيح بعض المواقف السياسية لحكومة الخرطوم, واعتبر ان منظمة الوحدة الافريقية, ليست معنية ببذل جهود وساطة بين مصر والسودان وان كانت تتمنى تحسن العلاقات السياسية والدبلوماسية بين الجانبين. ويجدر بنا ان نتوقف قليلا امام مغزى الزعم بتقديم شكوى إلى منظمة الوحدة الافريقية أو حتى التلويح بذلك, ونتساءل لماذا لم يصدر التلويح بهذه الشكوى بحسبانها موجهة إلى جامعة الدول العربية؟ .. ترى هل المقصود هو محاولة اثارة الدول الافريقية ضد مصر من منطلق الادعاء بأن مصر تحاول سحب بساط حل الازمة السودانية بعيدا عن الاطر الافريقية؟ .. أم ترى هو الخشية من ان الامر لو رفع لجامعة الدول العربية فسينكشف مخطط الجبهة المتواطىء مع انفصال الجنوب؟ لا ريب ان الاحتمالين كانا في حسبان اهل الحكم الذين خططوا لتلك الفرقعة, لكنهم لم يتأملوا مليا واقع الحال في تلك البلدان الافريقية بالنسبة للمعارضة السودانية وخاصة المعارضة الجنوبية, فحركة قرنق موجودة بثقل كبير وفي كينيا على وجه الخصوص, والنظام لم يشك ابدا ولا مرة واحدة من وجودها في ذلك البلد المجاور بل ظل يمتدحه دون غيره من دول الجوار فلماذا الصراخ والعويل والشكوى من مصر لمجرد استضافتها لاجتماع هيئة قيادة المعارضة السودانية؟ كما ان حكام الخرطوم لم ينقطع سيل اتهاماتهم إلى كل من دول الجوار الاخرى مثل اوغنده واثيوبيا واريتريا من انها تدعم حركة قرنق والمعارضة اجمالا واحيانا يبلغ الاتهام درجة اتهامها بان جنود تلك الدول يشاركون في الهجوم أو هم الذين يهاجمون باسم الحركة أو المعارضة اجمالا, ومع ذلك لم يتقدم النظام بأية شكوى لمنظمة الوحدة الافريقية ضد تلك الدول مجتمعة أو منفردة بل انها كلها تشارك في وساطة (ايقاد) فما هو السر في كل هذه الضجة ضد مصر لمجرد استضافتها لاجتماع لهيئة قيادة المعارضة؟ ولماذا لم يبارك النظام تلك الدعوة المصرية ويدعوها للتوسط اذا كان جادا بالفعل في مشاركتها باعتبارها مجرد جارة للسودان لها وزنها وثقلها بل هي جارة لها وضعية خاصة تحمل الصفة العربية كما الصفة الافريقية ايضا, خاصة ان النظام ظاهريا كان قد ابدى ترحيبه بانضمامها للدول الصديقة للايقاد والتي اصبحت شريكة! فضلا عن ان مصر قد ابدت الرغبة في التوسط بين المعارضة والحكومة. حقا, انها تساؤلات ينبغي التوقف عندها لاستخلاص بعض الدروس والعبر ولعل اول هذه الدروس, هو خوف النظام من ان توسط مصر او دخولها طرفا في الوساطة سيفسد عليه كل مخططاته واهمها تجزئة القضية باعتبار ان للجنوب مشكلة وليست في السودان مشكلة حكم, وان هذه التجزئة تجعله الجهة الوحيدة الشمالية التي تفصل في امر الجنوب, ووفق رؤاه التي لا تمانع في فصل الجنوب, وان اي تبديل في النظرة إلى القضية باعتبارها ازمة حكم في السودان والمطلوب معالجتها في اطار السودان الواحد الموحد فان المسألة ستمس هيمنة الجبهة على السلطة وهذا المنعطف سيسبق هذه الهيمنة, ولذلك فان السلطة لا ينبغي التفريط فيها والتمسك بالتجزئة هو الرهان الوحيد للمحافظة على الحكم, هذا هو السر الخفي في محاولة الهروب إلى منظمة الوحدة الافريقية ومحاولة اثارة دول (ايقاد) ومحاولة استفزاز مصر بشتى السبل لابعادها خوفا من هذا الزلزال الذي يخشى النظام من ان يبتلعه!. كاتب سوداني مقيم في لندن*