اختلطت الاوراق عند مراكز القوى والاحزاب اليمنية, حول جدية الحكومة باجراء اصلاحات ادارية ومالية, وتحقيق توازن سياسي يصون حقوق البلاد والعباد, وخلال اربعين يوما بين 20 يونيو و30 يوليو جملة من الاحداث الساخنة في عموم الساحة اليمنية, فتحت زنازن السجون لقيادات المظاهرات الاجتماعية, وفتح الجند النيران على المواطنين في الشوارع, وداهمت الدبابات قرى ومنازل القبائل والبدو في محافظتي مأرب والجوف . ولم تستطع الديمقراطية في اليمن جمع شتات فرقاء العمل السياسي, ولم تستطع جمع قيادات الحكومة والمعارضة على طاولة الحوار, فالديمقراطية في اليمن لم ترتق الى مقام ديمقراطية لحل الخلافات, ولم تستطع ان تستعيد مكانتها التي احتلتها في الثلاث السنوات الاولى لاعلانها في 22 مايو 1990 عندما اثبتت جدارتها كديمقراطية للتعايش وليس لحل الخلافات. عاشت اليمن 40 يوما ساخنة رصدت سجلات المستشفيات اليمنية فيها اكثر من 200 قتيلا و500 من الجرحى, وعشرة تفجيرات لانابيب النفط في مأرب. ولم تعلن قوات الشرطة والجيش احصائية للاضرار والخسائر التي لحقت بقوات الجيش, لكن اثارها بادية للعيان في مناطق الاشتباكات, ولا تنتظر احزاب المعارضة اية احصائية لتلك الاضرار والضحايا ولا تعيرها اي اهتمام مؤسسي. واكتفت بعض صحف المعارضة بالاشارة الى ان الهراوات التي استوردتها الحكومة لقوات مكافحة الشغب لم تخضع لاجراءات الرسوم الجمركية عند دخولها البلاد, وان خلافات مالية حادة بين وزارة الداخلية ومصلحة الجمارك حول ذلك, وذهبت بعض الصحف الى التأكيد وبوثائق مصورة ان مئات القنابل المسيلة للدموع التي استخدمتها القوات ضد المواطنين والتظاهرات والمسيرات السليمة, جميعها انتهت فترة صلاحية استخدامها في ابريل 1988م, وتقتضي الديمقراطية اعادة النظر في مثل هذه القضايا. بدأت المظاهرات الاحتجاجية بعشرة ايام ساخنة في المحافظات اليمنية ثم انتقلت الى محافظتي مأرب والجوف باشتباكات مسلحة بين القبائل وقوات الامن والجيش, وعلى الصعيد السياسي والديمقراطي اليمني, ففي بداية الاحداث اجتمع الرئيس علي عبدالله صالح بقيادات احزاب المعارضة واحزاب المؤتمر الشعبي اكد فيه اهمية حوار المعارضة والحكومة, فرفضت المعارضة قبل ان تتخلى الحكومة عن قرارها كشرط لأي حوار, اكد صالح ان المظاهرات والمسيرات والاحتجاجات وحرية التعبير, حق كفله الدستور لكن الحكومة عقب اللقاء مباشرة بدأت بياناتها تنهال لقمع كل ذلك وبأسلوب ديمقراطي يمني, فأصدرت لجنة الاحزاب بيانها الشهير بمنع مشاركة الاحزاب في المسيرات, وتكاتفت وزارة الداخلية ووزارة الدفاع باخراج اطقم الشرطة وفرق مكافحة الشغب والدبابات الى الشوارع, وبين الداخلية والدفاع فتح الامن السياسي ابواب أروقته لاستقبال قيادات المظاهرات الاحتجاجية والمسيرات السليمة, واستطاعت نيابة الصحافة والمطبوعات ان تقود خمس صحف يمنية الى المحاكم وان تجرجر معها كوكبة من الصحافيين الى المحاكم, ففي اليمن القضاء سيد الديمقراطية كما يردد ذلك الجميع, لكن الجميع يؤكد ان الحكومة سيدة الديمقراطية والقضاء معا. وفي نهاية الاربعين يوما الساخنة التقى الرئيس بمشائخ وابناء ثلاث محافظات (الجوف مأرب شبوة), وتحدث طويلا امام من حضروا المؤتمر الاول القبلي لابناء المناطق الوسطى, عن الامن والاختطافات والتنمية واعتبر المؤتمر القبلي الاول (بداية جديدة للعمل السياسي الوطني). ويبدو واضحا ان الرئيس علي عبدالله صالح قد أسدل الستار تماما بهذه العبارة عن اربعين يوما من الاحداث الساخنة والاشتباكات الدامية شهدتها اليمن, امتزج فيها الدم بالنفط, وسادت فيها الحكومة على الديمقراطية, والسياسة على الاقتصاد. بداية (العمل السياسي الوطني الجديد) الذي اعلنه صالح ترافق مع دعوته لانعقاد مؤتمر صلح وطني عام لحسم قضايا الثأر بين ابناء القبائل في المحافظات اليمنية. واعلانه دعم وتشجيع قيام وانعقاد مؤتمرات قبلية مماثلة للمؤتمر الاول لابناء المناطق الوسطى, وزاد من ذلك تشجيعه لفتح مكتب ومقر دائم في العاصمة صنعاء لقيادة المؤتمر (المكتب التنفيذي) وهو ما يحدث لاول مرة, والمتابع الحصيف للشأن اليمني: يجد في فتح مقر لمكتب قبلي في صنعاء خطوة رائدة لتشتيت ما تبقى من شمل مشائخ القبائل. الرئيس صالح اكثر من يدرك اهمية ذلك لاحداث التنمية والاستقرار في بعض المحافظات التي لم تصل وتستقر فيها يد وهيبة الدولة بعد, لكن الوجه في الطرف الآخر لهذه المعادلة, هو خطورة تشتيت مشائخ القبائل, وتوحيد وتماسك قبيلة يمنية واحدة, في ظل عدم استكمال البناء المؤسسي للدولة, فلا احد يستطيع ضمان عدم شمولية وعمومية التشتت والتمزق, سيما وان عوامل جديدة من التحديات جراء ذلك تواجه اليوم الاحزاب اليمنية المعارضة وفي مقدمتها الحزب الاشتراكي اليمني, والرئيس علي عبدالله صالح يعلن كل ذلك وهو يدشن عامه الجديد, بعد 20 سنة من توليه كرسي الحكم في اليمن العام 1978م, ومن النافلة هنا اعادة الاشارة الى ان الرئيس قبل اعلانه (العمل السياسي الوطني الجديد) كان قد تحدث في المؤتمر الصحافي الاخير له ان بداية توليه للحكم كانت هيبة الدولة محصورة في مثلث المدن (صنعاء, تعز, الحديدة) وما بينهما, وان بقية المحافظات كانت ابعد ما تكون عن هيبة الدولة, الامر الذي يفسر رؤيته للاشتباكات المسلحة التي وقعت في محافظتي مأرب والجوف, والمعالجات التي سيتخذها بشأن ذلك, ابتداء من تشجيع المؤتمرات القبلية وفتح مقارها في صنعاء. ومن النافلة ايضا الاشارة الى متناقضات الخطاب والمفاهيم للواقع بين القيادة السياسية والحكومة من جهة, وبين الحكومة وحزبها (المؤتمر الشعبي) من جهة اخرى, ففي وقت يدعو فيه الرئيس صالح الى عقد مؤمر لصلح عام لحل قضايا الثأر في اليمن لخطورة هذه القضية على الامن والتنمية في اليمن, نجد عبدالكريم الارياني رئيس الحكومة يقول قبل عشرة ايام فقط من دعوة الرئيس, يقول: (ان قضايا الثأر في اليمن لا يتجاوز عددها عن اصابع اليد وتنحصر فقط في ثلاث من الاسر اليمنية).. مثل هذا التناقض يمكن ان يجد المتابع الحصيف ما يبرره بالنظر الى فهم الرئيس صالح لقضية الثأر في اليمن من زاويتين الاولى بين القبائل فيما بينها, والثانية بين القبائل والحكومة, او الاحزاب والحكومة, فيما تنظر الحكومة الحالية الى الثأر كظاهرة بين بعض ابناء القبائل, ولا ترى فيه ما يتجاوز ثلاث اسر قبلية يمنية, ان مثل هذا التناقض والمفهوم للقضايا, هو واحد من اهم اسباب اختلال التوازن السياسي في اليمن بعد حرب صيف 1994.. هكذا اختلطت الاوراق عند مراكز القوى والاحزاب اليمن, خلال اربعين يوما ساخنة, وهكذا أسدلت ستارها لتعلن ان الاحزاب ومراكز القوى تمترست خلالها للحفاظ على مواقعها, بما في ذلك الحكومة التي دشن قرارها برفع الاسعار بدايتها كخلف لحكومة د. فرج بن غانم, ودشن د. الارياني بدايته بهذه الاحداث لكنه غادر البلاد في اجازة لاكثر من شهر في العاصمة البريطاية لندن رافقه فيها وزير الشؤون القانونية بعد انتقال الاحداث من المجتمع المدني القبلي في الجوف ومأرب, واثبت البرلمان اليمني جدارته في اغلاق الابواب في وجه القضايا, واعلن اجازة لمدة شهرين كاملين. الآن يعود البرلمان لعقد جلساته وتعود الحكومة ايضا, وتبقى الحقيقة ان الشعب وحده قدم الضحايا والضريبة, وعادت الازمة اليمنية الى نقطة الصفر الساخن.. ولم تنته.. والخيارات مفتوحة.