يتساءل كثير من المراقبين والمهتمين ما الذي يكبل روسيا ويجعلها عاجزة بأن تلعب دورا فاعلا ومؤثرا على الساحة الدولية والحضور الى حلبة القضايا الساخنة والخطيرة في العالم كما هو الحال في الشرق الاوسط . صحيح ان السياسة لا تنفصل عن الاقتصاد ووضع روسيا الاقتصادي في اسوأ حالاته وما تشهده الآن هو نوع من الاضطراب والفوضى وهو برأي رجال الاقتصاد والمحللين شكل متخلف من الرأسمالية المتوحشة والكلمة العليا والدور الفاعل في الحياة اليومية للمافيا والعصابات. والولايات المتحدة ومعها الغرب تريد لروسيا ان تبقى على وضعها الراهن لا تعرف هويتها ولا نظامها الاقتصادي لا دولة رأسمالية أو كدولة اشتراكية. وعملية مراجعة لمواقف روسيا منذ بداية عقد التسعينات يلحظ المراقب ان السياسة الروسية تتصف بالتردد والضعف وقضية البلقان اكبر مثال على ذلك. وعلى الرغم من انها احد راعيي محادثات السلام العربية الاسرائيلية فان دورها بدأ خجولا ثم تلاشى وتبدو في مراحل المفاوضات الصعبة غائبة تماما عن عملية السلام والشرق الاوسط ومثال آخر اكثر وضوحا وضع المسار الفلسطيني الاسرائيلي وكأن امريكا هي الراعي الوحيد وخاصة بما يتعلق بالمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية. فالشرق اوسطية ومشاريعها التي تروج لها اسرائيل هي حلف يراد منه وضع مقدرات المنطقة في ايدي اسرائيل وامريكا ولا مكان فيها لروسيا ومع ذلك فانها لم تتحرك او تتخذ خطوة تدافع فيها عن مصالحها. ان السياسة الروسية تلهث منذ سنوات مضت وراء الحصول على الدعم المالي والاقتصادي على امل حل مشاكلها وهنا تقف قوى خارجية وداخلية لابقاء روسيا على وضعها وإثقالها بالمشاكل والهموم لتكون عاجزة عن استخدام ورقة ترسانتها النووية الهائلة او التلويح بها. والى جانب المافيا والعصابات ذات النفوذ القوي تقف وراءها قوة منظمة لها نفوذها في كل مفصل من مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والامنية والعسكرية تتمثل بالقوى والمؤسسات التي تخضع لنفوذ اليهود الروس بدعم وتوجيه من اسرائيل. فكل المؤشرات والدلائل تؤكد ان لوبي يهودي قوي بدأ يتشكل في روسيا على غرار اللوبي في امريكا ويتمثل يهود روسيا بمنظمة (ايباك) اليهودية ذات النفوذ داخل الكونجرس والادارة الامريكية وفي وزارات الدفاع والاقتصاد ووكالات الامن الاتحادية والقومية وغيرها من المؤسسات الهامة. وقد قطع يهود روسيا شوطا كبيرا على طريق تأسيس (ايباك) يهودي في روسيا. وبدأت السيطرة المبرمجة على اجهزة الاعلام الروسية. فمع انهيار الاتحاد السوفييتي تحولت مجلة روسيا الى مركز صهيوني يديره كبار المفكرين والسياسيين من اليهود الروس الذين كانوا يعشعشون داخل معهد الاستشراق والذي اصبح اسمه (معهد دراسات اسرائيل والشرق الاوسط) ويترأسه منذ خمس سنوات يفجيني ساتانوفسكي وهو من عتاة العنصريين اليهود. كما تشكلت في الفترة الاخيرة هيئة تعرف باسم (مجلس رؤساء المنظمات اليهودية الروسية). ونشرت صحيفة (نضال الشعب) التي تصدر في دمشق دراسة ذكرت فيها ان اليهود في روسيا يشكلون دولة داخل دولة. وقالت عن رئيس المعهد ساتانوفسكي انه نشر مؤخرا في مجلة روسية مقالا مطولا بعنوان (اعشاب تخترق الاسفلت ــ طريق اليهود في القرن الواحد والعشرين) دعا فيه الى جعل نتاجات المثقفين اليهود الروس منارة للجميع لأن على حد زعمه تاريخ اليهود الروس حالة استثنائية لا تجد تفسيرا لها في نظرية التطور الاشتراكية ولا في اية نظرية اجتماعية. لأنهم ـ اي اليهود ـ يتمتعون بمواهب استثنائية غير قابلة للفهم من قبل الجمهور الذي يعيشون بداخله. ويبالغ اكثر في عنصريته عندما يعتبر ان هجرة اليهود الروس على مدى المئة عام الماضية الى الغرب ساهمت في تشكيل النخب الحاكمة في عدد من الدول في العالم. كما شكل هؤلاء اليهود الروس دولة يهودية هي (اسرائيل). وتتابع الدراسة بأن الصهاينة الآن في روسيا هم قوة سياسة وفكرية ضاربة تعود جذورها الى القرن التاسع عشر في اطار مزاعم ساتانوفسكي والتي ترسخت على ايدي المفكرين الاوائل مثل حاييم وايزمان. وقد ظهرت في السنوات التي اعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي منظمات وجمعيات ونواد لرجال الاعمال والعلماء والفنانين خاصة باليهود ولهذه النوادي والجمعيات قيادة عليا على مستوى عموم روسيا. وهذه القيادة تخطط وتوجه وتدير عملية دفع الشخصيات اليهودية الى مواقع مهمهة في مراكز اتخاذ القرار السياسي والاقتصادي في روسيا. ويوجد اليوم في روسيا عشرات المؤسسات العلمية بقيادة اليهود, ويتوزع اكثر من سبعين مركزا لاعداد الكوادر اليهودية وتدرس اللغة العبرية في مئات المدارس وتقام الاديرة في كل اصقاع البلاد وتم تأسيس اول جامعة عبرية مستقلة في موسكو جرى توأمتها العام الماضي مع الجامعة العبرية في القدس المحتلة. ان ما تطمح اليه اسرائيل والقوى اليهودية المتنامية في روسيا هو وجود (ايباك) في روسيا يكون بنفس القوة والنفوذ الذي يقوم به في امريكا للدفاع عن اسرائيل في مواقع القرار الروسية. دمشق ــ يوسف البجيرمي