عندما قامت عناصر حزب العمال الكردستاني التركي بأول هجومها المسلح على موقع عسكري جنوب شرق تركيا في 13 أغسطس 1984 لم يكن أحد من المسؤولين الأتراك يتوقع للمشكلة الكردية أن تصل إلى ما وصلت إليه خلال 14 سنة , فهذه المشكلة كلفت تركيا حتى الآن ما لايقل عن 80 مليار دولار في الوقت الذي لقي فيه ما لا يقل عن عشرة آلاف من عناصر الجيش والأمن وحراس القرى الأكراد المتعاونين مع الجيش والأمن مصرعهم مقابل مائة ألف من الجرحى من العسكريين والمدنيين. كما لقي حوالي خمسة آلاف مدني مصرعهم في الاشتباكات التي قتلت قوات الأمن خلالها 25 الفا من عناصر حزب العمال الكردستاني سواء داخل تركيا أو في العمليات التي قام بها الجيش التركي شمال العراق في الوقت الذي اضطر فيه ما لا يقل عن ثلاثة ملايين من سكان المنطقة للهرب من بيوتهم وقراهم إلى المدن الكبيرة كاسطنبول وانقرة وأزمير واضنة وانطاليا. إذ أثبتت التحقيقات الرسمية أن قوات الجيش قد دمرت وأحرقت وأخلت حوالي ألفي قرية جنوب شرق البلاد وأن سكانها يتعاونون أو يتعاطفون مع عناصر حزب العمال الكردستاني التركي, والذي استطاع للفترة من 1991 و1993 السيطرة على الوضع العسكري والأمني في المنطقة, كما أن غالبية الشعب الكردي في المنطقة يتعاطف مع الحزب الذي وصل عدد مقاتليه المسلحين خلال تلك الفترة إلى خمسين ألف مسلح جنوب شرق تركيا أو في شمال العراق, ومع ذلك فلم تكن هذه القوة كافية للتصدي للجيش التركي الذي اعترفت له رئيسة الوزراء تانسو تشيلر آنذاك بكافة الصلاحيات لحسم المشكلة الكردية ومهما كلفه ذلك, إذ لوحظ بعد ذلك بأن الجيش بدأ يشتري كافة الأسلحة والمعدات العسكرية الحديثة والمتطورة والتي تساعده لكشف أماكن ومراكز تجمعات الحزب الكردستاني جنوب شرق البلاد وشمال العراق, كما استنفر كل امكانياته في مجال الاستخبارات لجمع أكبر عدد ممكن من المعلومات عن تحركات ونشاط الحزب وعلاقاته داخل تركيا, إذ زاد عدد المعتقلين والمستجوبين خلال عشر سنوات على 150 ألف شخص. كما كشفت أنقرة عن علاقاتها العسكرية والأمنية والاستخباراتية مع تل أبيب التي أعطتها معلومات مهمة عن نشاط عناصر في شمال العراق ولبنان وسوريا وأرمينيا وايران بل وحتى في الدول الأوروبية, إذ لم تتردد انقرة في التنسيق والتعاون مع جلال الطلباني أولاً ومن ثم مع مسعود البرزاني لكسبهما إلى جانب تركيا في حربها ضد الحزب الكردستاني التركي. ووصل عدد عمليات التوغل التركية بشمال العراق إلى (11) عملية وانتهت بإنشاء حزام أمني في المنطقة وداخل الاراضي العراقية بعمق يتراوح بين ثلاثة كيلو مترات وعشرة كيلو مترات دون أن يمنع كل ذلك عناصر الحزب الكردستاني من التوغل عبر الحدود المشتركة بين تركيا والعراق ونصبت فيها أنقرة شبكة جديدة من الرادارات الاسرائيلية والأمريكية المتطورة, وعلى الرغم من كل هذه التدابير الواسعة فعناصر الحزب الكردستاني يقومون بعملياتهم المسلحة بين الحين والحين في العديد من مناطق جنوب شرق البلاد. ويعترف المسؤولون الاتراك رسميا بأن للحزب مالا يقل عن 4500 مسلح داخل تركيا وشمال العراق, في الوقت الذي تبين فيه كل الدراسات المستقلة بأن ما لا يقل عن 70% من الأكراد يتعاطفون مع الحزب الكردستاني الذي يبدو أنه نجح في إشعال نار القومية في نفوس هؤلاء الذين يعيشون في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة جدا منذ عدة سنوات. وبرغم ان قضية الأكراد أصبحت من القضايا المزمنة التي يعاني منها بعض دول الشرق الأوسط الا ان الدول الكبرى ما زالت غير قادرة على حسم هذه القضية, فهذه الدول تتجه دائما لمحاولة حل القضية دون السماح للأكراد أصحاب القضية بلعب أي دور فيها, وهو الهدف الذي يسعى إليه حزب العمال الكردستاني على مدى الـ 14 عاماً الماضية.