بدأ مشروع الشرق اوسطية امريكي الصنع والتحرك, عقب نهاية الحرب العالمية الثانية وواكب اقامة المشروع الصهيوني في عام ,1948 بهدف ترسيخ كيان اسرائيل في فلسطين لتذويب الهوية العربية , وروجت له اوروبا فيما بعد لغرس هذا الكيان الاسرائيلي اليهودي في قلب وكيان الامة العربية كاملة, كعنصر موجود كامل العضوية واجب الاعتراف به والتعامل معه, وتفتقت اجندة عمل الساسة الغربيين وافكارهم لتصب في هذا المجرى الشرق أوسطي, لمحو هوية الامة العربية, وتذويب شخصيتها, وكان في مقدمة تلك المشروعات الشراكة الاوروبية المتوسطية, والتي بدت كعنصر مشجع دفع بالعديد من الدول العربية للوقوع في الشرك السياسي, على الرغم من عدم التكافؤ والشروط الظالمة التي تفرضها اوروبا لاتمام هذا المشروع, الذي وجد في الاصل من اجل عيون اسرائيل, ولخدمة المصالح الاوروبية وليس المصالح العربية, حتى ان بعض المؤسسات المالية الدولية تشترط قيام مشروعات في اطار الشرق اوسطية حتى يتم تمويلها وامدادها بالمساعدات, ومن هنا تقلصت المساعدات الدولية والقروض الموجهة لدول فردية بذاتها, وتم توجيهها إلى تلك المشروعات الشرق اوسطية, حتى تكون لاسرائيل يد فيها أو تداخل في تفاصيلها. والمناهضون لمشروع الشرق اوسطية, يعلمون تماما ما ينطوي عليه من خطورة على الامة العربية وتجمع مصالحها بل والامن العربي, لذلك لم تهدأ هذه الاصوات, ولن تكل عن كشف ما يطويه هذا الترويج الشرق اوسطي من تهديدات لوطننا العربي, ولعله من المفارقات العجيبة التي تجعلنا نقف مع انفسنا, لنتأمل ما يفعله الغرب فينا وما نقبله لانفسنا, وما يفعلونه هم انفسهم للحفاظ على هويتم الغربية, فها هي اوروبا تتوحد وتتجمع وتتكتل, رغم الاختلافات والفوارق الدينية واللغوية وحتى خلافات الثأر التاريخية القديمة, فينضم الشرق الشيوعي السابق للغرب الرأسمالي في كيان واحد اوروبي, ويبذلون لاجل ذلك المشروع مليارات الدولارات, لتوحيد العملة وتوحيد الاقتصاد. وقد شهدت السنوات الاخيرة مئات المناظرات والمنتديات والكتابات, التي دارت حول المخاوف على الهوية العربية من ان تتوارى من الساحة الدولية, خلف المشروعات المستجدة التي تدور مرة في اطار العولمة واخرى في اطار التكتلات الاقليمية, ومن اهمها واخطرها: ــ المشروع الاقتصادي (الشراكة المتوسطية الاوروبية) . ــ المشروع السياسي الاقتصادي (الشرق الاوسط) . ويجد المشروع السياسي الاقتصادي (الشرق الاوسط) تغذية سياسية واعلامية غربية وامريكية, ولقد بدأت نتاجات هذه التغذية, تفرز ملامح جديدة تهدد بغياب كلمة العرب أو الدول العربية, بصورة نهائية من بؤرة الاعلام الغربي, حتى كتب التاريخ الحديث الرسمية, بدءا من المراحل الابتدائية وحتى الثانوية والجامعية تتحدث عن الشرق الاوسط في مناهجها, ومن مخاطر ذلك على الهوية العربية تأصيل الافكار السلبية المسبقة, والصورة المشوهة لدى المجتمعات الاوروبية عن الانسان العربي, وبالفعل بدأ الشارع الاوروبي في شتى مناحي الحياة العملية يخلط عن عمد بين الانسان العربي والاسرائيلي, ولو استمر الامر على هذا النحو فبدون شك سيؤثر ذلك على مختلف العلاقات بين الدول العربية والاوروبية. ومن ناحية اخرى يزداد الامر خطرا, بسبب اننا في بلادنا العربية اصبحنا نستخدم تعبير الشرق الاوسط, للاستدلال على اخطر القضايا التي تمس مصلحة المواطن العربي, واكثر من يقود مدرسة الشرق الاوسط, هم المعارضون لمشروع القومية العربية, الذين يعتقدون انهم على هذا النحو يحققون اهدافهم, وهم في غيبة عن الواقع العربي الجديد, الذي يفرض توجهات عملية جديدة نحو توحيد المصالح العربية بعيدا عن الشعارات والنرجسية, والهوية العربية تتأرجح بين امن التجمع العربي وخطر الشرق اوسطية. بداية الاسم الحقيقي للمشروع هو (نظام الشرق الاوسط) ويعتبر (سوق الشرق الاوسط) قسما منه, وتم تحديث هذا المشروع في جامعة هارفارد الامريكية, في منتصف السبعينات بعد حرب اكتوبر, وذلك على شكل اوراق وملفات دراسية قام بها بعض الدارسين من مختلف الجنسيات الاوروبية والامريكية, ومنهم من سافر خصيصا لهذا الهدف واقام في عدد من البلاد العربية, اهمها مصر, لبنان, الاردن, دول المغرب العربي, وبعضهم كان من (الدبلوماسيين) العاملين في سفارات اوروبية, ودارسي اللغات الشرقية والدين الاسلامي, وجاء المشروع على خطوات. وفي عام 1965 كلفت رئيسة وزراء اسرائيل (جولدا مائيير) دافيد هوريفيتز باعلان مشروع السوق المشتركة في الشرق الاوسط. ثم المفاوضات متعددة الاطراف التي تمت في مدريد بتاريخ 30 اكتوبر 1981 والتي جرت تحت اسم عملية سلام الشرق الاوسط. ومعظم الدراسات ورسائل الدكتوراه التي نوقشت في جامعات بلجيكا وهولندا, منذ منتصف الثمانينات وحتى الان تناولت العالم العربي بتسمية الشرق الاوسط متضمنة اسرائيل. واعلن شمعون بيريز في عام 1986 عن مشروع تنمية الشرق الاوسط والذي اسماه في حينه مارشال للشرق الاوسط. ثم اعلن رئيس امريكا السابق (جورج بوش) في مارس 1991 عن عدد ست نقاط ذكر في واحدة منها التأكيد على كل الاطراف معرفة ان صنع السلام يتطلب حلولا وسطا في الشرق الاوسط. وفي منتصف عام 1992 قام المستشرق الامريكي البريطاني الاصل (برنارد لويس) بالتشفي في العرب معلنا نهاية القومية العربية بلهجة ساخرة, وقام بتحديد منطقة الشرق الاوسط, وتضمن تعريفه جمهوريات وسط آسيا الاسلامية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. اما شمعون بيريز فقد شرح الاعمدة الستة لمشروع الشرق الاوسط في شهر نوفمبر عام 1992 اثناء لقائه مع عدد من المثقفين في مركز الشرق الاوسط, ولم يخف في رؤيته ان على الدول العربية ضرورة الاتفاق مع اسرائيل على قضايا التسليح والبناء والاقتصاد والبيئة وانظمة الحكم وتوزيع الثروات, ولقد اراد بهذه الرؤية توصيل مضمون رسالة مشروع الشرق الاوسط. وكما اوضحنا عاليه ان بعض السياسيين العرب وقع في الشرك السياسي. في 27 فبراير 1993 صرح الدكتور (يوسف والي) في جريدة الاهرام المصرية قائلا: هناك حاجة لقيام تكتل اقتصادي كبير في الشرق الاوسط. وفي هذا الاطار الدلائل والبراهين كثيرة على وجود خطة لتغيير تركيبة المنطقة العربية, وتذويب هوية الانسان العربي, لتحل محلها هوية شرق اوسطية, فهل نترك هذا المخطط يتحقق؟ ام نتمسك بعروبتنا ومصالح الانسان العربي, ونستبدل الجدل بالنظر لواقع وحضارة العرب, ونضع نهاية للحوارات والخلافات العقيمة, ونسعى جاهدين لتحقيقها بمشروع عربي خالص الفكر والنية, من اجل امن وتقدم وطننا العربي.