اعلان الخرطوم بأن (مصر ليست مؤهلة) ان تلعب دوراً في حل الازمة السودانية, ليس فيه مفاجأة .. فالخرطوم تعلم سلفاً ان مصر لم تطرح مبادرة للتصالح بين السلطة والمعارضة السودانية وتعلم الخرطوم ايضاً ان الذي ظل يحاول اقحام مصر في (لعبة المصالحة الوطنية) هي نفسها وليس احداً سواها . الإسلامية بالتصالح معها أو بمحاولة إصلاحها لأن الأيام والتجارب المباشرة عبر السنوات الثماني الماضية قد أثبتت واكدت (ان هذا النظام غير قابل للإصلاح) . وان تقول الخرطوم ان (مصر ليست مؤهلة) لأن تكون طرفا في الجهود الاقليمية لحل النزاع المسلح في السودان, لأنها تحتضن المعارضة السودانية, فذلك أمر لايدعو للاستنكار فقط ولكنه يكشف عن الحالة العقلية التي يعيشها النظام الآن .. فالمعارضة ليست موجودة في القاهرة وحدها, ولكنها موجودة ايضا - وبشكل لاتجهل قوته سلطة الخرطوم في أديس أبابا ونيروبي وأسمرا, وكمبالا وهي الدول الرئيسية التي تشكل مجموعة الايجاد التي (حفيت) أقدام حكام الخرطوم من الجري وراءها في محاولة محكوم عليها بالفشل منذ البداية لتحقيق مصالحة بينها وبين حركة قرنق لكنه التشويش الذهني والاضطراب العقلي الذي يؤدي حتما الى الصلف والغرور وتوهم القوة الذي تتعامل به الجبهة القومية الاسلامية في مستقبل ومصير وطن وشعب لا يستحق ما أنزلته به من كوارث وما سببته له من الآلام. ان المتتبع لاجتماعات ولقاءات القاهرة التاريخية والذي يستطيع ان يجيد قراءتها يدرك منذ الوهلة الأولى ان هذه الاجتماعات انما تمت في الوقت الذي جاءت فيه لا لتؤسس من جديد علاقة بين مصر والقوى الشعبية السودانية, وإنما لتتوج عملاً دؤوبا وجهدا عظميا بذل على مدى سنوات دافعه الحرص الاكيد على تمتين وتقوية العلاقات التاريخية المثمرة بين السودانيين والمصريين التي كان وسيظل ضربها والاساءة اليها احد الاهداف الرئيسية للجبهة القومية الاسلامية, لقد كان الهدف الاساسي وراء اجتماعات القاهرة التاريخية هو وضعها امام انظار الجماهير صاحبة المصلحة الأزلية في تمتين وتقوية العلاقات بين شعبي وادي النيل. لقد كان الهدف من اعلان القاهرة التاريخي ــ وسيظل ــ هو ان تقول القيادة السياسية لشعبها في السودان ومصر ان وحدة الوطن السوداني ليست قضية خاضعة للمقايضة ــ كما تفعل حكومة الجبهة ــ وان السودانيين الذين بلغوا سن الرشد منذ زمن بعيد سيستعيدون وحدة وطنهم المعرضة للانقسام والتشرذم وبإرادتهم الطوعية, وسيستعيدون الديمقراطية القائمة على احترام حقوق الانسان وحقوق وواجبات المواطنة لكل المواطنين, وانهم بالعدل والحق سيحققون الاستقرار والتنمية لبلدهم الذي يعاني شقاء ما مثله شقاء, وانه بالثقة المتبادلة والوشائج التاريخية فإن مصر ستـظل كما كانت دائما شريكتهم في الضراء والسراء. وكان الهدف من اجتماعات ولقاءات القاهرة ان نقول للعالم المحيط بنا, للأقربين والأبعدين ان السودان الذي هو الآن مصدر عدم استقرار وتهديد للامن والاستقرار في المنطقة, سيعود ليؤدي دوره الجغرافي والبشري عاملا للاستقرار والامن والطمأنينة, وانه في ذلك يطلب حقا وواجبا يجب ان يؤديه الجميع تجاه شعبه, ان يعينوه على تحقيق برنامج الامن والاستقرار والتنمية العادلة المستدامة, وذلك هو حق الاخوة القومية وواجب المجتمع الدولي الذي يسعى لتحقيق الاستقرار والامن. بهذه المعاني فإن اجتماعات ولقاءات القاهرة حققت اهدافها منذ ان بدأت, ورسالتها المطلوبة قد ارسلت واستقبلت, وما يتبقى بعد ذلك هو واجب القادة السودانيين ان يمتنوا وحدة صفوفهم وان يجودوا عملهم في التحالف العريض الذي يضم كل قوى الديمقراطية في السودان.