استنتاجات المحللين السياسيين والصحفيين نصف الموهوبين تحاصر عقول القراء في كثير من الأحيان حين تحاول أن تتوقع مخرجا لعملية السلام وتحيل العقول عادة إلى نقاط خارج الحدود, إلى نقطتين أو ثلاثة بالكاد. الأولى من (تل أبيب) والثانية من واشنطن, والثالثة في مكان (غائم) بالقارة الأوروبية باريس تارة, أو لندن تارة أخرى, أو بروكسل مقر الاتحاد الأوروبي تارة ثالثة. الأولى ــ تل أبيب ــ إسرائيل حيث يحتمل أن تنجح جماعات السلام وحزب العمل في إسقاط نتانياهو أو مشروعه السياسي, ولا مانع عند أولئك (المحللين) أن يستشهدوا بنداءات يوجهها قائد عربي أو قائدان للشعب الاسرائيلي كي ينتبه من خطورة نتانياهو على مستقبل إسرائيل نفسها, وهنا تصبح (عملية السلام) رهينة للديمقراطية الاسرائيلية وقواعد لعبتها, وتصبح إمكانية تحقيق الحد الأدنى الفلسطيني والعربي ــ بعد مسلسل التنازلات الضخمة ــ معلقا باختيار ديمقراطي للشعب الإسرائيلي أو الناخب الإسرائيلي! والثانية واشنطن حيث يفيق صانع السياسة من (غي الظلم) والكيل بمكيالين ويستجيب لنداء العدالة بسبب التحيز اللاموضوعي لإسرائيل, فينصف العرب على الإسرائيليين ويقف بدوره الذي أسماه (الوسيط النزيه) ويعود لرشده فيدرك أن مصالحه الحقيقية مع العرب وليست مع إسرائيل, وأنها ستتعرض للأخطار والتهديدات إذا ما استكملت إسرائيل سيناريو الاغتصاب النهائي للحقوق العربية! ولا مانع أن يتعاطف المحللون مع (كلينتون) المطارد بفضائح مختلطة بأغراض سياسية, آخرها الإيقاع به في (شرك الكذب على العدالة والحنث بالقسم) , ويتمنى المحللون أن يخرج منها كلينتون كالشعرة من العجين فيقوى وضعه السياسي ويمارس ضغطاً على إسرائيل على الرغم من ان ادارة كلينتون تشارك (بجدية) في تنفيذ سيناريوهات نتانياهو أي ان مستقبل عملية السلام مرهون بمسألة شديدة التعقيد داخل الادارة الأمريكية وأطرافها الداخلية بعبارة أخرى مرهون بالديمقراطية على الطريقة الأمريكية! الثالثة ــ المكان الغائم في القارة الأوروبية حيث يستكمل الأوروبيون وحدتهم ــ ما بعد الاقتصادية - بتوحيد السياسات الخارجية, والحصول على دور سياسي يقابل مشاركتهم (الاقتصادية) من فاتورة عملية التسوية ويتمنى المحللون على عواصم أوروبا أن تتمرد على الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط, ولا مانع لديهم أن يذكروا أوروبا بأن مواقفها ينبغي أن تختلف عن المواقف الأمريكية, بحكم علاقات الجغرافيا والتاريخ مع العالم العربي والتي تستدعي درجة أعمق من الفهم لتفاصيل الشرق الأوسط, مقارنة برؤية (الكاوبوي الأمريكي) شرطي العالم الجديد, وكأن (المحللين يريدون دق إسفين في علاقة الأوروبيين بالأمريكان, مسقطين من اعتبارهم أن حجم التململ الأوروبي في السياسة الأمريكية يقتصر على مصالح أخرى ومساحات أخرى في تباين الأهداف بينهما, وان الشرق الأوسط تحديدا خارج حسابات هذا التململ الذي لم يرق بالمرة إلى درجة المواجهة السافرة في حالات شديدة الأهمية بالنسبة للأوروبيين. هذه القراءة ليست واقع الأمر محاولة للبحث عن مخرج, وتنطوي على درجة كبيرة من عدم الصدق مع النفس ومع عقول القراء, فهي لا تقر بحقيقة أولية هي أن (عملية التسوية) بدأت نتاجاً طبيعياً لهزيمة عربية شاملة في نهاية عام 1990 وبداية 1991 ربما تصغر أمامها عند المقارنة هزيمة 1967 وآثارها السلبية, يكفي القول ان الأخيرة تلاها حالة من الصمود والرغبة في المقاومة وتعديل وضع الهزيمة, أما الأولى هزيمة 1990 فتلتها حالة من التراخي والاستسلام والدخول في (مدريد) بدون غطاء دولي, اكتفاء براع ضعيف هو (روسيا) وراع منحاز وشريك أصيل واستراتيجي لإسرائيل هو أمريكا! ذلك الدخول الى (مدريد) الذي روج له قادتها (العرب) بأنه نتيجة لضغوطهم على امريكا وثمنا لمشاركتهم في انهاء الغزو العراقي للكويت, بينما الحقيقة الواضحة لمن يريد ان يرى بوضوح, انها اللحظة الانسب لدفع الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين ــ بالاساس ــ ثم بقية العرب معنيين الى طاولة التفاوض المباشر مع اسرائيل والنقطة الاهم ايضا بعد التسليم بذهاب (المهزومين) الى مدريد. وسقوط اضعفهم وزنا في اسلو, انهم لم يمتلكوا ارادة تعديل المواقف وتحسينها, وكانت درجة استجابتهم للضغوط الامريكية والاملاءات الاسرائيلية اكبر من اي ضغوط في الاتجاه المعاكس, وحقيقة الامر انه لم تكن هناك اي ضغوط في اتجاه معاكس, لا من مؤسسات أو احزاب, أو تيارات سياسية شعبية, وكانت اوزان (دول رافضة) اقل من ان تسمى ضاغطة, فراح طمع الطرف الاسرائيلي في جمع اكبر قدر من المكاسب ينقل التسوية من فشل الى فشل. مقابل ذلك يوجد جانب من الشعب العربي, ذلك الكيان الغامض المستبعد ــ أو الرأي العام ــ وهو الطرف المخصوم دوما من معادلة الصراع مع العدو ــ اسرائيل ــ باستثناء الفلسطينيين بدرجة ما ــ هؤلاء هم من يخشاهم صناع (مدريد) والذين روجوا لإمكانية التسوية مع اسرائيل في ظل ظروف الهزيمة الكاملة ما بعد 1990, يخشون انفلاتهم, وتصاعد غضبهم في لحظة غير محسوبة.