في الحلقات الاربع الماضية, استعرضت (البيان)تفاصيل المواجهة العاصفة بين نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز, وريتشارد باتلر رئيس لجنة الأمم المتحدة المكلفة نزع أسلحة العراق, حيث شن الجانب العراقي هجوما مركزا وكاسحا على باتلر ولجنته متهما اياه بادارة لعبة بلا نهاية لتطوير العقوبات على العراق, والتركيز على الفرعيات والتفاصيل دون الأمور الجوهرية, مطالبا اياه باعلان العراق خاليا من الاسلحة ثم بعد ذلك مناقشة التفاصيل الاخرى . وفي الحلقة السابقة عرضنا تفاصيل الهجوم المضاد الذي شنه باتلر سعيا لاخلاء ساحته وتبييض صفحته مكررا القول انه ليس من حق العراق تحديد الرئيسي والفرعي, ونافيا قيام الخبراء بالقاء اسئلة تافهة على العراقيين, قائلا ان اسئلة الخبراء مهمه, ومطالبا العراق بتقديم وثائق. كانت سحب الغضب والضيق من كلمات باتلر في آخر حلقة امس تحلق فوق رؤوس الوفد العراقي, وكان دخان سيجار عزيز يرسم على عدسة الكاميرا ضبابا خفيف الزرقه. وفي هذه الحلقة الخامسة والاخيرة من وقائع المواجهة بين عزيز وباتلر, نعرض كيف تمكن الجانب العراقي من استيعاب هجوم باتلر المضاد, وشن هجمة مرتدة على مرمى باتلر. وهنا تفاصيل الهجوم العراقي: الرئيسي والفرعي طارق عزيز: مستر باتلر.. سأفند وأعلق على ما ذكرته حيث أرى ذلك ضروريا لتوضيح موقفنا. أنت أعلم تماما بما تطلبه قرارات مجلس الأمن من العراق.. كل منا يعلم تلك القرارات الصادرة في عام ,1991 وبصفة عامة أنا متفق معك على أن العراق ليس من حقه تحديد ما هو رئيسي وما هو فرعي لكن من البديهي انه عندما يقوم طرفان بمناقشة قضية معينة بأسلوب متحضر فإنهما يتفقان على ما هو هام وما هو فرعي.. سواء كانت القضية نزع سلاح أو أية قضية سياسية او اقتصادية او اجتماعية انه من صميم حق العراق الشرعي ان نناقش الموضوعات التي تتعلق بنا, طبقا للمنطق والعقل. للتوصل الى ما هو رئيسي وما هو فرعي.. فتطويل عمل لجنة التفتيش يوما بعد يوم ليس فقط مسألة سياسية بلا تبعات, وانما يعني إطالة فترة عذاب الشعب العراقي, فكل يوم يمر معناه يوم جديد من وقوع العراقي تحت طائلة العقوبات الدولية التي فرضها مجلس الأمن. ذلك مهم جدا وحيوي بالنسبة لنا, لذلك تجد جميع العراقيين يتحدثون أمامكم وأمام الآخرين عما هو رئيسي وعما هو فرعي, أعلم أن القرار النهائي سيكون لمجلس الأمن, لكن أعلم أيضا أن في مجلس الأمن اعضاء يشبهون خبراءك, لا يستطيعون التمييز بين الرئيسي والفرعي من الموضوعات.. على سبيل المثال, رفعنا منذ أيام قليلة تقريرا الى مجلس الأمن به حقائق وبيانات الملف النووي العراقي مطالبين باغلاقه, لكن المندوبين الامريكي والبريطاني تمسكا بنقاط في غاية التفاهة, تعللا بها لرفض طلب العراق اغلاق هذا الملف.. مع العلم ان غالبية اعضاء مجلس الأمن متفقون تماما على أن مهمة فريق التفتيش الدولي قد تمت بالفعل.. لكن مستر (جاري ديلوره) ذكر أن هناك أمورا لم تحسم بعد.. فما هي تلك الأمور؟! لقد ذكر منها نوايا حسين كامل, ووثيقة يعتبرها في غاية الأهمية في حين أنها غير موجودة من أصله.. غطرسة امبريالية نقطة اخرى أردت أن أخبرك بها يا (مستر باتلر) وهي أنك دائما ومن سبقك قبل الآن, تتحدثون باسلوب امبريالي متغطرس: (نحن نقرر.. نحن نرى.. نحن نقرر ما الصواب وما الخطأ, وتقرر ما يكفي ومالا يكفي) .. لا تنس انك لست قوة امبريالية.. أو عميل استعماري امبريالي في هذا البلد. لا تنس أنك موفد من قبل هيئة الأمم المتحدة وتعمل تحت مظلتها فالمفروض انك موظف تابع للأمم المتحدة.. وأي موظف تابع للأمم المتحدة عليه أن يتصرف بطريقة دمثة ومهذبة ومتواضعة, ويجب ان يكون محايدا, وعندما تكون امامه حقيقة عليه ان يعترف بها دون تردد.. اننا نتعامل مع أعضاء من الأمم المتحدة منذ عام 1991 فور قبولنا قراراتها, ولكنهم لا يتعاملون معنا كما تتعامل أنت وخبراءك, ذلك لأنهم موظفون في الأمم المتحدة. حين تتحدث عن رؤوس الصواريخ, تذكر (إتلافنا) لوثيقة عام 1991 حسنا.. لقد اعترفنا بذلك وأقررنا بأن العراق لم يدمر جميع رؤوس الصواريخ التي كانت بحوزته, احتفظ ببعضها, لكن لمدة ثلاثة أو أربعة أشهر, وقد سبق وأوضحنا الاسباب مرارا وتكرارا كنا ساعتها في حالة وقف اطلاق نار.. وكان (جورج بوش) يهددنا باستمرار الهجوم علينا, فاحتفظنا بعدد صغير من مصادرنا العسكرية لمواجهة تلك التهديدات, ثم عندمااستقر الموقف بعد ذلك بعد ثلاثة أو أربعة أشهر, اعلنا عما لدينا وتم تدميره, وتقول أنت أن ذلك خرقا للقانون! أي قانون؟! يا (مستر باتلر) القانون الذي تتحدث عنه يقول أنه عند وفاء العراق بقرارات مجلس الأمن سترفع العقوبات.. والعراق نفذ جميع قرارات مجلس الأمن ولم ترفع العقوبات! أليس ذلك خرقا للقانون؟ الحقيقة أنه لا يوجد قانون!! فمجلس الأمن لم يف بما وعد به في تنفيذ قراراته, وكل ما يثيره من انتقادات وادعاءات ليس الا نوعا من الدعاية والجعجعة السياسية, نحن نفذنا جميع قرارات مجلس الأمن, واصبح العراق خاليا من اسلحة الدمار الشامل, ومع ذلك لم ترفع العقوبات! مسألة ما حدث في ,1991 أو 1992 أو 1995 وكيفية تدمير الاسلحة والمعلومات التي تنقصكم في هذا الصدد ليست هي لب الموضوع.. كان الاتفاق مع المجلس هو رفع العقوبات حال التخلص من اسلحة الدمار الشامل. وقد حدث ذلك. أما مسألة كيف تم تدمير الاسلحة والتي تمنع رفع العقوبات فهي مسألة غيرمبررة ولا مفهومة ولا مقبولة بالمرة. ويتابع عزيز مخاطبا باتلر: لقد تقصت لجنة التفتيش التي أرسلها مجلس الأمن في 1995 من اجل ملف الصواريخ وتوصلت الى نتائج مرضية وأغلقت الملف.. وعدتم أنتم في 1998 لتفتحوه مرة اخرى باسئلة مثل كيف تم التخلص من البقايا؟ ومن تخلص منها؟ الى آخره.. أنا أتفق معك فيما ذكرته بخصوص الملف البيولوجي من حيث أننا أنكرنا ما بحوزتنا في البداية, ثم عدنا فأعلنا في 1995 عن جميع ما كان بحوزتنا. وظللتم تعملون في هذا الملف طيلة ثلاث سنوات كاملة, ومازلتم ترفضون حتى الآن اغلاقه.. عندما تحدثت عن موقع (الحكم) لم أعترض على تدميره. فأنا أعلم أنه يجب تدميره بحكم القانون, لكن سؤالي كان.. اذا كنتم تقولون ان ملف البيولوجي لم يحسم بعد, فلماذا قررتم تدمير (الحكم) ؟.. تدمير الحكم معناه أنكم قمتم بتحريات كاملة عن الملف البيولوجي. لقد قررتم إعدام (الاثير) لكن بعد معرفة ما كان يقوم به (الاثير) بالفعل! والمفروض ان ذلك قد حدث بالنسبة (للحكم) ! لكنكم مازلتم تصرون حتى الآن أنكم لا تعرفون اي شيء عن الملف البيولوجي العراقي! هل تلاحظ التناقض في موقفك يا (سيد باتلر) ! تدمرون وتعدمون ثم تقولون في نفس الوقت.. ليس لدينا معلومات كافية! تدمرون المعلومات ثم تدعون الافتقار اليها! تعلمون انه ليس من مصلحة العراق الدخول في أي صراع مع اليونيسكوم, بل من مصلحته ان نكون أصدقاء.. وأنا أعني الكلمة: (أصدقاء) حتى يصبح بمقدوركم مساعدتنا ورفع تقرير الى مجلس الأمن يفيد بانتهاء مهمتكم, مما يترتب عليه رفع العقوبات الدولية عن العراق.. لكن من خلال تجربتي المريرة مع خبرائكم, ومعك شخصيا, وجدت نفسي مضطرا للقول أن (اليونيسكوم) ليست محايدة, وهي واقعة تحت تأثير الامريكان والبريطانيين.. أعضاء اللجنة يتعمدون اطالة عملية التفتيش.. أعضاء اللجنة تعمدوا خلط الأمور الرئيسية بالفرعية, ولدينا أمثلة, وقد ذكرت بعضها, وكان ينبغي عليّ ذكر الاسماء, وهو ليس هجوما شخصيا على أصحابها. بل كان الهدف منه اعطاء مثال على ما يفعله خبراؤكم!! الوثائق ويتابع عزيز قائلا بالنسبة للوثائق.. وأنت تتحدث دائما عن الوثائق, في كل اجتماع بيننا تذكر لنا كلمة (وثائق) ! لقد أعطينا (اليونيسكوم) العديد والعديد من الوثائق منذ عام 1991 وحتى الآن.. لقد سألتك في اجتماعنا الأخير.. ما الوثائق التي تريدها وتبحث عنها بالتحديد؟ وفي جلسة اليوم الصباحية أشرت الى وثيقة 1995.. لقد ناقشنا تلك المسألة في اجتماعنا الأخير ودعني أكررها الآن. في نوفمبر 1995 أرسل الى مستر (رولف ايكيوس) خطابا سأقراه عليكم الآن: (استمرارا لاتفاقنا الذي توصلنا اليه في بغداد خلال مناقشاتنا التي عقدت في ديسمبر بخصوص مواد تصنيع القاذفات المستوردة من روسيا نطالبكم ببعض الوثائق.. وأرفقت لجنة التفتيش مع الرسالة قائمة باسماء وطبيعة هذه الوثائق. واستطعنا الحصول على بعض هذه الوثائق وتقديمها للجنة, والبعض الآخر لم يكن متاحا وغير موجود بالمرة.. ثم درست اللجنة تلك الوثائق, وأغلقت الموضوع برمته بعد ذلك!! والمعنى الواضح من اعادة طلبكم تلك الوثائق هو أنكم لا تريدون الحصول على معلومات جديدة, وانما تطلبون الوثائق لاثارة موضوعها كذريعة لاطالة عملية التفتيش, والادعاء بأن العراق يعرقل مهمة (اليونيسكوم) ولا يقدم جميع مالديه من وثائق للجنة التفتيش (ثم تظهر علامات الغضب على طارق عزيز وهو يتساءل) ما نوع الوثائق التي تبحثون عنها؟ ولأي سبب؟.. وثيقة كاملة ويضيف عزيز: وبالنسبة للملف البيولوجي.. ما هي الوثائق التي تبتغونها! لقد قدمنا في أحد اجتماعاتنا السابقة الوثيقة التي أعتبرها أنا شاملة بالنسبة للبرنامج البيولوجي, والتي تحتوي على جميع المعلومات المنطقية التي يمكن ان تحصلوا عليها, ويمكن ان تفيدكم في مهمتكم, الوثيقة التي كتبها حسين كامل بنفسه وهو مدير عام المشروع موجهة الى رئيسه وليس لاي شخص آخر.. فماذا تريدون بعد ذلك؟ اذا كان خبراؤكم حقا خبراء! و(محايدون) لكانوا اكتفوا بتلك الوثائق ولم يطلبوا المزيد.. هذه لعبة بلا نهاية.. فأنتم دائما تطلبون وثائق. وبعض ما تطلبونه أو كله غير متاح.. وقد كررتم مرارا وتكرارا أنه كلما زاد حجم الوثائق ساعد ذلك على اتمام عملية التفتيش, ثم نقدم لكم الوثائق فلا تكتفون بها وتقولون (هل من مزيد) ! تطلبون مني أن أقدم لكم الوثيقة التي وجدتموها ثم اختفت بعد ذلك.. اجابتي هي (لا) .. لن أقدم اليوم ولا غدا ولا في أي يوم.. والاسباب ان تلك الوثيقة تخص مسألة الحرب بين العراق وايران.. وليس بين العراق والكويت!. هي وثيقة تحوي أمورا ذات صلة بالصراع العراقي ــ الايراني السابق, وليس الصراع العراقي الكويتي, لا أقبل افتراضكم بأنه في استطاعتكم ان تنالوا اي شيء, وتحصلوا على كل شيء تريدون الحصول عليه.. لكم الحق في طلب الوثائق التي تختص بمهمتكم هنا.. وليس أكثر من ذلك. وبالنسبة لقولك انك غير مستعد الآن لرفع تقرير الى مجلس الأمن بأن العراق خال من أسلحة الدمار الشامل.. اذن أنت غير مستعد ولذلك تطلب مزيدا من التعاون في الأيام المقبلة! بين باتلر وايكيوس اضاف طارق عزيز : مستر باتلر.. أخبرتك من قبل في أكثر من مناسبة ان العراق قد نفذ جميع القرارات المذكورة في الفصل الثالث من قرار مجلس الأمن. وليس هذا بحقيقة جديدة, فهو معروف لديكم منذ فترة طويلة. لكنك لم تعترف بذلك. ولا تريد رفع تقرير لمجلس الأمن بذلك, أنت ترفض الادلاء بالحقيقة لاعتبارات ودوافع سياسية. وليس لاسباب علمية او موضوعية.. عندما بدأت مهمتك في يوليو 1997 كنت آمل في رفع التقرير النهائي في نفس العام, تخبره فيه أنك قد أديت المهمة. لكنك لم تفعل, وقد سبق لسلفك (رولف ايكيوس) ان ابلغ مجلس الأمن بانه لم يتبق سوى أمور بسيطة وقليلة.. وعندما بدأتم مهمتكم أنتم أعدتم فتح الملف برمته وأثرتم مشكلة غاز الــ (VX) وطلبتم مزيدا من المعلومات, وكنا نعمل من جانبنا على توفيرها, وكنت أتوقع ان هذا سيجعلنا نغلق الملف في أسرع وقت ممكن تماما, وأنكم سترفعون بعد ذلك تقريرا يفيد أن العراق قد وفى بجميع الالتزامات الواردة في الفصل الثالث باتفاقية مجلس الأمن, لكنكم عدتم وذكرتم موضوع المواقع والقصور الرئاسية وأنه لا يمكن اغلاق الملف بدون تفتيشها.. خلقتم مشكلة ظلت تكبر وتكبر وأوحيتم للعالم بوجود مخزون هائل من الاسلحة بالقصور الرئاسية, يكفي لتدمير العالم بأكمله.. وانتقل الاهتمام من مسألة الوفاء بمتطلبات قرار مجلس الأمن الى اختلاق هذه الادعاءات والقاء الاتهامات جزافا.. وكان علينا أن نثبت للعالم ان تلك الادعاءات أكاذيب, فتوصلنا الى اتفاق مع الأمين العام للأمم المتحدة بتفتيش قصور الرئاسة, وثبت (وهم كل تلك الاكاذيب) .. فلم تجدوا شيئا مما ادعيتم, وكان يحدونا الأمل في أن ترفعوا تقريرا نهائيا في يونيو الماضي يفيد بخلو العراق من اسلحة الدمار الشامل, يرفع به مجلس الأمن العقوبات عن العراق ــ ولكنكم مانعتم القيام بذلك. مما حال دون الانتهاء من هذه اللعبة, التي لا تريد أن تنتهي.. كل ما أطلبه منكم هو العدالة, أن ترفعوا تقريرا بانتهاء مهمتكم, تلك المهمة المكلفون بقيامها قد انتهت بالفعل, رغم أنكم تزعمون ان أعمالكم لم تنته بعد. وأنكم ستتعرضون لنقد شديد من مجلس الأمن اذا قلتم أنكم قد انتهيتم من عملكم! مشكلتك مع مجلس الأمن ويتابع عزيز كلامه مخاطبا باتلر (وهذه ليست مشكلتي.. بل مشكلتك أنت.. يجب أن تكون لديك الشجاعة على أن تقول الحقيقة.. ليس لديك دليل يناقض ما أطلبه منك.. وان كان لديك دليل فادل به الآن تقول يا (مستر عزيز) لدينا أدلة قوية أنك لا تزال تحجب بعض المعلومات او تخفى بعض رؤوس الصواريخ او تخفى بعض الاسلحة الكيماوية او البيولوجية.. فان كان لديكم دليلا مادياً على تلك الادعاءات فاذكروه.. القوا بأوراقكم على المائدة لنناقشها ونصل الى قرار حاسم.. لكنكم لا تستطيعون القيام بذلك بتاتا.. لأنه ليس لديكم أدلة.. ما تقولونه ليس الا تخمينات وشكوك وادعاءات خالية من الصحة, وتفتقر الى الأدلة الدامغة! وهذا جزء من لعبتكم! اذا لم يكن لديكم الاستعداد للادلاء بالحقيقة والى مجلس الامن الآن, فلا بد ان اشك في قدرتكم على فعل ذلك في اكتوبر المقبل, وهذا يعني انك لا تحترم وعودك, ولا تنفذ ما عليك من التزامات بعد ان وفيت انا بما علي.. انا لا اقصدك انت شخصياً.. ولكني أتحدث اليك باعتبارك كبير لجنة التفتيش والخبراء الدوليين الموفدين من قبل هيئة الأمم المتحدة. اتحدث اليك باعتبارك واحداً من اللجنة الخاصة وبصرف النظر عما اذا كنت جزءا من اللعبة ام لا (في اشارة واضحة لاتهام (باتلر) بالمراوغة السياسية وفقا للرؤية الامريكية والبريطانية في تعامل الأمم المتحدة مع العراق).. ولكن طارق عزيز يستخدم كلماته هنا برقة حتى لا يعتبر هجومه شخصياً على باتلر. ويواصل عزيز .. وبصرف النظر عما اذا كنت جزءاً من اللعبة ام لا ــ انا لا اثق في استعدادك ــ اكرر هذا مرة ثانية للتوجه الى مجلس الامن في اكتوبر واخباره بحقيقة الوضع.. لذلك.. (شدد على الحروف) لن اتعاون معك في أي عمل اضافي لأنه سيكون بلا طائل.. (مستر باتلر) .. اذا كنت غير مستعد ان تضع الحقائق كاملة أمام طاولة مجلس الأمن, واذا كنت مصمما على الاستمرار في هذه اللعبة, فأنا أعلن من جانبي انني لن استمر معك في هذه الملهاة! قل لي .. ما الداعي من الاستمرار في هذه اللعبة؟ لماذا أواصل تعاوني معك وأنا لست واثقاً من استعدادك للتحدث بلغة الحقائق مع مجلس الأمن والمجتمع الدولي. اننا يا (مستر باتلر) في حلقة مفرغة, ولا أريد الدوران فيها الى ما لا نهاية. انا أرفض هذا.. وكل ما تريدون القيام به في الأيام المقبلة ارى انه جهد ضائع ولا طائل من وراءه.. حدود عدم التعاون باتلر.. (وهو يكاد يخفي قلقا واضحاً مما تعنيه الكلمات الأخيرة لطارق عزيز. يستفسر من عزيز عن حدود التوقف عن التعاون) ويقول أود أن أسألك سؤالاً: عندما تقول إنك في ظل الظروف الحالية غير مستعد لمواصلة التعاون معنا.. هل تقصد فيما يختص بعملية نزع السلاح ام الاشراف على الموارد أم كليهما؟ هل تسمح بتوضيح ذلك؟ طارق عزيز انت تود مواصلة العمل.. اي مواصلة الاجتماعات بين خبرائك وخبرائي.. وأنا لست مستعدا للقيام بذلك.. لأنني مقتنع الآن, وواثق تماماً من ان ذلك سيكون عقيماً ولا طائل من ورائه, وبالنسبة للخطوات المقبلة التي سأقوم بها, فليس عندي الآن صورة واضحة عنها.. وسأقوم برفع تقرير الى سيادة الرئيس (العراقي) وسيحدد هو بدوره في هذا الأمر, وما الذي يمكن فعله حيال الموقف برمته.. ولكن تبقى حقيقة واحدة وهي ان خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل مع بقاء الحظر الدولي المفروض عليه من قبل مجلس الأمن يعني وجود تناقض صارخ في المواقف, وتحيزا لا بد من انهائه.. إنهائه بصورة أو بأخرى!! باتلر: اشكرك على اجابة السؤال.. لأنني اود ان اوضح لك الآتي. وقد قلت توا انه اذا لم اكن مستعداً لقول الحقيقة لمجلس الأمن فلن تكون مستعداً للتعاون معي.. ولقد أجبت على الجزء الأول من السؤال من قبل.. فماذا عن الجزء الثاني فيما يختص بالرقابة على الموارد العراقية, هل ستتعاون معي في ذلك؟ (يحاول باتلر هنا الاطمئنان ان كان قرار عزيز بايقاف التعاون مع خبراء اللجان في اجتماعات تالية يعني ايقاف التعامل كاملاً مع لجان التفتيش على الرغم من اشارة عزيز الى (خطواته المقبلة) التي سيرجع فيها الى الرئيس العراقي).. طارق عزيز: الاجابة هي لا والمقصود هنا الجانب الأول من رفض مزيد من الاجتماعات فلست مستعداً لخوض دورة جديدة من اللقاءات والاجتماعات والمناقشات, التي لا جدوى ولا طائل من ورائها بالمرة... مواجهة ثانية باتلر: حسنا.. دعني أوضح لك ذلك.. لقد طلبت مني بالتحديد ان اخبر مجلس الأمن بأن العراق لم يعد لديه أسلحة دمار شامل, او لم يعد لديه القدرة على انتاجها, وهذا بالنسبة للصواريخ والاسلحة البيولوجية, طلبت مني ان اخبر المجلس بذلك. الذي اسميته (الحقيقة) حسنا دعني أخبرك: انا لست قادراً على ابلاغ مجلس الأمن بما تسميه (الحقيقة) لأنه ليس بمقدوري اعطاء مجلس الأمن دليلاً على ادعاءاتك تلك.. عزيز (غاضباً): دليل على ماذا!. باتلر: من فضلك دعني أكمل كلامي.. ان مهمتنا هي التحقق من إدعاءاتكم, وليست اثبات ادعاءاتنا لك. ومجلس الأمن حدد ثلاثة مبادىء رئيسية :(انتم تعلنون.. ونحن نتحرى ثم نتعاون معا في إزالة أو تدمير أو التخلص من سلاح) .. عزيز: فلتسمح لي بمداخلة.. (لقد اعلنت العراق.. وانتم تحريتم.. وقد تم تدمير ما وقع تحت أيديكم من أسلحة ومعدات) فهل هذا يكفي؟ باتلر: اسمح لي بالرد.. اعلنت العراق, لكن لم يكن ما أعلن عنه دقيقاً أو كافياً.. احصائيات تفتيشية عزيز: تناولت هذا الموضوع بالتفصيل في هذا الاجتماع والاجتماعات السابقة.. ورددت على جميع الاستفسارات, دائماً.. دائماً تجتمع وتطلبون مزيداً من المعلومات وتطرحون مزيداً من الاسئلة ونبحث عنها ونمدكم بها, ثم تطلبون من جديد مزيدا من المعلومات نعطيكم ردودنا واجاباتنا, فتطلبون المزيد .. هكذا بلا توقف.. وفي ظل وجود حقيقة قلتها مراراً وتكراراً, ما الذي تطلبونه بالضبط! حددوا الوثائق التي تفتشون عنها.. لقد ظللتم سبع سنوات تتحرون وأود ان اخبر السادة الحاضرين, ان لم يكن لديهم علم بما أقوله: عدد فرق التفتيش التي زارت العراق منذ عام 1991 وحتى عام 1998 بلغ 260 فريقاً, يشمل 3570 مفتشاً, أجروا 2522 عملية تفتيش, الى آخر قائمة الأرقام التي يعرفها جيداً (مستر باتلر) , أضف عليها الزيارات واللقاءات والاجتماعات التي حدثت في تلك الفترة على مدار سبع سنوات فإلى متى سيستمر هذا التحري! اليس له من نهاية؟ يبدو أن عملية التحري هذه عملية مفتوحة الأجل ! ولدينا أكوام من الأمثلة على صحة مقولتي بأنها لعبة سقيمة وغبية مفتوحة الأمد.. بعد سبع سنوات من عمليات التفتيش والتقصي التي قمتم بها هل وجدتم ما يناقض تصريحات العراق؟ انت يا مستر باتلر في يدك النطق بالحكم اذا ما كان العراق مذنبا أم لا؟ اذا ما كان العراق وفي بالتزاماته أم لا؟ اذا كان العراق خال من أسلحة الدمار الشامل, وليس لديه القدرة على تصنيعها مرة اخرى ام لا؟ فلماذا لا تقول الكلمة الفاصلة في هذه اللعبة المفتوحة.. ما الذي يمنعك عن ذلك؟!! عدم اكتمال التحريات! اليست التحريات المستمرة طوال سبع سنوات كافية؟متى تكتمل اذن؟(متى يا مستر باتلر) ؟! اكرر مرة ثانية وثالثة (يجب عليك ان تذهب الى مجلس الأمن وتبلغه بأن العراق مذنب ولا يذعن لقرارات المجلس أو انه غير مذنب وينفذ ما عليه من التزامات) , ما الصعوبة في أداء هذه المهمة؟ هذه هي المهمة التي حان وقت أدائها. حلقة مفرغة ويضيف عزيز: عندما أطلب منك ان تؤدي مهمتك تلقى بالكرة في ملعب مجلس الأمن وعندما أذهب الى مجلس الأمن وأطلب منه الوفاء بتعهداته معي, يلقي بالكرة في ملعبك.. ماذا يعني ذلك يا (مستر باتلر) !.. تلك حلقة مفرغة, حلقة لعينة.. واضح انها مقصودة ومتعمدة وأنت يا مستر باتلر تتحمل مسؤولية ذلك.. اخبرهم بالحقيقة (العراق أدلى بتصريحاته وتحرينا وعاينا عمليات التدمير, ولم يعد في مقدور العراق امتلاك او تصنيع اسلحة دمار شامل) . هذا في حد ذاته تقرير امين وصادق عن الاوضاع في العراق.. فلماذا لا ترفعه الى مجلس الأمن! أتخشى أن يهاجمك! أتخشى ان تثير حفيظة بعض الاعضاء في مجلس الأمن؟.. انك لا تخدم العدالة الدولية التي يفترض انك تمثلها ينبغي يا مستر باتلر ان تكون لديك الشجاعة والجرأة على ان تضع في نصابها الصحيح, وتدلي بحقائق الوضع في العراق, وتخبر مجلس الامن بكل هذا.. لا بد من الشجاعة والجرأة, هل تتذكر يا (مستر باتلر) الاجتماع الذي عقدته في ابريل الماضي, وأعلنت فيه تحقق تقدم ملحوظ في عملية التفتيش.. وأعربت عن رضائك عما حققته اللجنة. ثم ذهبت الى نيويورك وأعلنت ان التقدم كان (صفراً) !: لقد كان ذلك أول مؤتمر صحفي نعقده سوياً, وصرحنا فيه بعد اجتماعنا, انه تحقق تقدم ملحوظ.. ولكن بمجرد وصولك الى نيويورك سحبت ما قلته وأنكرته.. اذن انا لا اثق في امكانية الاستمرار في التعاون معك.. (هنا يبدو باتلر في غاية الضيق مما يسمعه.. فالكلام اصبح مباشراً ومتعلقاً به هو شخصياً, وبواقعة محددة.. ووصل به غيظه المكتوم طوال حديث عزيز السابقة الى ان وضع ابهامه على فمه فترات طويلة) . باتلر: هل يمكنني الآن استئناف كلامي؟ عزيز: نعم.. باتلر: سأعود الى ما كنت اتحدث عنه, ولن أرد على تلميحاتك وهجومك الشخصي, طلبت مني الذهاب الى المجلس ورفع تقرير مفاده خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل وعدم قدرته على اعادة تصنيعها.. او ان اقول ما تراه أنت (حقيقة) .. وعليّ ان ابلغك بأنني لست مستعداً للقيام بذلك, ولن اقوم به الا بعد الوفاء بكافة التحريات التي تثبت صحة ادعاءاتك.. ومع ذلك سأرفع تقريراً لمجلس الأمن اوضح فيه ما ترى أنه (حقيقة) أو (حقائقك) عن الموقف من العراق..(في اشارة من باتلر الى انه سيعرض وقائع هذا الاجتماع كاملة ورؤية الجانب العراقي للموقف أمام مجلس الأمن, في محاولة منه لترضية طارق عزيز). طارق عزيز: ليست (حقائقي) .. بل هي حقائق .. لم أطلب منك ذكر خصائص.. بل أن تذكر الحقيقة.. وهي ــ اكرر للمرة الألف ــ (الأسلحة قد دمرت, معداتها قد دمرت, امكانية واحتمالات تصنيعها مرة اخرى قد اعدمت.. ولم يظهر الى الآن اي خرق من جانب العراق لقرارات مجلس الأمن) هذه هي الحقيقة العامة وليست حقيقة من اختراع طارق عزيز. باتلر: ما قلته يا سيادة رئيس الوزراء بجميع ما دار هنا, وبادعاءاتك ان العراق قد اصبح خالياً من أسلحة الدمار الشامل, سأخبر به مجلس الأمن, وسأخبرهم بالأسئلة التي سألناها لكم, واجاباتكم علينا, سأخبرهم بكل شيء دار في هذه الاجتماعات ثق في هذا .. وفي أنني سأفعله بكل أمانة وصدق.. وسأبلغ مجلس الأمن ايضاً عدم قدرتي على اتمام تحرياتي, وتحري ما يدعيه الجانب العراقي.. وسأذكر له أسباب عدم القدرة على اتمام هذا التحري. سؤال بسيط طارق عزيز (بحسم): هل لديك دليل مادي يثبت عكس ما أقول؟! باتلر: اعتقد انه قد سبق لي وأجبت على هذا السؤال.. فقد أوضحت ان مهمتنا هي تقصي... طارق عزيز (مقاطعاً): كلا.. أنت لا تجيب على سؤال بصراحة.. انني أسألك سؤالاً بسيطاً وواضحاً: هل لديك دليل مادي يثبت عكس ما أقوله؟.. يصمت باتلر فترة طويلة, وينتظره عزيز حتى يظهر للجميع عجزه عن الافصاح بالحقيقة فيكمل عزيز ملوحاً بيده الى جميع اعضاء وفد اللجنة الدولية قائلاً: ــ هل تشهدون على ذلك؟ فيرد باتلر: حسنا.. دعني أجيب على السؤال بهذه الطريقة.. أنت تعرض الفقرة التالية من قرار مجلس الأمن بصورة خاطئة فالقرار يقول أنه عندما (يرى مجلس الأمن خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل تنتهي مهمتنا بسحبنا من العراق) حسنا واجابتي لك هي ان مهمتي الوحيدة هنا هي رفع تقرير الى مجلس الأمن ليتخذ قراراً بناء عليه.. من اذن سيتخذ القرار! لست أنا, نعم.. نحن نعتقد ان العراق وفىّ بجميع التزاماته تجاه قرارات مجلس الأمن, نعم نحن نعتقد في ذلك وهذا هو السؤال الوحيد المخول لنا الاجابة عنه, وليس سؤالك هل تعتقد ان العراق خالية من اسلحة الدمار الشامل أم لا؟ طارق عزيز: انني أسألك هذا السؤال بناء على مبدأ جاد.. وهو أنك ظللت تعمل في العراق مدة سبع سنوات .. فإذا لم تستطع الحصول على دليل يفيد عكس تصريحات العراق طوال تلك السنوات فهذا في حد ذاته دليل.. او هو واجبك يا مستر (باتلر) افعل مهمتك بأمانة وصدق.. وأبلغ مجلس الامن بحقيقة الوضع.. كن شجاعاً وأبلغهم بكامل الحقيقة.. انك خبير في نزع السلاح يا (مستر باتلر) فلتقل انك اديت مهمتك وان العراق خال من اسلحة الدمار الشامل. باتلر: لقد أخبرتك انه ليس في استطاعتي فعل ما طلبته مني.. لقد سمعته.. لكنني غير قادر على عمله.. طارق عزيز: تفسيري اذن لما تقوله الآن هو انك غير معد لان تقول الحقيقة.. باتلر: حسنا انني اتفهم طبيعة رفضك ومعارضتك لكل ما نطلبه.. ومع ذلك سوف انقل لمجلس الأمن ادعاءاتك. وسأروي لهم ما جرى في هذا الاجتماع.. طارق عزيز: ما أطلبه ان تبلغ المجلس بالحقيقة, وليس مما جرى من احداث ومناقشات في هذا الاجتماع, سنقوم نحن . ونطلع الامم المتحدة عليه, ومن المحتمل ان اكتب بنفسي تقريراً عما حدث في هذا الاجتماع لأرفعه الى مجلس الأمن.. وانما اطلب منك باعتبارك خبيراً ظل يعمل طيلة سبع سنوات في عمليات التفتيش والتحري والتقصي الموسعة والتفصيلية, ان تذهب الى مجلس الامن وتطلعه على الحقيقة, العراق خال من اسلحة الدمار الشامل, ولا يملك اي امكانية لاعادة تصنيع هذه الاسلحة. ولم يتضح لنا كلجنة دولية اي خرق من الجانب العراقي لقرارات مجلس الأمن) .. قل ذلك يا (مستر باتلر) وارح ضميرك الانساني! (فترة صمت قصيرة. بعدها تخرج كلمات باتلر خافتة وبطيئة).. باتلر: لن اكرر مرة ثانية.. لن استطيع ان افعل ذلك.. وضميري مستريح.. طارق عزيز: اعتقد ان ما حدث من تحريات كاف بدرجة كبيرة وليس هناك اي حاجة لمزيد من التحريات.. باتلر: هل يعني هذا انتهاء اجتماعنا اليوم! عزيز: الاستمرار في تلك الاجتماعات لا طائل من ورائه. باتلر: هل ستحضر اجتماع الغد! عزيز: اذا كان لديك جديد تود ابلاغي به بشأن طلبي فسيسعدني ذلك.. واذا لم يكن لديك جديد ولم تغير موقفك.. سيكون اجتماعا بلا طائل. باتلر: حسنا دعنا نتفق على مبدأ اللقاء غداً.. الى اللقاء.. وانتهت المباحثات ولم يتم اللقاء في اليوم التالي فقد كان معنى كلام عزيز الأخير ان هذا يكفي.. القاهرة ـ مكتب البيان