بعد ثماني سنوات من حظر دولي بالغ الشدة على العراق, تبدو ملامح الصورة في هذا البلد مغرقة في الكآبة والبؤس. وتنطق بمدى ما وصل اليه بؤس العراقيين جراء الحصار المتواصل منذ ثماني سنوات . واذا كان الكثيرون قد حاولوا استقراء الأوضاع الداخلية لتسليط الضوء على العواقب الوخيمة للعقوبات, فان هذه المحاولات رغم طابعها الانساني خلت بعض الاحيان من البعد الانساني وتحولت معها حالات مرض الاطفال وجوع الكبار الى مجرد أرقام جامدة رغم دقة دلالتها على ما يحدث. في تفاصيل الصورة الكثير من المشاهد التي يدمى لها القلب على بلد عربي كان في يوم من الأيام ينتظر منه ان يحقق الانطلاقة الكبرى من مصاف الدول النامية الى الدول المتقدمة. وبعد أن كانت احلام الرخاء تداعب خيال العراقيين وشعروا في لحظة أنهم قاب قوسين او أدنى منها كشف الحصار عن كابوس يحياه المواطن العراقي دون امل في الخلاص منه. وعلى مدى ثماني سنوات نجح الحصار الذي نخر في الجسد العراقي كالسوس في افراز العديد من الظواهر الغريبة على المجتمع العراقي واذا كان بعض هذه الظواهر لا يجب التعرض له حتى لا نزرع اليأس في النفوس, فان بعضها الآخر ينبغي تفصيله من قبيل التذكير بحجم المأساة. وجولة في الشارع العراقي تكشف ان من ابرز الظواهر الجديدة ظاهرة المزادات التي ازدهرت بسبب تردي الاحوال المادية والمعيشية للمواطن العراقي فلم يعد يجد وسيلة سوى بيع متاعه وذكرياته عسى ان يشتري بثمنها ما يقيم أوده. وقد وصل حد ازدهار هذه الظاهرة حتى وصل عدد المحلات الى 280 محلا للمزادات. من الظواهر الاخرى ازدهار مهنة رتق الثياب بعدما لم يعد في امكان العراقي شراء الجديد منه, وكذا مهنة تصليح الاحذية القديمة ازاء افتقاد اي مقدرة على اقتناء أحذية جديدة. أما تشغيل الاطفال, فرغم ان هذه الظاهرة تحارب على المستوى الدولي, الا انها في ازدياد داخل العراق.. التفاصيل كثيرة وكلها تنطق بافتقاد الانسان لادميته كاحدى السمات اللازمة لما يسمى بالنظام العالمي الجديد. النشامى يتكيفون مع واقع الحصار المر كل شيء في العراق معروض للبيع حتى الذكريات في البدء كان عددها لا يتعدى الاربعة مع بدء سنوات الحصار المفروض على العراق, لكنها تكاثرت مثل الطفح الجلدي مع طول الحصار واستمراره لتصل الآن الى أكثر من 280 محلاً في بغداد وحدها.. انها محال المزادات التي تحولت الى ظاهرة عراقية, او معلماً من معالم البؤس والمعاناة التي يقاسيها العراقيون منذ سنوات. وكانت المزادات معدومة في اغلب المدن العراقية, باستثناء بغداد التي وجد فيها منذ الخمسينات محل صغير لبيع الاشياء القديمة, كما افتتح فيها عام 1965 اول مزاد علني كبير, وكانت تعرض وتباع فيه محتويات منازل يراد تبديلها بالافضل كذلك الجديد من السلع. وعندما فرض الحظر على العراق كان عدد المزادات قد وصل الى اربعة محال في بغداد فقط, ومع استمرار الحصار اتسعت هذه المحال, وانتشرت في معظم مناطق بغداد وجميع المدن العراقية, ليصل عددها لأكثر من مائتين وثمانين محلاً في بغداد فقط, اضافة الى المحال التي تبيع وتشتري بالمستعمل من السلع دون استخدام صيغة المزاد في بيعه. ومع تطور الحال, اتجهت المزادات للتخصص اذ اصبحت هناك مزادات تختص بسلع ومواد معينة فهناك مزاد متخصص في السجاد, وآخر في عرض وبيع الأثاث, وثالث مختص بعرض وبيع المستعمل من الثلاجات والمجمدات والمبردات والمسجلات واجهزة التلفزيون. وفضلاً عن تلك المختصة, توجد المزادات العامة التي تباع فيها مختلف انواع الاجهزة والسلع وهي ملفتة للانظار بمساحاتها الواسعة, ومعروضاتها الكثيرة والمتنوعة, وما تحتل من اماكن بارزة في الشوارع والمناطق التجارية, وما يتصدرها من عناوين ولافتات, اذ يشير بعضها بعبارات طنانة ومغرية اي رخص اسعار المواد المعروضة وجودتها, كما يؤكد معظمها على امانة صاحب المزاد ونزاهته, مطلقاً عليه اغلب الاحيان لقب الحاج. تجارة وشطارة وكل المزادات تحمل هذه الكلمات: بيع وشراء وتثمين, وهي حسب تعبير ظاهر طه ياسين احد اصحاب المزادات: توضح ما اصبحت عليه هذه المحال من وظائف, فهي تمارس عملية تثمين وتقييم كل معروض للبيع والشراء, كما ان الكثير منها يملك ورشاً لتصليح وتجديد المستهلك من السلع لجعله صالحاً للعرض والبيع.. ويقول فيصل نجم وهو مدير احد المزادات: لقد اصبحت المزادات ميداناً لتشغيل فئات معينة من الناس, فهناك من يعمل فيها في الحسابات والادارة والنقل والتنظيم والحراسة والتصليح والتجديد, وهناك الوسطاء الذين يتجولون في الاحياء والمناطق لشراء ما تعرضه البيوت من سلع صالحة او مستهلكة يتم عرضها وبيعها بعد اجراء التصليحات والتحويلات المناسبة عليها. ونتيجة لوجود حاجة الى العمل, وحاجة الى الانفاق على متطلبات الحياة اليومية فان بعض الناس يشتري ما تقدمه البيوت من سلع مستهلكة, ليقوم بعد ذلك باصلاحه وبيعه بنفسه, او في احد المزادات كما ان هذه السلع, وخاصة التي بلغت درجة كبيرة من الاستهلاك مفيدة للمعامل والورش كمادة اولية, خاصة وان الحصول على المادة الاولية اصبح صعباً ومكلفاً جداً في ظروف الحصار. وهناك من يقوم بشراء وجمع مواد معينة من المواد المستعملة والمستهلكة ليعرضها في محله, او يعرضها في مناطق الباعة المتجولين الذين يعتمد الكثير منهم على شراء وبيع هذه المواد. ظاهرة انسانية والمزادات على اختلاف انواعها وتخصصاتها تعج بصورة انسانية مريرة, اذ ان اغلب من يفدون اليها بائعين متاعهم يكونون مضطرين الى ذلك اضطراراً اما بسبب شظف العيش او احداث قاهرة تجبرهم على التخلي عن ممتلكاتهم العزيزة. ويقول احد اصحاب المزادات ان معظم السلع المعروضة في المحل والمحال الاخرى تعرض وتباع لاسباب متصلة باحتياجات الغذاء والدواء. ويضيف: العراقيون باتوا يعرضون اي شيء يصلح للبيع في سبيل العيش وفي بعض الاحيان يأتي اشخاص طالبين ان تذهب معهم الى بيوتهم لتحديد وتثمين ما يصلح للبيع من محتوياتها, ونقل المحتويات الصالحة للمزاد لعرضها وبيعها وفي الاسبوع الماضي زارني شخص سبق وان ابتعنا منه العديد من السلع المنزلية, وعندما ذهبت معه الى منزله لاختيار ما يصلح للعرض والبيع لم اجد اية سلعة تصلح لهذا الغرض, اذ لم يبق لديه سوى عدد قليل من السلع المستهلكة التي تحتاج الى الكثير من الجهد والمواد لاصلاحها وجعلها صالحة للمزاد. ويضيف: قد لا تصدق ولكنها الحقيقة, اذ عمد احد الاشخاص بعد نفاذ ما يصلح للبيع من محتويات منزله الى خلع ابواب ونوافذ بعض الغرف الداخلية وبيعها. اسباب اخرى للبيع لكن كل الذين يبيعون لا يفعلون ذلك اضطراراً من اجل سد الرمق فقط, اذ ان بعضهم يعمدون الى بيع محتويات منازلهم لاقامة مشروع معين, او لشراء سلعة يمكن التكسب بواسطتها, ومن الامثلة على ذلك ان مزادنا عرض وباع من محتويات منزل احد الاشخاص ليشتري بثمنها سيارة اجرة يشتغل بها, وهناك من يبيع بعض السلع المنزلية ليشتري لسيارته ما تحتاج من اطارات وادوات احتياطية وليفي ما عليه من ديون, وهناك من باع السيارة ومعظم محتويات المنزل لاجل السفر الى الخارج. وهناك اسباب اخرى للبيع مثل الوفاة, ومن الامثلة في هذا الشأن ان احدى العوائل عرضت عدداً من السلع المنزلية للبيع في ظرف غير مناسب لذلك, اذ توفي احد افرادها, ولم تجد في نفسها القدرة على طلب مساعدة من الاقارب لاقامة مجلس العزاء, فعرضت هذه السلع للبيع لهذا السبب. ذاكرة الاشياء ويحذر صاحب مزاد آخر عمل في هذا المجال 7 سنوات من ان كل ما يعرضه من اشياء هي جزء من ذاكرة آخرين, ويطالب المشترين بالتعامل معها باحترام. ويقول: ان هناك من يملك ذكريات مع هذه السلعة او تلك, وان ثمة قصة وراء شرائها ووراء استعمالها ومأساة وراء بيعها الآن. ويقول صاحب مزاد آخر, ان المعروض في محال المزادات, والذين ينادون للحصول على افضل سعر له, وتقديمه لمن يقدم هذا السعر ليس سلعة وحسب, وانما هو سلعة ذات تأريخ, اذ عاشت سنوات مع اصحابها, ودخلت ذكرياتهم, وارتسمت عليها صور من رغباتهم واحلامهم. احزان الباعة وليس من الصعب في غمرة المزادات ان تعثر على اصحاب السلع المعروضة للبيع وهم يراقبون بحزن ومرارة لحظات اعلانها للمزاد, او يلقون نظرات الوداع عليها. غرفة في المزاد فيما كان الجمهور المحتشد في احد المزادات يتابع حركة المنادي بالمزاد, وهو ينتقل من سلعة الى اخرى كان رحيم كاظم يقف محدقاً في غرفة نوم بكل ملحقاتها. وكان نحيفاً, وكانت ملامح وجهه تنم عن مرض وتعبس وصمت مؤلم. ويدور بيننا وبينه هذا الحديث: - لماذا تقف في هذا المكان؟ ــ انتظر تسلسلي في المزايدة. - وهل تعمل في المزاد؟ ــ لا .. لست من العاملين في المزاد. - وما علاقتك بهذه الغرفة. ــ انها غرفة زواجي. - ومتى تزوجت؟ ــ عام 1987 - وكيف تسمح لنفسك بالتفريط بها بعد كل هذه السنوات. ــ انا مضطر لذلك. - لعلك تريد استبدالها بغرفة ارخص ثمناً. ــ لم يعد امامي وزوجتي واطفالي سوى النوم على ارضية الغرفة, فأنا احتاج الى النقود للعلاج بسبب اصابتي بمرض مزمن. - ولماذا اخترت هذه الغرفة للبيع, خاصة وانها غرفة الزواج؟ ــ لقد بعت في فترات سابقة مواد مختلفة من ضمنها ما تملك زوجتي من اساور ذهبية, وبعت الثلاجة وعدداً من المدافىء وقد جاء دور الغرفة, وهي عزيزة وثمينة ومهمة بالنسبة لي, ولكن ما الحيلة وكيف يمكن التعامل مع المرض والاحتياجات اليومية للعائلة. واذ تغادر رحيم كاظم وهو يحاول ان يشبع عيونه بالتحديق في غرفته الزوجية تنتقل محدقاً بما ينتشر في محل المزاد من سلع كثيرة ومتنوعة, حيث تقع عيناك على غرف اخرى, واجزاء من غرف, وتقع عيناك على اجهزة تلفزيون ومبردات هواء, وديكورات لمكتبات وغرف استقبال وضيوف ومطابخ وجلسات خاصة, وديكورات جميلة لابواب ومداخل وسقوف. مبهرة ولكن وقد تجد في هذه الاشياء ما يبهر ويدهش عينيك, ويثبتك في مكانك, ويضع كل كيانك في نظراتك وانت تتأمل هذه الزخارف الرائعة والتشكيلات الجميلة, والقدرة على الجمع بين الفن بأروع اشكاله وبين الفائدة العملية, بين ما يسر ويدهش العين وبين المفيد والعملي للانسان في حياته اليومية. وقد يخالجك احساس باللهفة لان تلتقي مع الذين صنعوا هذه الاشياء, وتفننوا في ابداعها, وغرسوا اصابعهم وبصماتهم فيها, ولكنك عندما تقترب منها تجد ان البعض منها ليس عراقي الصنع, وقد يكون قد قطع مسافات شاسعة للوصول الى العراق, وربما كان قد عبر المحيطات والبحار ليستقر في احد البيوت العراقية, وليتواصل مع ذكريات وسنوات اصحابها, وليفرض عليه الحصار مرارة وشدة الافتراق عن الذين عاش معهم. ويخطر في ذهنك ان تتحدث مع اصحاب هذه السلع عن تأريخها وذكرياتهم عنها, ولكن الهواء العذب الذي يصلك من مبردات الهواء المنتشرة في المحل يدفعك الى الاقتراب من شخص يقف بجوار مبردة كبيرة مطروحة على الارض: - هل تعمل هذه المبردة بشكل جيد؟ ــ نعم انها جيدة, وقد اصلحت ما كان فيها من اجزاء عاطلة. - يبدو انك تبيع وتشتري بالمواد. ــ لا, هذه المبردة جئت بها من البيت. - ولكنك مقبل على الصيف وتحتاجها في البيت. ــ واؤكد لك ان البيت بحاجة ماسة اليها. - اذن لماذا تريد بيعها. ــ ابيعها لما هو اكثر ضرورة واهمية منها, فالانسان يستطيع الاستغناء عن المبردة, وعن حاجات كثيرة, ولكنه لا يستطيع الاستغناء عن الطعام, وبسبب الحصار وظروفه الصعبة فقد اضطررت بعد معاناة ان اعرض بعض محتويات المنزل للبيع على مراحل, وحسب الحاجة, وقد وصل الدور الى هذه المبردة. - وهل تملك بديلاً عنها. ــ لم يعد سوى مبردة واحدة, وسنحاول التكيف معها مهما اشتدت حرارة الصيف. - وانت ماذا تعمل؟ ــ انا متقاعد وعائلتي تتكون من سبعة اشخاص, أغلبهم تلاميذ مدارس. بغداد ـ نضال الموصلي