تعود الحكومة اللبنانية الى معقلها الأساسي و(مربط خيلها)في مبنى السراي القديم ذي المسحة المعمارية التركية, الواقع في وسط العاصمة بيروت, وذلك بعد ان تم الانتهاء مؤخرا من أعمال الترميم والتأهيل التي أعادت السراي من غربة الدماء والتخريب التي فرضتها ظروف الحرب . ووفق ما هو معلن مبدئيا, لن يكون افتتاح المقر الجديد بروتوكوليا, إنما تدشين بطريقة عملية, حيث يعقد مجلس الوزراء الجلسة الأولى له فيه بعد عودة رئيس الحكومة رفيق الحريري من عطلة صيفية عائلية في سردينيا, قام خلالها بزيارة المملكة العربية السعودية للاطمئنان على صحة خادم الحرمين الشريفين, وأعلن أمس انه سيقوم قبيل عودته الى بيروت بزيارة سوريا لاجراء مشاورات مع كبار المسؤولين فيها, حيث ستعقد مبدئيا مصالحة بينه وبين الوزير وليد جنبلاط في مكتب نائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام. وقد سعى لهذه المصالحة الكثيرون من بينهم وزير الاعلام باسم السبع الذي كان قد زار جنبلاط فجأة في قصره في المختارة الأحد الماضي. جدول أعمال حافل لكن العودة المرتقبة الى السراي لن تكون مريحة سياسيا في ظل الخلافات السياسية القائمة, وان كان الوزراء سيجولون في مختلف أروقة المبنى مهنئين ومباركين. غير انه ومع ذلك, تشدد مصادر وزارية على ان الأهم في الجلسة المرتقبة لمجلس الوزراء هو انجاز المجلس لجدول أعماله الذي يتضمن 33 بندا أبرزها الاتفاق الجمركي بين لبنان وسوريا, وتوسيع نطاق تطبيق بعض أحكام قانون الاسكان, واسترداد مشروع القانون المتعلق بابرام اتفاق قرض من البنك الدولي للانشاء والتعمير, واعفاء أدوية الامراض المزمنة المستوردة من الرسوم الجمركية, وتحديد قنوات البث التلفزيوني, وتعديل التوقيت الصيفي والشتوي. السراي الحكومي .. عثماني أما عودة الحكومة الى السراي فتعني عودتها الى مبنى عثماني المنشأ, تعود حكايته بجذورها الأولى الى القرن التاسع عشر حين وقعت (عين) المصريين الذين دحروا الجيوش العثمانية عام 1832 على هضبة استراتيجية تقع في الجبهة الغربية المطلة على بيروت واتخذوها بطلب من ابراهيم باشا موقعا لثكناتهم. وفي العام 1840 استرجع العثمانيون سيطرتهم على البلاد السورية وقلدوا أعداءهم في الافادة من موقع الهضبة, حيث شيدوا مبنى لأجهزتهم العسكرية والمدنية, وتحول الى مقر للحكام العثمانيين, وكان أطلق عليه البيروتيين تسمية (القشلة) , وهي لفظة عامية لأصل الكلمة (القشلق) وتعني (ضريبة), وتطلق على جباتها. ثم توالت بعد ذلك التسميات وكانت احداها (السراي) . وعلى اثر حوادث 1860 في الجبل, شكل فؤاد باشا محكمة عرفت بــ (مجلس محاكمات فوق العادة) واتخذت مقرا لها في (القشلة) , وبعد اعلان بيروت ولاية في العام 1888 تحولت الى مركز لوالي بيروت. وفي سبتمبر 1918 غادرها آخر وال عثماني مر عليها, وهو اسماعيل حقي بك, بعد جلاء العثمانيين عن بيروت واحتلالها من قبل الحلفاء الفرنسيين والانجليز, ومع حلول الانتداب غدت السراي مقرا رسميا للمفوض السامي الفرنسي. وبدأت (لبننة) السراي في العام 1926 في عهد رئيس الجمهورية شارل دباس عندما اتخذت أول حكومة برئاسة أوغست أديب من السراي مقرا لها. وفي العام 1941 مارس رئيس الوزراء سامي الصلح مهامه فيها, وبعد الاستقلال في العام 1943 انتقل اليها رئيس الوزراء رياض الصلح, كما استخدمها لبعض الوقت رئيس الجمهورية بشارة الخوري. (الضربة الأولى) .. وجهت لمبنى السراي عند اندلاع الحرب اللبنانية التي دمرت جانبا كبيرا منه, الأمر الذي دفع الحكومة الى تصنيفه مبنى (اثرياً) يجب الحفاظ عليه. وفي الثامن من اكتوبر 1981 غادر الرئيس شفيق الوزان السراي, وانتقلت دوائر الحكومة الى مبنى الصنائع في بيروت. اما الساعة التي تميز السراي, فلها بدورها قصة, حيث يروى انه في العام ,1898 جرى تشييد برج عال جوار السراي, وضعت فيه ساعة كبيرة احتفاء بعيد جلوس السلطان العثماني عبدالحميد الثاني. لكن وبمناسبة اعادة اعمار (السراي الكبير) توجه المعارضة اتهامات بانفاق مبالغ ضخمة فيه على عملية البناء, الا ان الرئيس الحريري يؤكد انه تكفل شخصيا بنسبة كبيرة من الاعباء, لكن رغم هذه الملابسات فإن هناك حقيقة ثابتة لا جدال حولها وهي ان السراي عاد الى الحياة العامة بحلة جميلة تتلاءم مع ما تفرضه الاطلالة الجديدة على زمن السلم, وان كان على طريقة (تفاءلوا بالخير السياسي .. تجدوه) . بيروت ـ البيان