يخيم على بغداد هذا الصيف شعور عام يجعلها تبدو مدينة اشباح. فشعبها مرهق وقلق, والمدينة رمادية اللون, واسعار الازهار فيها باهظة للغاية لتزيين شوارعها الطويلة. احرف الكلمات سقطت من الواجهات المضاءة التي تنير اكبر المحلات التجارية في المدينة . ممزقة, والشوارع مكسوة بالاوساخ. واجهات المحلات التجارية تعرض بضائع يستحيل على المواطن العادي شراؤها, اذ ان معدل الراتب الشهري هو اربعة آلاف دينار, ولا يستطيع الا القلة شراء زجاجة شامبوو التي يبلغ سعرها 2500 دينار, او كيلو جرام واحد من الفستق الحلبي الذي يبلغ سعره عشرة آلاف دينار. ولكن بالرغم من هذا الوضع التعيس الذي يصعب تحمله, فان الشعب العراقي لايزال يحافظ على حسن ضيافته وكبريائه, ويحاول جاهدا العمل يوميا في اي وظيفة او مهنة مهما صغرت من اجل ان يوفر الطعام لاسرته, ولم يعد يميل الى التحدث مع الاخرين, ويعني هذا بالنسبة الى معظم الشرفاء منهم العمل في مجال الترجمة أو النقل أو حتى بيع جهاز التلفاز, بينما الآخرون يعني العمل بالنسبة لهم التهريب في السوق السوداء او السرقة, وقد اشتكى احد اصحاب المحلات التجارية من هذا الوضع قائلا ان (الجرائم ازدادت بشكل مذهل منذ فرض الحصار الدولي على العراق ويتعرض بعض الناس للقتل بسبب مبلغ عشرة دولارات) . العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الامم المتحدة على العراق منذ غزوه للكويت قد اثرت سلبا على النسيج الاجتماعي للشعب العراقي وجعلت منه ضحية للفقر والفساد.. من الصعب على المرء ان يتذكر انه قبل عشر سنوات كان العراق رائدا في الشرق الاوسط وكان شعبه غنيا ومزدهرا. وتحول المثقفون الى بائعي كتب أوسائقين لرواد الفنادق الفخمة, واصبح الفنيون الذين كانوا في السابق يعملون في مؤسسة التصنيع الحربي, يعملون سائقي تاكسي, بينما تجار الامس يجمعون ثروة جديدة في السوق السوداء. ويعترف اريك فيت الناطق الرسمي باسم مكتب الامم المتحدة للمساعدات الانسانية قائلا ان كل ما بنته البلد خلال العقد الماضي قد دمر تماما في ثماني سنوات, اذ لم يفقد المواطن العراقي العادي القدرة على اطعام نفسه والمحافظة عليها فحسب بل فقد ايضا متطلبات الحياة اليومية مثل السيارة وجهاز التلفاز والالعاب لابنائه, وحتى النواحي التعليمية والروحية والفكرية للشعب العراقي قد انتزعت منه ايضا. انها ظاهرة فريدة: اذ ان الشعب يعاني من عقوبات مزدوجة: خارجية وداخلية. العقوبات الدولية قد افرغت الامة من حيويتها, وسلب حكم صدام حسين القوي الشعب من جميع انواع الحقوق الاجتماعية, واذا تجرأ احدهم وسألته من المسؤول عن كل هذه الويلات, فانك تسمع نفس الجواب المفزع (اسكت, لان كلمة واحدة انطق بها قد تعني نهاية حياتي) . ووافق شاب على التحدث سرا داخل غرفة مغلقة اسدلت ستائرها بالكامل, واوضح ان ليس لديه مايخسره, وقال (اننا نعيش داخل سجن. فاذا رفعت الامم المتحدة العقوبات المفروضة على العراق, فسوف نقدر على العيش بشكل افضل ولكننا سنظل نعيش داخل السجن) . هذه الشهادة الصادرة من القلب لايجرؤ ملايين العراقيين على الادلاء بها خوفا من انتقام قاتل. ومما لاشك فيه ان مجلس الامن الدولي شريك في المسؤولية عن الوضع الراهن ولكن الرئىس العراقي يلام على زج بلاده في آتون الحرب. ويقول النقاد ان رجال الحكم في العراق لايزالون يعيشون في رخاء رغم النكسات التي تعرضوا لها. ولكن الان ميشيل الرئيس المؤسس للمنظمة الانسانية المسماة (التوازن) والعاملة في العراق ناقش موضوع المنتفعين من العقوبات, وقال نعم سمعت ما تردد بان الحصار افاد صدام وهذه فضيحة, ربما يكون صحيحا, لا اعلم, وليس لدي الدليل, ولكم ماهو مؤكد ان العقوبات اصبحت فضيحة بحد ذاتها, اذ ان اكثر من 300 طفل دون سن الخامسة يموتون يوميا اما بسبب عدم توفر الدواء او سوء التغذية) . وفي الوقت الذي يتهم فيه البعض الحصار بأنه يعزز سلطة الرئيس صدام وصلاحياته, فان البعض الآخر يقول ان العقوبات قد ارغمت السلطات على ان تكون اكثر انفتاحا. ويقول احد المفكرين (رغم ان الكلام عن الرئىس يعتبر من المحظورات, لكن باستطاعة المرء الآن ان ينتقد البيروقراطية السائدة في جهاز الدولة كما ان القصص التي تنشر في الصحف هي خير دليل على هذا) . بغداد ـ ايزابيل بورجوا: وورلد نيوزلينك