تثير العلاقة المزمنة بين السودانيين والسياسة العديد من الاسئلة والحيرة, ففي السودان الممتد على مسافة مليون ميل على خارطة افريقيا, يتعاطى الجميع السياسة, بدءا من بائع الخضار ومساح الاحذية, وانتهاء بالساسة الذين ينظر الجميع اليهم مثل محترفي كرة القدم الذين يتعيشون على المستديرة . بيد ان هذه العلاقة الحميمة بين ذلك الشعب والسياسة لم تسهم في (حلحلة) عقد الوطن الكثيرة والتي باتت تتكاثر مثل الطفح الجلدي. وهكذا , تشعبت قضايا السودان واختلطت الاوراق بعضها بالبعض الآخر, مع اختلاف الفرقاء حول هذه القضية او تلك, وامساك كل واحد منهم سلاحه واتجاهه للغابة او الجبهة للاحتراب سواء من اجل فصل جنوب السودان او حتى من اجل توحيده او اعادة توحيده مع السودان او من اجل ازاحة نظام الحكم, او ... او ... تتشعب القضايا اذن, لكن كثيرا من السودانيين يقولون ان قضية الحريات والديمقراطية هي ام القضايا السودانية, معتبرين ان غيابها الحالي عقب 30 يونيو 1989 هو سبب معظم بلايا السودان. الحريات الغائبة كانت موضوع ندوة ساخنة وصاخبة عقدت في قاعة الشارقة بالخرطوم وشهدت سجالا بين اليسار واليمين وايضا كيلا من الاتهامات للحكومة. الحرية كانت ايضا محورا لمقابلة مطولة اجرتها (البيان) مع الامين العام لحركة (حق) المعارضة والذي اعتبر فيه ان التصالح مع النظام الحاكم غير وارد وان الاحتكام الى السلاح قد يقي من شرور اكبر تهدد البلاد. هنا محاولة لمقاربة (المسألة) السودانية عبر رصد لندوة قاعة الشارقة والحوار مع زعيم حق. في ندوة بقاعة الشارقة حول الديمقراطية: سجال بين الاسلاميين واليسار بشأن الحريات شهدت قاعة الشارقة بالخرطوم ندوة سياسية حاشدة وساخنة حول الديمقراطية في السودان . وتميزت الندوة المفتوحة وهي الاولى التي تعقد في البلاد منذ اقرار الدستور السوداني, بمشاركة حشد كبير من السياسيين, فضلا عن الحضور الكثيف الذي شارك فيها وكان لافتا ان جزءا كبيرا منه من خارج الوسط الطلابي. وشهدت الندوة التي عقدت مساء الثلاثاء سجالا ساخنا بين الاسلاميين واليساريين حول تطبيق الديمقراطية ومفهومها, كما كانت مناسبة للمعارضة لكيل الاتهامات للحكومة. وشارك في الندوة الدكتور غازي صلاح الدين وزير الثقافة والاعلام وأمين حسن عمر المستشار السابق لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس ادارة (الانباء) صحيفة الحكومة, والمحاميان كمال الجزولي المعارض اليساري وغازي سليمان من التحالف الديمقراطي لاستعادة الديمقراطية والدكتور احمد بلال احمد والشريف زين العابدين من المجموعة المنشقة عن المعارضة والساعية للوفاق. اسئلة حول الحرية افتتح د. غازي صلاح الدين الندوة بكلمة مطولة قال فيها انه لن يكون خلافيا ومثيرا للجدل في هذه الندوة كما يتوقع البعض لانه سيتحدث أصالة عن نفسه, وليس باعتباره ناطقا رسميا باسم الحكومة, واضاف ونحن الذين حملنا لواء تجربة الانقاذ الوطني نستشعر تحديا خاصا في هذه المرحلة, وقد مضى زمن مقدر ونحن نتولى مقاليد الحكم, وأصبح الناس يتطلعون الى ثمار هذه التجربة, ولا ينتظرون خطابها وأمانيها, اضافة الى أن الظروف من حولنا نضجت تماما بدليل الصراع والجدل الفكري والسياسي الدائر الآن, ويمكنني القول أنني من خلال الظلمات التي يراها الكثيرين ألمح أنوارا في البعيد, بمعنى أن ظروفا موضوعية لوحدة سياسية واجتماعية اكتملت أو كادت تكتمل, وذلك من واقع حوار الافكار وجلائها. وأحب أن أؤكد لكم بأنني أعتقد أن الافكار والرؤى أهم من الاشخاص, لذا سأخرج من ضيق التفسير القانوني الى أفق الحوار الفكري, وأعترف أن النقد الذي تم توجيهه للحركة الاسلامية بانه لا يجافي الحقيقة كثيرا, لكن على الآخرين والعالم كله أن يحكم لنا أو علينا من خلال تطبيقنا للدستور الذي طرحناه. ويواصل صلاح الدين بقوله: سأطرح سؤالا افتتح به تصوري لموضوع الندوة هو التالي: هل الحرية ضرورية؟ وأجيب بنعم ان الحرية هي شرط من شروط التكليف والحياة, وهي منبع الافكار ومحرك الابداع, ولابد من توفرها دون قيود معوقة, حتى يستطيع الانسان ان يؤدي دوره كاملا في الحياة بما في ذلك دوره الديني والاسلام أقر الحرية من خلال العديد من النصوص, وهذه الحرية التي منحها الاسلام للانسان لا يمكننا ان نجدها في اي فكر ديني آخر. وتاريخيا نجد أن العقل الغربي عندما تحرر من قيود الفكر الديني انطلق الى افاق أرحب في الحياة والعلم والانتاج, وعند الحديث عن الدين في العالم الاسلامي نلحظ أن ثمة قدرية سالبة طبعت تاريخ الاسلام الحديث وهي ترى أن (الدين يتعارض مع الوعي) , وهذه الرؤية غير سليمة بتاتا, لان ما نلحظه من دعوة او فكرة (انسانوية) تطبع الخطاب العالمي هي في الاساس من أولويات الاسلام والنصوص التي تدل على ذلك كثيرة, والحرية قرينة العقل الذي أودعه الله في الانسان. وفي هذا السياق سأطرح سؤالا تاليا: هل تنظم الحرية؟ ولكي أجيب عليه سأطرح سؤالا مغايرا: هل يجب علينا ان نستأنس بتجارب الآخرين؟ والاجابة نعم. وكثيرا ما نعتسف تفسيرنا للتأصيل والذي كثيرا ما يوصلنا الى نتائج مخالفة لما توصلت اليه البشرية وهذا خطأ جسيم لأن البشرية تاريخيا تجتمع في غرائزها ومعروفها ومنكرها, وما وصلت اليه هو في نهاية المطاف كسب تاريخي لنا كمسلمين, لذا أحسب أنه عندما نوافق على الاستئناس بتجارب الآخرين, نعود الى الاجابة على سؤالنا حول تنظيم الحرية, ونلحظ ان انسان الغرب يعيش في حرية منظمة, عليه نرى أن الضرورة تقتضي تنظيم الحرية في تجربتنا, لان تنظيم الحرية يفضي الى ايقاف بطش السلطة ان كانت باطشة, ويسمح للجماعات الاجتماعية والسياسية بممارسة مهامها الوطنية والفكرية والسياسية والرقابية, اضافة الى أن الحرية الفردية هي الضمانة الحقيقية للحيلولة دون دكتاتورية السلطة, ودكتاتورية الساسة, ودكتاتورية الجند, ودكتاتورية المجتمع, ويأتي تنظيم الحرية من أجل السلام الاجتماعي والاستقرار السياسي, لان أنهيارها يؤدي الى الفوضى. وفي اطار الاستئناس بتجارب الآخرين أرى أن المنفعة هي المبرر الاقوى لاي مبدأ اخلاقي خاصة فيما يتصل بحماية المجتمع, مع الأخذ في الاعتبار بالتفاوت الثقافي لتعريف مصطلح (المنفعة) , لذا أعتقد أنه لابد من توافر مرجعية لتعريف (المنفعة) كمصطلح وكدلالة, وكل ما توصل اليه المجتمع بالتجربة, او العلم بالبحث والتقصي, يمكن اعتماده كمرجعية لتفسير (المنفعة) وأنا أتفق في ذلك مع اضافة الى ما منع عنه الدين وبناءً عليه علينا الاعتماد على معيار الدين والتجربة والعلم والعقل. ويجب ان نتوقف عند المواقف الفكرية المتشددة التي تفضي الى نتائج (كارثية) مثل استخدام العنف, وهو في المحصلة موقف فكري لكنه ضار بالمجتمع, لذا يجب التعامل معه كواحد من مهددات الاستقرار والسلام الاجتماعي لأن الحرية تنتفي بانتفاء السلام الاجتماعي والاستقرار. وأنا شخصيا ميال الى مبدأ العقوبة الفكرية والمعنوية اضافة الى العقوبة الحسية. الحرية الاقتصادية وأعود الى طرح الاسئلة: هل الحرية الاقتصادية مطلوبة؟ وأجيب: أنها مطلوبة لأنها الضامن من الوقوع في براثن الطائفية القبلية السياسية وهي برأيي واحدة من أكبر أدواء الديمقراطية في العالم الثالث, ولابد بمقدار الحماسة للحرية السياسية والفكرية تبنى الحرية الاقتصادية. ونلحظ ان المجتمع يتعرض الى نفور الكفاءات التي تهاجر لاثراء مجتمعات اخرى او تحتمي بالدولة لتصبح قطيعا تابعا للدولة وهذا الأمر يسبب ضررا بالغا للمجتمع لذلك فان الحرية الاقتصادية قرين للحرية السياسية, والفكرية, لأن غيابها يؤدي الى نشوء بيروقراطية دكتاتورية تقوض الحرية متى جاءت وتكون أحد أهم أسباب إنهيارها. وعندما تكون أسباب القوة الاجتماعية في يد فئات معينة: سياسية, اجتماعية, ثقافية ستؤدي الى تحكم تلك الفئات في أقدار المجتمع السياسية, وعليه فان الحرية الاقتصادية تسمح بتشكيل قوى اجتماعية نوعية تشكل صمام أمان للسلام الاجتماعي أحد أهم شروط الحرية. كما انها تفضي الى توزيع المواهب بين المجتمع والسلطة وتحد من سيطرة الحكومة على تشكيل الرأي العام وتوجيهه, وأعتقد أن النماذج الغربية افضل من الكثير من النماذج الشرقية في هذا السياق. كمال الجزولي يرد (.. حوار اكثر.. تفجيرات أقل) . هكذا ابتدر المحامي المعارض كمال الجزولي حديثه واضاف: لم يترك غازي صلاح الدين مساحات واسعة للخلاف لانني أجدني أتفق مع الكثير مما قاله, لكنني أرى ان لدينا من الجمر, تحت أقدامنا ما يستدعي ان تحدثنا الحكومة عن حرياتنا السياسية في المرحلة الدستورية المقبلة, هناك دائما وقت للتحليق في هذه الأمور, لكن هنالك الأولويات الضاغطة, لان عنوان الندوة يختلف عن مرجعيتها الدستورية. والأهم من تنظيم الحرية السياسية هو ايجاد المناخ السليم لمثل هذه الحرية الأمر الذي يرجعنا الى الدستور وتحديدا المادة (26 ــ 1) و (26 ــ 2) (حرية التوالي والتنظيم) وهي تتحدث عن (التوالي) وأنا لم أعثر على مرجعية لهذا المصطلح اطلاقا في كل أدبيات الحركة الاسلامية العالمية والمحلية سوى لدى الدكتور حسن الترابي, وذلك في متن الورقة (البعد العالمي للحركة الاسلامية ــ التجربة السودانية), وذلك في ندوة عقدت في 1989م. بعنوان (الحركة الاسلامية رؤية مستقبلية ــ أوراق في النقد الذاتي) وجمعت لاحقا في كتاب صدر عن (مكتبة مدبولي ــ القاهرة) . و(التوالي) مصطلح نجد مرجعيته العملية في (دولة يثرب) في مطلع الاسلام وهو ما عرف بوثيقة (الصحيفة) وكما نعلم انها دولة تأسست على ملك وأقوام وأديان مختلفة, يود د. الترابي اسقاطها على الواقع السياسي الماثل الذي يختلف كلية عن دولة (يثرب) في تكوينه وبنياته وأعراقه وثقافاته, وأصل المصطلح جاء من خلفية دولة صغيرة في مساحتها أشبه بالمعسكر الحربي وهي تماثل مدينة أم درمان التي بناها المهدي وخليفته, وهي عبارة عن كتل اجتماعية تتطلب الضرورة توحدها في ظل ظروف مغايرة تقتضي التعاقد على السلم والتعاون لصد الهجمات المحتملة, وهنا أسأل ما علاقة ذلك بمفهوم (حرية التنظيم السياسي) كمصطلح عصري للدولة الحديثة؟ لأنني عندما أسمع هذه المصطلح أجد نفسي انصرف مباشرة الى حرية ان أعبر وان انتخب القناة التنظيمية التي أعبر من خلالها. هذه هي الحرية ببساطة. ولذلك يدور السؤال: هل اتجهت (الانقاذ) بكلياتها نحو هذه الفكرة.. أم هنالك رغبة في تفادي هذه القضية الواضحة, والاحتياج الملح الذي أدخلنا خلال تسع سنوات في عنق زجاجة حقيقي جعل الحرب التي تتمدد بيننا تصبح واقعا معاشا يعطل اقتصادنا. ويخرب علاقاتنا الخارجية ويعطل تنميتنا وحتى مستقبل أولادنا. الاعتراف بالآخر هل نحن بصدد مجابهة هذه القضية باستفهام؟ والاجابة واضحة؟ لابد من ان تبدأ الحكومة بالاقرار بوجود الآخر, وان كانت بدأت بانكاره وعزله عن الحركة الوطنية السودانية المنظمة في أحزابها ونقاباتها وجماعاتها المختلفة, حتى وأن بدأت بالانكار فليس عيبا في السياسة أبدا ان نرجع الى الموقف الصحيح ان كانت بداياتنا انطلقت من الموقف الخطأ, ولكن العيب هو الاصرار على المضي في طريق إنكار الآخر, لأن الانقاذ ان حرمت القوى السياسية الاخرى من ممارسة نشاطها سلميا, وقمعتها, لتأتيها من النافذة بالعنف. سيأتيك عبد العزيز خالد, وستنفتح الجبهات في الشرق والغرب و... حتى الشمال اضافة الى جون قرنق في الجنوب. الحل برأينا الاعتراف بالآخر ثم الخطوة الثانية باشاعة الحريات السياسية الكاملة والدعوة للتفاوض من أجل الخروج بثوابت يتفق عليها الجميع لا أن يشترطها طرف واحد في العملية السياسية, بعد ذلك يمكننا ان نخرج من هذه الثوابت بوثيقة سياسية, يمكن ان نصب ما توافقنا عليه في صيغة دستور, ثم يعقب ذلك وما أسهله, اصدار القوانين. لكن ان تستبطن الحكومة الاحساس بأن طريق قمع الحريات هو الطريق الصحيح, ثم لا تعترف بالآخر وتقمعه فهي تعود الى المربع الأول الذي انطلقت منه والذي أوصلنا خلال تسع سنوات الى ما نحن فيه الآن. الفرق كبير بين ان تنظم دولة قبل (1500) عام, وان تنظم حرية سياسية في دولة حديثة. اننا أمام مجابهة سؤال كيفية تحقيق حريات سياسية وفكرية في العصر الحديث؟ وفي هذه الحالة لا يمكننا استعادة التاريخ, لكننا يمكن أن نستهوي به في عالم اليوم. لأن الحياة اليوم اكثر تعقيدا مما كانت عليه قبل (1500) سنة. ونحن الآن امام مفاهيم صارت كونية لان سلام الداخل وسلامته ترتبط ارتباطا وثيقا بالسلام العالمي وحقوق الانسان والحريات العامة وسوى ذلك, لكن هناك قوى تتربص بالبلاد باسم الاسلام, وتريد ان تفرض علينا ما فرضته طالبان على مواطني افغانستان في الفترة الأخيرة, وهذا ما سيقود بلادنا.. لا الى القرون الوسطى, بل الى حال المجتمعات البدائية. والقضية ليست قضية تساكن الكتل الاجتماعية بل القضية هي (حرية التنظيم السياسي) التي لا يغنى تنظيم المجتمع عنها بأية حال, لأن السلام الاجتماعي لا يتحقق الا بالحرية واتفق مع د. غازي في أن ما أنجزته التجارب البشرية وما يقبله العقل يجب ان نقبله ونهتدي به, وأتفق معه في أن (المنفعة) التي تستند الى العقل, هي احدى مهتديات تنظيم الحياة, وفوق ذلك وأهم منه الديمقراطية الليبرالية (المستوردة من الغرب) وبالمناسبة كل شيء عندنا مستورد بما في ذلك (الفيدرالية) التي تعتبرها الحكومة من الثوابت فهي مستوردة من الغرب, وأعتقد أن (الديمقراطية الليبرالية) على علاتها افضل نمط من التنظيم السياسي الذي لا يحفظ للناس حقوقهم. أمين حسن عمر والتقط أمين حسن عمر خيط الحديث ليقول: (أعتقد أن الدستور أقر سائر الحريات وعلى الجميع ان يحكموا على الانقاذ بتطبيقها لما ورد في الدستور, لان الحوار الذي يدور في الساحة نوع من الهواجس, والدستور أقر الحريات بشروط ثلاثة هي: ان تكون المجموعة السياسية تريد أن تحقق منفعة لأهل السودان ــ أن تكون سلمية ــ وأن تكون قياداتها منتخبة ديمقراطيا. كما يمكن ان تكون الجماعة السياسية جهوية أو ثقافية وأرى أن الكلام الذي قاله كمال الجزولي حول (التوالي) ومرجعيتها غير صحيح ويمكننا ان نتناول هذا الأمر في ندوة أكاديمية لتفسير مصصطلح (التوالي) . أما الحديث عن طالبان فكما يعلم الجميع أنها صنيعة أمريكية كانت احدى أذرع المخابرات الأمريكية في المنطقة الاسلامية وهي تمثل (النموذج الاسلامي) الذي تود أمريكا تسويقه للعالم ويسعدها أن ترى طالبان نموذجا ظلاميا تبرر به هجماتها على الاسلام وجماعاته. د. أحمد بلال أضم صوتي لكمال الجزولي فيما قاله حول حديث د. غازي الذي لم يترك هامشا للخلاف معه, خاصة فيما يتصل بالاعتراف بتجارب الآخرين, وما أنجزته البشرية خلال آلاف السنين, والدين الاسلامي لم يطالب بالتقوقع, اضافة الى قوله عن الاهتداء الى العقل والعلم والافادة من منجزاته في تنظيم الحياة والحريات السياسية. وكذلك الأمر بالنسبة للمنفعة. وأعتقد أن الديمقراطية الليبرالية والتعددية السياسية هي الترجمة الفعلية للحرية السياسية وتنظيمها, وعلى الرغم من التوجسات التي صاحب الحديث حولها أعتقد أننا بدأنا نجني ثمار جهودنا من أجل سيادة الديمقراطية. أما عن الحريات التي وردت في الدستور فلا غبار عليها من وجهة نظرنا, وكان الحديث الذي دار حول الدستور أغفل الحريات واتجه الى مصطلح (التوالي) . وأود ان أطرح سؤالا: هل تتراجع الانقاذ عن الحريات التي أقرتها والتي جاءت في الدستور؟ أعتقد أن الدستور في حد ذاته بداية معقولة للوصول الى التعددية والديمقراطية وهو كفيل باخراجنا من النفق المظلم الى فضاء السلام الاجتماعي والاستقرار السياسي, ويمكننا بالحوار ان نصل الى واقع سياسي واجتماعي يسهم في تطوير بلادنا وسعادة انسانها. غازي سليمان وقال غازي سليمان المحامي في مداخلته: لقد كان حديث د. غازي صلاح الدين موضوعي, ونحن لا يهمنا ان كان يتحدث أصالة عن نفسه أو باسم الحكومة لأنه من رموز (الانقاذ) , والسؤال هو: هل تنظم الحرية السياسية؟ والاجابة: نعم يتم تنظيم الحريات السياسية بقانون العقوبات وليس ثمة قانون آخر يمكنه تنظيم الحريات السياسية لأن ذلك يعني أنه قانون استثنائي مثل قانون الطوارىء أو غيره. لأن العمل السياسي والحريات العامة ينظمها القضاء المستقل لا القوانين الخاصة. الآن في ظل الدستور والحريات كما يقول د. غازي لدينا الشيخ عبد المحمود أبو والحاج عبد الرحمن نقد الله من المعارضين, وهم من أربعة اسابيع رهن الاعتقال لا يعرف أحدا لا من ذويهم ولا أصدقائهم أين هم الآن؟ نحن نريد حديث مباشر وصريح, لا توجد حريات ولا توجد قوانين سوى المرسوم الدستوري الثاني الذي قضى بحل الاحزاب والنقابات وسائر التنظيمات السياسية والمهنية. أما حديث أمين حسن عمر حول (التوالي) فهو لا يطفىء ظمأنا لاننا لانعرف حرية لا تحترم أحزابنا الوطنية: حزب الأمة, الحزب الاتحادي الديمقراطي, الحزب الشيوعي السوداني, حزب البعث العربي الاشتراكي وسواها ومن دون ذلك (توالي ... مافي). التعقيبات الختامية كمال الجزولي: أشكر أمين حسن عمر وأظن أنه جاء الى هذه الندوة ليرد عليّ شخصيا, فنحن كبرنا على طريقة (أركان النقاش), في الجامعات. لقد كتبت اكثر من عشرين مقالا وحديثا صحافيا حول مصطلح (التوالي) ولم يرد عليها أمين حسن عمر رغم أنه يمتلك جريدة حكومية يومية. ان تجربتنا الديمقراطية ليست كتجربة وستمنستر بدءً بالدائرة الجغرافية وتعقب الرعاة ودوائر الخريجين.. الى دعوتنا الى دوائر خاصة بالمهنيين كل ذلك لا يشبه (ديمقراطية وستمنستر) لأننا قمنا بسودنتها, وسأظل على المستوى الشخصي أدعو الى سودنة الخبرات والتجارب البشرية لأننا شعب يتميز بالثراء والغنى الثقافي والسياسي والاجتماعي. غازي صلاح الدين: الندوة أكدت على سلامة منهجي, لأنها من المنافذ القليلة التي أتحدث فيها أصالة عن نفسي, صحيح أنني من رموز (الانقاذ) لكن لي رأيي الخاص, وما قلته في هذه الندوة لا يمثل بالضرورة رأى (الانقاذ) , ان الحجة المبنية على الاعتبارات الفكرية هي الضمان الحقيقي لايصال الهدف وتوليد المواقف العملية, وكلمة التوالي حملت اكثر مما تحمل, وأقول هنا كناطق باسم الحكومة, ان (التوالي) تعني حرية التنظيم السياسي ولا تعني اي شيء غير ذلك. وأدعو كل الذين يمثلون تيارات سياسية أو فكرية الى المساهمة في قانون تنظيم الاحزاب. واتفق مع كمال الجزولي في ان الديمقراطية الليبرالية هي الافضل لحكم السودان, لكن مع سودنتها كما قال الجزولي, مع اعتماد العلم والدين والتجارب البشرية كمرجعية لسودنة الديمقراطية الليبرالية. وأرى ان نموذج الحرية الاقتصادية الذي طبقته الانقاذ ليس نموذجيا وبه الكثير من المتاعب, النموذج الذي نبتغيه يقوم على توافر الحرية الاقتصادية دون احتيال او التفاف من الدولة لمصادرة الحرية الاقتصادية لتصير رديفا للحرية السياسية والديمقراطية. سجلها ـ محمد الاسباط