يحلو للبعض أن يطلق على حكومة الدكتور عبد السلام المجالي أنها حكومة (مشكلات) فهي منذ جاءت للحكم مارس قبل الماضي لم تتوان عن الدخول في عدة أزمات مع مختلف القوى والاتجاهات السياسية والنقابية في الأردن, واذا كان هذا النوع من الصدامات مما يمكن احتماله ومواصلة الحكومة لمهامها بالرغم من وجوده, فإن الصدام مع الشعب أيا كان نوع هذا الصدام, لا يمكن ان يكون سوى مؤشر على بدء العد التنازلي لمصير أية حكومة . ومن هنا كانت أزمة تلوث المياه من عمان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير, وفجرت سخطا كان كامنا ما دعا الملك حسين ــ تجاوبا مع الشعب ــ الى توجيه رسالة توبيخ لرئيس الوزراء يشير فيها الى ان الكيل قد فاض ولم يعد من الممكن احتماله. البعض اعتبر ان هذه الرسالة بمثابة رصاصة الرحمة على حكومة المجالي وان أيامها في الحكم انتهت وليست معدودة, وأنه لم يعد متبقيا سوى عودة الملك حسين من رحلة العلاج لتشييع جنازة حكومة المجالي رسميا. وفيما بدا محاولة يائسة لتحاشي السقوط, رغم أن نذره كانت ماثلة, اعلنت الحكومة استقالة وزير المياه منذر حدادين متصورة بذلك أنه يمكن أن يكون قربانا تكفر به عن تقصيرها في معالجة أزمة تلوث المياه, وهو التقصير الذي وصفته لجنة نيابية بأنه يعبر عن نوع من عدم الاحساس بالمسؤولية. ورغم أن ملامح الفترة المقبلة قد تكون محددة وواضحة, ورغم ان حكومة الظل قد يكون انتهى تشكيلها بالفعل, الا ان تفاعلات الأزمة التي تمس عنصرا حيويا من عناصر الحياة وهي المياه مازالت تتواصل وسط محاولات لابعاد الاتهامات من قبل الحكومة (الحالية) . المياه الملوثة تعكر القناة الرئيسية مع الشعب بعد اقل من 48 ساعة على الرسالة التي وجهها الملك حسين عاهل الاردن, من على سرير الشفاء في مستشفى مايو كلينك في الولايات المتحدة الى ولي عهده الامير حسن والتي حملت توبيخا حادا لحكومة الدكتور عبد السلام المجالي لجأت الحكومة الى خطوة تريد بها إطالة عمرها والبقاء في موقعها وذلك باعلانها استقالة الدكتور منذر حدادين وزير المياه والري بهدف اظهار أن مشكلة تلوث المياه يتحمل مسؤوليتها الوزير وحده, متناسية ان الملك حسين عبر عن استيائه من الاسلوب الذي تتبعه الحكومة في العديد من القضايا وليس فقط مسألة تلوث المياه بالعاصمة. الحكومة التي بادرت الى اقالة وزير المياه واسناد منصبه الى وزير الطاقة والثروة المعدنية ظنت ان هذه الخطوة ستسعد الجماهير والمراجع العليا سلسلة الازمات التي افتعلتها وهي الازمات التي اوصلت الملك حسين الى توجيه هذه الرسالة التوبيخية وهو على فراش المرض. ويعد مرض الملك حسين السبب الرئيسي الذي اطال في عمر الحكومة حيث كانت كل الدلائل تشير الى رحيلها قبل نهاية الشهر الماضي وبعد عودة الملك حسين من زيارة كانت مقررة الى باريس في 21 يوليو الماضي غير أن الزيارة الغيت بسبب المرض المفاجىء الذي ألم بالعاهل الاردني. لقد تلاحقت التطورات في مسألة تلوث مياه الشرب وجاءت ذروة هذه التطورات باقالة وزير المياه والري واسناد منصبه الى وزير الطاقة الدكتور محمد صالح الحوراني. وجاءت اقالة الوزير في محاولة من الحكومة لاطالة عمرها وذلك بعد ان اصدرت اللجنة المشتركة في مجلس النواب لجنتي المياه والصحة تقريرا حول تحقيقاتها بهذا الشأن حملت فيه الحكومة مسؤولية ما حدث. استهتار ومذكرة وقالت اللجنة النيابية ان الحكومة تعاملت مع قضية تلوث المياه بنوع من عدم الاحساس بالمسؤولية. واضاف تقرير اللجنة أن المياه القادمة من طبريا محملة بمواد عضوية وطحالب بكميات كبيرة جدا لم تكن المحطة مؤهلة لاستقبالها استعدادا لتغيير نوعية المياه القادمة من هناك. ووصف تعامل الجهات المسؤولة مع القضية بالبعد عن المصداقية والشفافية وعدم مصارحة المواطنين بالحقيقة. ورفضت اللجنة في تقريرها المبررات التي ساقتها الجهات المسؤولة لانها تفقد المواطنين ثقتهم بالادارة وبكل اجراءات الحكومة. وطالبت الحكومة باجراء دراسات جادة ومسؤولة حول نوعية المياه التي تصل الى المواطنين وبيان الآثار الناجمة عن جميع الملوثات الموجودة فيها. وأوصت اللجنة بضرورة تشكيل لجنة وطنية من الخبراء العاملين في مجال المياه بدراسة البدائل المتوفرة والممكنة الآنية وعلى المدى المتوسط والبعيد لمعالجة مشاكل المياه. وأعربت اللجنة عن املها في ان تكون لجنة التحقيق الرسمية التي تم تشكيلها محايدة مطالبة باشراك القطاع الخاص بها لتعزيز ثقة المواطن بنتائج التحقيق. قبل اقالة الوزير كان عدد من النواب قد بدأ بجمع التوقيعات على مذكرتين الاولى تطالب بحجب الثقة عن الحكومة والثانية تطالب باقالة وزير المياه. وجاء في المذكرة التي تطالب بحجب الثقة عن الحكومة والتي وقعها 17 نائبا ان حجب الثقة يجيء بسبب فشل السياسات الادارية والتنموية وفشل الحكومة في مواجهة الفساد الاداري والمالي وتضارب أرقام النمو الاقتصادي وتلوث المياه وعرف من النواب الذين وقعوا على هذه المذكرة كل من الدكتور عبد الله العاكايلة, عايد العضايلة, نزيه عمارين, نشأت حمارنة, خليل حدادين, زياد الشويخ, احمد آل خطاب, محمد الازايدة. اما المذكرة التي تطالب باقالة وزير المياه فقد وقعها 21 نائبا عرف منهم محمد الازايدة, أحمد آل خطاب, منصور مراد, وليد عوجان, خليل عطية, صالح الجبور, عبد المجيد الاقطش, محمد ابو هديب, سلامة الحباري, احمد عناب, زياد الشونج. مراحل التحقيق قبل هذه التطورات بيومين كان الملك حسين قد وجه رسالة للامير حسن طالب فيها بتشكيل لجنة تحقيق بهذه المسألة وفور ورود الرسالة تم تشكيل اللجنة برئاسة القاضي عيد اللوزي أمين عام وزارة العدل. وقد بدأت اللجنة والتي تضم أحد مسؤولي دائرة مكافحة الفساد عملها منذ صباح يوم الاحد الماضي حيث تنتهي من مهمتها خلال عشرة أيام وستقدم تقريرها النهائي لكشف الحقائق يوم 19 اغسطس الجاري. وبسؤال الدكتور عبد الله النسور نائب رئيس الوزراء وزير الاعلام عن الاجراءات التي ستتخذها الحكومة بعد الانتهاء من هذا التقرير قال ان الخطأ الذي وقع كبير جدا وخطير ومؤلم وان الملك حسين والامير حسن مهتمان جدا بهذا الموضوع ويتابعانه بدقة من اجل كشف الحقائق مشيرا الى ان التحقيق سيطال كل من قصر او اهمل في عمله وبصورة جدية. وحول احتمال استقالة الحكومة او تقدم المزيد من المسؤولين والوزراء باستقالاتهم على خلفية هذه القضية قال النسور ان هذا رهن بالتحقيق الذي يحدد المقصرين وقد يكون هناك استقالات او تحويل الى المحاكم وهنا كتاب التكليف واضح بضرورة الكشف عن الفاعلين والمتضررين. وقال النسور ان كل الحكومات تخطىء ولكن هناك اخطاء كبيرة وجسيمة يجب ان يكون فيها عقاب واخطاء صغيرة تقع بين الحين والآخر, مؤكدا في الوقت ذاته ان الحكومات في كل انحاء العالم تخطىء وهنا يأتي دور المجتمع في التصدي للاخطاء وللمهملين من خلال القانون. اما حول استقالة الحكومة بعد ظهور نتائج التحقيقات فقد قال النسور (اننا نعمل بتكليف من الملك وهو صاحب الحق في التغيير او التبديل) واكد ان الملك يتابع ويهتم بكل شاردة وواردة وهو يرقد على سرير الشفاء ويطلع على كافة التطورات ويتابع القضايا الصغيرة قبل الكبيرة من خلال الاتصالات المستمرة مع الامير حسن. رئيس لجنة المياه النائب المهندس سلامة الحياري رئيس لجنة الزراعة والمياه في مجلس النواب قال انه علم بمشكلة تلوث المياه يوم 12 يوليو الماضي حيث قمنا على الفور بتحركات عملية للوقوف على سبب المشكلة, ودعوت لجنة الزراعة والمياه في مجلس النواب الى اجتماع طارىء واستقدمت اللجنة الخبراء والمختصين في المياه من هذا الوطن وتمت مناقشة كافة التقارير المتوفرة في ذلك الوقت وكان منها تقرير الجمعية العلمية الملكية. وقد تبين ان هناك أحمالا عضوية في المياه ومن ضمنها اعداد كبيرة من الطحالب قدمت من بحيرة طبريا كما وجدنا بما لايداع مجالا للشك ان محطة زي لم تكن مهيأة لاستقبال هذه الاحمال العضوية الهائلة ولم تهيأ لها. وانتقد الحياري اسلوب الحكومة في التعامل مع هذه القضية, وقال: لو قامت الحكومة بمكاشفة الناس ومصارحتهم بالحقيقة لما تفاقمت المشكلة الى هذا الحد, لكن للأسف لم يحدث ذلك بل على العكس فقد اعلن وزير المياه في اليوم التالي اي في 13 يوليو ان المشكلة انتهت وان المياه سليمة وصحية مما اوجد بونا شاسعا بين الحاكم والمحكوم حيث ان الاخير كان يرى على ارض الواقع ان المشكلة مازالت قائمة. دور وزير الصحة قال رئيس الجمعية الوطنية لحماية المستهلك الدكتور محمد عبيدات ان استقالة وزير المياه تحقق جزءا من المطلب الشعبي في مساءلة المسؤولين عن تلوث المياه حيث يبقى بعد هذه الاستقالة تحديد المسؤولية القانونية والعقاب الذي يترتب عليها تحقيقا لمبدأ الشفافية والمصداقية. وأضاف الدكتور عبيدات ان المفاجأة كانت ان الطرف الثاني الذي يتحمل المسؤولية مع وزير المياه وهو المسؤول عن صحة المواطن وزير الصحة الذي لم يحرك ساكنا تجاه هذه القضية. وطالب الدكتور عبيدات وزير الصحة ان يحذو حذو زميله وزير المياه ويقدم استقالته احتراما لمشاعر المواطنين واظهارا لتحمله لمسؤولياته وعدم الاستمرار في المكابرة والتنصل من المسؤولية. واوضح ان قانون الصحة العامة أعطى لوزير الصحة الصلاحية الاولى في منع ضخ المياه الى المواطنين في حال ثبوت تلوثها وان عدم مطابقة المياه الواردة من محطة زي الى عمان للمواصفة الاردنية رقم 286 من حيث اللون والرائحة والطعم كافية لاثبات هذا التلوث دون الخوض في الفحوصات الكيماوية والجرثومية بحيث وصل هذا التلوث الى مرحلة ظاهرة للعيان من خلال الخواص الفيزيائية. ودعا الدكتور عبيدات نواب الأمة لتحمل مسؤولياتهم الوطنية وحجب الثقة عن وزير الصحة لمشاركته وزير المياه في عدم الافصاح عن المعلومات التي تؤكد تلوث المياه الواردة من بحيرة طبريا الى عمان عبر محطة زي للتنقية. وقال ان مشكلة تلوث المياه لاتزال قائمة بعد استقالة وزير المياه, والعائلات في مناطق عمان الغربية غير قادرة على توفير المياه الصالحة للشرب لابنائها, كما طالب بتعويض عادل لكافة الاسر التي تضررت جراء تلوث المياه. وزارة المياه والمسؤولية من ناحيته اكد رئيس جمعية اختصاصيين الصحة العامة الدكتور عدنان عباس على ان وزارة المياه هي الجهة المسؤولة قانونا عن مصادر المياه مسؤولية تامة وان دور وزارة الصحة ينحصر بالرقابة على نوعية المياه بما يتلاءم مع صحة المواطن ومطابقتها للمواصفة الاردنية. وقال: لقد عكفت وزارة الصحة منذ الساعات الاولى بعد ان تأكدت من وجود رائحة وطعم ولون للمياه على دراسة هذا الأمر وقامت على الفور بالطلب من المواطنين بغلي المياه قبل شربها كاجراء وقائي. وبين ان الدراسات التي اجرتها الوزارة اظهرت وجود نسبة مرتفعة من الطحالب الخضراء الزرقة والتي مصدرها بحيرة طبريا حيث تعيش هذه الطحالب بشكل طبيعي في المياه الراكدة وشبه الراكدة كما هو الحال في هذه البحيرة. وقبل أزمة المياه كانت مشكلة أرقام النمو الاقتصادي والتي كانت صفرا للعامين 1996 و1997 وهي القضية التي اثارت جدلا نيابيا وشعبيا واسعا حول أداء الحكومة. بقي ان نقول ان حكومة الدكتور عبد السلام المجالي تترنج هذه الأيام تحت وطأة الازمات وان يوم 19 اغسطس الجاري سيكون يوما حاسما بالنسبة لمستقبلها. عمان ــ خليل خرمة