اتخذت سوريا قرارها بالوساطة والتهدئة, فدخلت الخلافات (النارية) خلال الايام الاخيرة, بين رئيسي مجلس النواب نبيه بري, ومجلس الوزراء رفيق الحريري في (اجازة اجبارية) تترافق مع الاجازة العائلية التي يمضيها رئيس الحكومة مع عائلته في سردينيا, ومع اقتراب العطلة السنوية لمجلس النواب والتي تبدأ في 15 الجاري . واذا كانت القيادة السورية قد بادرت كالعادة الى تبريد الخلافات بين اركان الحكم اللبناني, وكبار المسؤولين فيه, تحت شعار يقول ان كل القضايا مثار الخلاف, خاصة مشروع سلسلة الرتب والرواتب, وكيفية تمويله, مؤجلة للبحث الى العهد الرئاسي المقبل الذي سيتحدد رئيسه الخريف المقبل بانتخاب رئيس جديد للجمهورية, الا ان اسرائيل رفعت كعادتها ايضا من وتيرة اعتداءاتها اليومية. وتلاحظ المصادر ان القيادات اللبنانية المعنية عكست الى حد بعيد, بوصلة الخلافات فيما بينها بعد الوساطة السورية, بحيث لا يبقى استمرارها فيها مساهمة غير مقصودة وغير مباشرة في تخريب الوضع الداخلي, وفق المخطط الاسرائيلي. ودعت دمشق الى تأجيل القضايا مثار الخلاف, الى العهد الرئاسي الجديد مؤكدة في المقابل وعلى لسان نائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام انه: (لو كانت الحكومة هي التي ارسلت مشروع سلسلة الرتب والرواتب بالارقام الكبيرة الجديدة لكان عليها ايجاد موارد لتغطيتها, اما وان اللجان النيابية هي التي اقترحتها, فان على مجلس النواب المساهمة في ايجاد موارد السلسلة) . وفي ضوء ذلك اقترح خدام: (طي هذه الامور الى العهد الجديد) . ويطرح احد المراقبين السياسيين في بيروت, في ضوء ذلك تساؤلا عما اذا كانت دمشق باتت مقتنعة ان الطاقم السياسي الحاكم في لبنان حاليا قد استنفد قدراته وبات من اللازم تغييره, وبالتالي البحث عن فريق عمل جديد ينعش الجمهورية ويعالج مشاكلها, بدءا من العهد الرئاسي الجديد. وينقل المراقب عن زوار الى دمشق ان المسؤولين هناك يعتقدون ان ذلك الطاقم السياسي: (قد نال فرصته الكاملة, وانه لم يثبت بالمجمل كفاءة وقدرة وحرصا على مقدرات البلاد التي تحملت الكثير, وبالتالي لا يجوز تحميل الشعب اللبناني المزيد من الاعباء. ونقل محللون عن زوار دمشق ايضا قول مسؤولين سوريين: (ان دمشق وقفت دائما الى جانب لبنان وقدمت كل المساعدات من أجل اعادة بناء مؤسساته, ودعم وحدة أبنائه. ويضيف هؤلاء: ان دمشق كانت ولا تزال تنصح كل الفرقاء في لبنان, بأن يقفوا لمراجعة مواقفهم في اتجاه تصويب ممارساتهم وفي اتجاه التخلص من الرواسب الطائفية والمذهبية وصولا إلى ممارسة وطنية بعيدة عن التصاريح. وينقل الزوار عن مسؤولين في دمشق : ( ان الفرصة مواتية الآن عشية الاستحقاق الرئاسي, لأن يتوصل المسؤولون في لبنان إلى الاقتناع بوقف مثل تلك الممارسات, وبالالتفات إلى حماية وتعزيز الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ويتابع هؤلاء , حسب ما أوردته المصادر اللبنانية: (لقد نبهنا إلى هذه الوضعية مرارا, وكنا نلوم الفرقاء في خصوصياتهم ومنازعاتهم ولكننا لا يمكن لنا ان نقوم مقامهم, إذ انه في ضوء ما يجري في المنطقة يجب ان يكون كل ذلك دافعا لمزيد من اليقظة, ويجب ان يرتقي الجميع إلى مستوى المسؤولية, ولعل يكون الاستحقاق الرئاسي محطة يتجاوز فيها الفرقاء في لبنان ذهنية المغانم والثوابت والحصص. وكان نائب رئيس مجلس الوزراء , وزير الداخلية ميشال المر, قد بدأ تحركا على الموجة السورية نفسها, فزار بري والحريري, حيث كانت النتيجة الاعلان عن وقف الحملات (التلاسنية) المتبادلة بين الاثنين. وتسأل (البيان) المر: هل يعني ذلك انك قمت بوساطة ناجحة؟ فيرد بقوله: ( شو بدك بكلمة وساطة, أنا نائب رئيس الحكومة والتقيت (الحريري) باستمرار دون وساطة, والرئيس بري صديق عزيز أزوره كل أسبوع, وعندما تكون الأجواء متشنجة نحاول, وهي محاولات مني أي انني لا أسميها وساطة بل هي مجرد تهدئة الجو. وعما بحثه المر مع بري يوضح عقب انتهاء زيارته له بقوله: (لم نتحدث عن مخارج الخلافات بمقدار ما تحدثنا عن الهدوء ولزوم التهدئة, خاصة وان التصريحات من جهة والأخرى المعاكسة من الجهة الأخرى تخلق أجواء تشنج. ويؤكد وزير الاعلام باسم السبع من جهته أجواء التهدئة تلك , لكن على طريقته (كصحافي على الأقل) حيث يقول: ( ان الأهم من الخلافات والمشاكسات في السياسة ليس ان نطوي صفحتها, بل ان نحافظ على الأجواء الديمقراطية. ويؤشر هذا الكلام أكثر أيضا على ان (حرب التلاسن الكلامي السياسي) قد طويت صفحتها بين بري والحريري, أما الصفحة الأخرى التي ستفتح فلن يكون عنوانها إلا في قمة لبنانية ـ سورية مرتقبة. بيروت ـ وليد زهر الدين