بعد استعراض الخلل في التوازن العسكري والاستراتيجي , خلال الحلقتين السابقتين, ورصد ظواهر هذا الخلل, واخطاء الحسابات العربية حول قوتها , وغير ذلك, يدور النقاش في هذه الحلقة الثالثة , حول جانب آخر مرتبط بالقضية وهو فشل عملية التسوية الحالية واثار هذا الفشل على العرب, وامكانية تحوله الى فعل ايجابي يصحح الاخطاء التي ذهبت بالعرب الى مأزقهم الحالي. على المدى البعيد في تعديل ميزان القوى لصالحهم. الاحساس بالخطر - (البيان) : تحويل مانملك من امكانيات الى عناصر موظفة في الصراع نقطة جوهرية, لان العالم العربي اليوم في لحظة انكشاف حقيقية ... وهناك احساس بعدم الامان في كل ركن من اركان الامة العربية وكل الاطراف تشعر بانها تضرب, من عنده (فلوس) اخذت , ومن عنده ارض اخذت , ترى ماهو الحل؟ - يلتقط د. حسن نافعة خيط الحديث على الفور ليقول اخشى ان نقع في وهم ان احساسك بالخطر هو احساس موجود لدى النظم السياسية والحكام بنفس الدرجة, هذه نقطة يتعين ان نستوثق منها, لاننا لسنا متأكدين ان هناك احساسا موريتانيا حقيقيا بالخطر, واحساسا جزائريا حقيقيا ... ونعدد الانظمة الى آخره ... فكل دولة عربية مشغولة بقضايا خاصة بها وتتصرف على اساس ما تفرضه هذه القضايا من سياسات ... وازعم ان هذه السياسات ليس لها علاقة كبيرة بالصراع العربي, الاسرائيلي ... كل دولة عربية مشغولة ولها جدول اعمال بعيد كل البعد عن حشد الطاقات في مواجهة الخطر الاسرائيلي. وهذه مسألة ينبغي التوقف عندها بعمق ... فقد يبدو للمراقب ان (الوحش) الاسرائيلي يكبر ويستفحل, والناس خائفة , ولكن هذا الخوف او الاحساس بالخطر لم يصبح بعد - بالضرورة - حقيقة واقعة وملموسة لدى الانظمة العربية. الخوف من الفشل - لواء طلعت مسلم: هذا الاحساس بالخطر غير موجود ولانراه على مستوى الشارع او الحكام او الاثنين معا ... على مستوى الشارع استشعر ان هناك نوعا من عدم الاكتراث, الناس تتابع ولكنها لاتشعر بالخطر, وعلى مستوى الحكام, هناك من يشعر بالخطر, وهناك من لايشعر به, وهناك من يشعر بالخطر من فشل ماسمي (بعملية السلام) .. وفي رأيي ان اجتماع القادة الثلاثي الاخير بين مبارك وعرفات والملك حسين هو تعبير عن خوف , ليس من اسرائيل, وانما من فشل عملية السلام. لانه يعني ان النظم التي راهنت على السلام كانت مخطئة ... وهو مايضعف مصداقيتها, وليست المشكلة علاقتنا مع اسرائيل ... وهذا لايمنع ان هناك من يشعر بالخطر في الشارع وبالذات لو قلنا (حماس) و (حزب الله) وحركات من هذا القبيل, ولكن على المستوى العام لا استطيع القول ان النخبة في الاردن تشعر باي خطر من اسرائىل, وان الحكومة الاردنية تشعر باي خطر, والا ماكانت اجرت تدريبات عسكرية مشتركة مع اسرائيل , فلايوجد منطق للخوف من اسرائيل, في الوقت الذي تجري تدريبا عسكريا معها!! وبالتالي كما قال د. حسن نافعة لاينبغي ان نعكس شعورنا بالخطر كمراقبين ومهتمين بالمستقبل القريب والبعيد على الشارع او الحكومات فهو ليس موجودا في كل الشارع ولا لدى كل الحكومات ... ونعود لموضوع التوازن. الارادة الغائبة ويتابع مسلم بالقول: مع (الاحترام) للفجوة الاقتصادية والتكنولوجية والامنية المشكلة الاساسية في رأيي تتمحور حول الارادة , هي التي تحول ما تملكه الى ماهو موظف في الصراع, والفاصل بين الاثنين هو الارادة. فاعتقد اننا عشنا فترة كان كل ما تملكه مصر موظفا للصراع العربي الاسرائيلي ... كان مليون شاب مصري تحت السلاح في الجبهة . - د. حسن نافعة: مابعد 67 وفي فترة حرب الاستنزاف كان هذا اكثر وضوحا, ولكن قبلها لم يكن التوظيف كاملا. - لواء طلعت مسلم: هذا صحيح وما حدث في حرب 73 من بعض الدول العربية كان يعكس هذه (الارادة) ان يدفع العراق بثلاث فرق, وان ترسل الجزائر دبابات ومدرعات , هذه كانت درجة من الارادة العربية التي توظف ما نملكه من اجل الصراع ... والمشكلة اليوم غياب الارادة , بل والاكثر ما يمكن ان يحدث عندما تفشل عملية التسوية , اي عندما يعترف المشاركون فيها بذلك, فهي قد ماتت وشبعت موتا , والاخطر من ذلك ايضا اننا مازلنا نراهن على القوة التي تساند اسرائيل, فنطالب امريكا باعلان مبادرتها, وكأن هذا هو الحل, بينما امريكا هي التي تضمن تفوق اسرائىل, وتساندها في الامم المتحدة, وتمنع قراراتها التي تدين اسرائيل, ولكننا نتصور خطأ - ان امريكا عندما تقدم مبادرتها ستحل المشكلة ... ونتصور احيانا اننا ندق (اسفينا) بين امريكا واسرائيل ... ربما يكون ذلك صحيحا, ولكن في الوقت الحالي يعتبر مثل هذا التصور نوعا من السذاجة, واذا كان له من نتيجة فستكون على مدى طويل. ولن تكون الحل النهائي للمشكلة . جوانب الضعف الاسرائيلي وانبه الى ان اسرائيل , كما قلتم تتغول وتتوحش وهي ايضا تعاني ايضا من جوانب ضعف, يعكسها كلام المحللين الاستراتيجيين الاسرائيليين, ومن الغريب ان بعض المشاكل التي تعانيها ناجمة عن معاهدات السلام التي وقعتها اسرائيل, بمعنى انها تخشى من قدرة العراق او ايران, على ضربها بالصواريخ, ولاتوجد حدود مشتركة مع العراق وايران , كيف تضربهم, اسرائيل اذن؟ وكون اسرائيل لها علاقة سلام اليوم مع الاردن - مثلا - فان ذلك يضع قيودا على استخدام عمقها واراضيها, ثم مسألة امتلاك قوى اخرى للصواريخ كما هو في كل من العراق وايران وسوريا, تمثل مشكلة ايضا امام المخطط الاسرائيلي, فيفكر في عمل مجموعة صواريخ ضخمة للرد عليها, وهذا ليس حلا خاصة وان عمق اسرائيل ليس كبيرا, والنقطة الاخطر بالنسبة لاسرائيل ان الناس فيها لم تعد مستعدة لدفع تكاليف باهظة للحرب, مثل التي دفعتها من قبل. ولم يعد لديها نفس الاحساس بالرغبة في الخدمة العسكرية, بينما كانت الخبرة في الجيش الاسرائيلي في وقت من الاوقات نوعا من الشرف بالنسبة للفرد الاسرائيلي والمستوطنات بشكلها القديم كمستعمرات زراعية لم تعد تجذب احدا, والمحللون الاسرائيليون يرصدون هذه التحولات, والمجتمع الاسرائيلي يعاني من مشاكل داخلية معقدة, علينا ان نضعها في الاعتبار, واذا كنا نفكر في اصلاح الخلل الاستراتيجي فعلينا ان نبحث عن المزايا التي نمتلكها, والتي لا تحتاج الى تكنولوجيا عالية, ولا لاقتصاد قوي, ونفكر كيف نستخدمها , ويكفي القول ان حزب الله جعل اسرائيل تفكر في الانسحاب من جنوب لبنان ... ايضا الاسرائيليون لم يتركوا قطاع غزة بمزاجهم بقدر ما اضطروا الى تركه بسبب الانتفاضة وهذا لايحتاج الى تكنولوجيا ولا الى اسلحة دمار شامل علينا ان نعلم ان الميزان الاستراتيجي ليس كله تكنولوجيا وليس كله اقتصاد, ولكن ارادة الصراع لها اهميتها الكبيرة وهذا يعيدني الى مسألة لماذا نريد التوازن ... هل من اجل التسوية ام من اجل شيء آخر ... وهنا اقول من اجل ادارة الصراع. ومن خلالها يتحقق الهدف, ان كان تسوية ام قتالا, ام هدفا آخر. الخلل لايعني الهزيمة - د. حسن نافعة: من المهم ان نتذكر - تاريخيا - ان الادارة الأكفأ في الصراع لا تتم بالضرورة في ظل توازن استراتيجي, لانه في ظل اشد انواع الخلل الاستراتيجي كانت تتم احيانا ادارة جيدة ورشيدة للغاية للصراع, اذا احسنت توظيف عناصر التفوق النوعي الذي تمتلكه , وبالطبع اساتذتنا من الخبراء العسكريين يعرفون ذلك ... مثلا عندما نرى كيف ادارت فيتنام صراعها مع الولايات المتحدة الامريكية, سنجد خللا استراتيجيا لا يمكن مقارنته لكن هذا كان في ظل نظام ثنائي القطبية وفي ظل علاقات جيدة بين فيتنام من ناحية والصين والاتحاد السوفييتي من ناحية اخرى, ومن خلال التناقضات وتوظيفها, وفي ظل حركة تحرير ... وفي ظل تضاريس جغرافية وسياسية معينة استطاعت فيتنام ان تخوض حرب تحرير من الطراز الاول, وتهزم الولايات المتحدة الامريكية (عسكريا) ولم تستطع القوة النووية الامريكية ولا التفوق الامريكي الكاسح انه يمنع انتصار فيتنام ... والامثلة في التاريخ كثيرة للغاية, وحركات التحرر في العالم كلها تمت في ظل خلل في التوازن الاستراتيجي, والفلسطينيون اداروا صراعا من الطراز الاول وانجزوا الانتفاضة, واستطاعوا بالحجارة ان يشلوا القوة النووية الاسرائيلية ... ولم تستطع اسرائيل ان توظف تفوقها التكنولوجي او الصاروخي او الاسلحة فوق التقليدية في ظل انتفاضة الحجارة لكننا عندما دخلنا (اوسلو) اجهضنا الانتفاضة واسقطنا عنصرا من عناصر تفوقنا وكان (اوسلو) بهذا الشكل احد الوسائل الاسرائيلية لوقف الانتفاضة وهي لم تقدم تنازلات في المقابل, صحيح انها ممكن ان تنسحب من 2% او 3% او 13% من الارض ولكنها في النهاية اسقطت منا قبل ان تقدم على الانسحاب (ورقة) الكفاح المسلح واسقطت ارادة الصمود, قبل ان تنسحب خطوة واحدة. وكان انسحابها في حقيقته انسحابا ضئيلا لايذكر ... فدخلت في ادارة صراع بلا اوراق ... والمشكلة الاساسية من وجهة نظري ليست فقط الخلل في التوازن الاستراتيجي, ولكن ايضا ادارة الصراع بطريقة تتسم بالجهل بحقائق الامور, والاستهانة بمعطيات التاريخ والجغرافيا الى آخره, بحيث اهدرنا اهم عناصر تفوقنا النوعي, اهدرنا العلاقات الاستراتيجية بين الفلسطينيين والعرب, ونهدر الفكرة القومية وحتى داخل الوطن الفلسطيني نفسه نهدر ارادة الصمود ... ومن هنا حذرت في بداية كلامي من اننا حين نتحدث عن التوازن الاستراتيجي علينا ان نعرف جيدا في اي سياق نوظفه , لاننا سنجد من يقول: يا أخي التوازن الاستراتيجي مختل خللا رهيبا ... اذن عليك ان تقبل بما يمليه هذا الخلل ... والحقيقة ان القضية هي ادارة الصراع مع اسرائىل ... وهي ما الذي في يدي لكن ادير الصراع ادارة افضل. هذا هو اصل الموضوع - لانه وببساطة في ظل الخلل في التوازن الاستراتيجي استطيع ان ادير الصراع ادارة أفضل . ارادة القتال - د. زكريا حسين: حرب 73 اثبتت بوضوح صحة مايقوله - د. حسن نافعة, فقد خضنا حربا نظامية, واستطعنا ان نحقق مفاجأة وانتصارا عسكريا رائعا, وسياسيا ايضا. - د. حسن نافعة: اي انه حتى في الحروب النظامية, وفي ظل خلل معين في التوازن العسكري, بالمعنى الضيق, يمكن ان تنجح وتدير الصراع ادارة افضل, لو حققت عنصر المفاجأة لو عندك ارادة قتال صحيحة ... الى آخره .. لأمكنك ان تعوض الخلل في التوازن العسكري ... هذه مسألة في غاية الاهمية ... وعندما ترى مشاكلنا الحالية فعلينا ان نركز على العناصر التي كنا نتمتع فيها بميزة نسبية واهدرناها في ادارة الصراع مع اسرائيل , وكيف نستعيد المبادرة في هذا الشأن, هل من الممكن عودة الانتفاضة هل من الممكن عودة التضامن العربي, هل يمكن ان ندير علاقتنا مع العالم الغربي, بشكل افضل ... كان لدينا ارادة صمود وشعب فلسطين منتفض, كان لدينا رفض التطبيع, وهو سلاح قوي, هل نستعيد هذه العناصر من جديد ام نظل نقول: هناك غواصات يمكن ان تحمل رؤوسا نووية, بما يعني مزيد من الخلل في التوازن الاستراتيجي الى آخره من تقنيات وموضوع الغواصات الثلاث التي ستدخل البحرية الاسرائيلية في سنة 1999 لايخلو من دلالة ... فقد ارادت اسرائيل شراؤها من المانيا ورفضت الاخيرة, قبل حرب الخليج مباشرة, وعندما حدثت حرب الخليج ونزلت الصواريخ عليها اثناءها, وزار وزير الخارجية الالماني هانز ديتريش جينشر - حينئذ - قدم غواصة (هدية) ثم قدم اثنتين, بعد ان كان الخلاف على ان الثمن باهظ, ثم قررت اسرائيل شراء غواصة ثالثة. الضربة الثانية وهنا يمكن ان نطرح سؤالا: هل هناك محاولة لتغيير الفكر الاستراتيجي الاسرائيلي, الذي كان يقوم على (الاجهاض) ولم يكن يفكر الاسرائيليون في (الضربة الثانية) بل يفكرون في الضربة الوقائية المسبقة, التي تمنع الآخر من امتلاك السلاح النووي الذي يهددك به اويرد عليك به, اليوم بعد تفجيرات الهند وباكستان اصبحت مسألة (الضربة الثانية) ضرورية من وجهة نظر التفكير الاستراتيجي الاسرائيلي وهو موضع تتم مناقشته بكثرة داخل المجتمع السياسي الاسرائىلي, بشكل حاد, ولكن لا اعرف على وجه الدقة الى اي مدى هم جادون في ذلك الاتجاه, او انهم يتصورون خطورة للقنبلة الباكستانية (الاسلامية) . - (البيان) : الارجح ان خوفهم في هذا السياق مصدره ايران, والعرب ايضا, فما دامت باكستان والهند قد تمكنتا من دخول النادي النووي, من الممكن ان يقدم طرف عربي على امتلاكه ايضا ... الآن ومن خلال عرضكم السابق امامنا عناصر قوة عربية كثيرة مهددة, ولدينا ظروف تحتم استغلال هذه العناصر في الفترة المقبلة, حيث تتمتع اسرائيل بعناصر قوة متفوقة, وحيث تتراجع عملية التسوية الى حد الانتهاء, واذا تمت فستكون على حساب العرب ولن تحقق سلاما ولا استقرارا في المنطقة ... اذن السؤال ماهو المطلوب, لكي نحول العناصر التي نمتلكها لكي تصبح فاعلة؟ ويسبقه سؤال آخر, فشل التسوية الناتج عن الخلل في القوى هل يدفع الامور الى وضع قديم اشبه بحالة (اللاسلم واللاحرب) ولكنه وفي الوقت نفسه يقترب من نقطة حيوية وهي القدس, واحتمال ردود افعال شعبية عربية واسلامية ستؤثر بشكل كبير على اختيار العرب للتسوية ... ماذا سيفعل القادة الذين اختاروها؟ هل يغيرون اختيارهم؟ اسقاط نتانياهو - د. حسن نافعة: ابدأ من السؤال الثاني, وتحليلي الشخصي اننا نراهن على سقوط نتانياهو, ونحاول توظيف الولايات المتحدة الامريكية للضغط على حكومته واسقاطه, منذ سنتين في ندوة حضرها السفير د. مصطفى الفقي, سفير مصر لدى النمسا الذي كان يتصور ان نتانياهو ليس له جذور حقيقية داخل المجتمع الاسرائيلي وانه تركيبة امريكية بالاساس وقلت وقتها ان من الخطر تصور نتانياهو كزائدة دودية في المجتمع الاسرائيلي بينما هو اكثر تعبيرا عن الايديولوجية الصهيونية, وعما وصلت اليه العقلية الصهيونية حاليا من اي شخص آخر, وبالتالي بصرف النظر عن ان نتانياهو يحكم او يقف في صفوف المعارضة , يظل مايعبر عنه نتانياهو تيارا رئيسيا ومؤثرا على المجتمع الاسرائيلي في السنوات العشر المقبلة, بل ولا استبعد بحكم عشر سنوات أخرى!. والبعض يتصور ان نتانياهو يشكل خطرا حقيقيا على اسرائيل نفسها, وليس فقط في اتجاه تفجير المنطقة, ولذلك هناك قوى معارضة داخلية حقيقية لنتانياهو , ليس حرصا على العرب, ولا رغبة في التسوية, انما خوفا على اسرائيل في المدى البعيد, والامريكان وقطاعات من اليهود الامريكان لديهم قناعة انه يشك خطرا على المصالح الامريكية والمصالح الاسرائيلية على المدى الطويل , وبالتالي يمكن ان يكون هناك, في اطار لعبة معينة , تحالف ما او محاولة لتوزيع الادوار بحيث يتم الضغط على نتانياهو لاسقاطه من داخل الحكومة الاسرائيلية, وهذا هو اسوأ السيناريوهات التي يمكن ان تحدث من وجهة النظر العربية ... لاننا في هذه الحالة سنهدأ الامور قليلا وسيكون السقف الاعلى للمطالب العربية هو ماكان يطرحه بيريز, وبالتالي سنقبله بلهفة وبسرعة باعتباره اعلى مكاسب ممكنة! ستهدأ الامور ولكنها ستؤدي الى انفجار جديد خاصة مع مسألة القدس والاصرار الاسرائىلي على تهويدها, وهو يحظى باجماع اسرائيلي كبير, يوافق عليه حزب العمل ويؤيده, ويختلف فقط في تكتيكه عن حزب الليكود, فانها لاشك تنذر بتفجير الموقف الشعبي العربي والاسلامي بشدة. ماهو المطلوب ويتابع نافعة بقوله ثم نأتي للسؤال الاول ما المطلوب عمله الآن؟ وهو في رأيي قضية كبيرة ولكن باختصار شديد علينا ان ندرك ان القفز فوق المراحل لن يكون سياسة صحيحة, ولدينا دوائر للصراع لابد ان نعيد ترتيبها بالتوازي دون ان نقدم خطوة على خطوة, مثلا بدون دعم ارادة الصمود الشعبي الفلسطيني , ستكون اول حلقة في ادارة الصراع ضعيفة, وبالتالي لو حصل صراع بين السلطة الفلسطينية وحماس او ما يشبه الحرب الاهلية تكون اول كارثة في تقويض الحلقات الاخرى لادارة الصراع مع اسرائيل, اذن على العرب اذا كانوا يريدون حقيقة ادارة رشيدة للصراع مع اسرائيل, ان يبذلوا كل مافي وسعهم لكي تتم صيغة ما تجمع بين الفصائل الفلسطينية المختلفة, لانه في مرحلة من المراحل ستكون الانتفاضة مطلوبة والحركة مطلوبة, وهذا لن يتم بدون اتفاق ووحدة حقيقية بين الفصائل الفلسطينية, ولن يبنى صمود عربي بدونه. تغيير بلا آلية - د. زكريا حسين: هذا كلام جميل ورائع ... ولكن السؤال من الذي سيتولى هذا التنسيق؟ من الذي سيقود هذه الحلقات؟ - د. حسن نافعة: في رأيي ان هذا قدر مصر. - لواء. طلعت مسلم: ليس بالضرورة واقول انه في ظل استمرار الاوضاع الحالية لا نتوقع تغيرا في الميزان الاستراتيجي, لابد ان يحدث تحول من بعض العناصر حتى تتوقعه , والتغيير مطلوب داخل العرب, قبل ان نتكلم عن تغير خارجي في اسرائيل او الولايات المتحدة الامريكية, وجزء من هذا التغيير لابد ان يكون مواكبا لتغيير في التوجه السياسي, وغالبا تغيير في القيادة السياسية لبعض الدول العربية ذات التأثير في الموضوع. - (البيان) : هل هذا التغيير سيأتي وحده, ام ان هناك آلية لاحداثه؟ - لواء طلعت مسلم: هنا قد تأتي فكرة القدس التي طرحتموها في اطار السؤال السابق ... اي لو ان ماسيحدث في القدس اثار الشعوب العربية والمسلمة بدرجة كبيرة, وان كنت لست متفائلا كثيرا بذلك, ولكن هناك احتمال ... ففي بعض الاحوال نجد التحرك الشعبي غير محسوب اي لايمكن التنبؤ به, واذا حدث قد يؤدي الى التغيير الذي اقصده, وربما يؤدي الى تغيير ثوري ... وليس معنى ذلك ان ننتظر من هنا حتى يحدث ذلك التغير ولسان حالنا يقول هذا قدرنا وانما علينا ان نحاول اصلاح الاحوال القائمة, واؤيد ماطرحه د. حسن نافعة حول حماس والسلطة الفلسطينية ومحاولة فرملة او كبح القيادة الاردنية في هرولتها او بالاصح سباقها نحو اسرائىل, وايقاف العلاقات التي بدأت بين اسرائىل وبعض الدول العربية الاخرى, استعادة المقاطعة العربية على المستويات المختلفة, وهذه امور يمكن ان تتم في ظل الظروف الحالية ... وبدون التغيير الذي ذكرته قبل قليل .... لكن لن يحدث تغيير جوهري بدون تغيير التوجه السياسي لبعض الدول العربية المؤثرة في موضوع الصراع. النقطة الثانية هي حدوث تغيير في اسرائيل, او حدوث تغيير في العلاقة بين اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية, ولا اتكلم هنا عن المدى القريب, وانما على المدى البعيد, وهذا مرهون ايضا بالعمل من اجل ( تفجير) المجتمع الاسرائيلي من الداخل, او تفجير العلاقة الخاصة بين اسرائيل وامريكا, او على الاقل علاقة اسرائيل بالدول الكبرى الاخرى, وهذا التغيير يتطلب ما اسماه البعض (اعادة الاعتبار للمقاومة) واسميه استراتيجية جديدة تعتمد على نقطتين المقاومة بكل صورها عسكرية واقتصادية وسياسية, وبناء القوة الذاتية عربيا, وليس قطريا فقط. وجوه جديدة - د. زكريا حسين: اود القول انه مثلما غيرت اسرائيل نفسها في ادارة الصراع, واستبدلت حزب العمل بوجه جديد وتعنت جديد وبشكل ودور جديدين, من الضروري ان تعيد الوجوه القائمة التي فشلت, ان نعيد التركيبة من جديد, لكي يتم ضبط صفوفنا ... واولا نبدأ بالفلسطينيين, الشكل الفلسطيني كله على بعضه ينبغي اعادة النظر فيه, لانهم المواجهة الاولى, الكيان الذي يواجه اسرائيل بشكلها الجديد بتعنتها وتصلبها الجديد, لابد ان يتغير, فنتانياهو لم يأت بالصدفة, والاستراتيجية الجديدة التي جاء بها معه لان اسرائيل ليست كذلك. فقد كان لحزب العمل دور واضح ونتانياهو يستكمله بشكل او بآخر, والاهداف كلها متفق عليها بين الاتجاهين والخلاف في التكتيك وهما يتنافسان على تحقيق اقصى المكاسب, وبالتالي انا لست مقتنعا بان نتانياهو يعيد صياغة اسرائيل انما هو دور جديد ترجمه لواقع اسرائىل, ويتناسب مع الواقع العربي الموجود امامه, الضعف الذي وصل اليه الجانب الآخر, ويسأل الجانب الاسرائيلي - نتانياهو - نفسه, اعطى من ولماذا وأين؟ ما اود قوله بايجاز انه مثلما غيرت اسرائيل من اسلوب ادارة الصراع بوجوه جديدة اكثر تصلبا وتشددا وتعنتا , وهذا امر مقصود ومعروف على المستوى التفاوضي الاسرائيلي, فلابد ان تتغير وجوه ادارة الصراع من الجانب الآخر, او على الاقل اسلوب الادارة كله يتغير ... ليس من الممكن ان يستمر نفس النمط الذي تدير به منظمة التحرير الفلسطينية اليوم, من خلال الشقاق القائم بين المنظمات الفلسطينية العشر, والصراعات الداخلية, وايضا باقي العناصر ... لانستطيع القول باننا نريد تجميع قدرات الامة العربية, وكل طرف عربي يسعى لمكسب خاص بنفسه. (طيب) ما مصر تجري حوارها الاستراتيجي مع امريكا, وعناصره معروفة للعامة. وما اقصده ان العناصر الخاصة بكل دولة مازالت تطغى على المصلحة العامة. نحن غير قادرين على عمل مؤتمر قمة, لاننا مثقلون باشياء كثيرة, قراري قصير وامكانياتي قصيرة, وحدود حركتي قصيرة) سآتي لاقول ماذا؟ واين وكيف؟ لابد ان تتغير الادوات, نتكلم عن توازن استراتيجي بدون ادوات !! كيف! تريد اقامة حلقة متقدمة , وحلقات متتابعة ... طيب من الذي يعمل؟ من الذي سيقود؟ من الذي سيتولى تحمل المسؤولية؟ - د. حسن نافعة: حتى لانكون متشائمين بدرجة كبيرة ينبغي ان نفرق بين استشعار الخطر والتعبير عنه او ادراك مايجب عمله لمواجهته, هذه مستويات صاعدة متتالية من التغير, واظن ان الناس تشعر بالخطر على مستوى الشعوب والحكومات. وهناك بعد جديد في الموضوع وهو انه كان هناك ناس مقتنعون بل ومؤمنون بان التسوية ممكنة مع اسرائيل, ولم يكن لديهم وهم التسوية , بل يقين التسوية وانها قادمة, وان الخطاب الساداتي وجد ارضية تصدقه, وترسخ بالاعلام والاعلان في السنوات الماضية وبالمصالح الخاصة, وبالايحاء بالتدريج في المسألة عبر مدريد ثم اوسلو ... اليوم اشعر ان جزءا كبيرا من هذا الطرح يتبدد, ويستبدل بخوف, ولكن المشكلة هي كيف ينتقل الخوف والاحساس بالخطر الى ارادة صمود ومقاومة ومواجهة هذه المرحلة التي لم ننتقل اليها بعد, فلدينا احساسان متلازمان احساس بالخطر واحساس بالعجز. - د. زكريا حسين: وهذه بالضبط المرحلة التي وصلنا اليها قبل حرب ,73 حالة القنوط واليأس في كل الامة العربية, واخرجنا منها معركة اكتوبر, وكانت مفاجأة الدنيا كلها ان هذه الجثة الهامدة والرهان على قيامها بعمل عسكري ناجح رهان غير وارد, ولما قامت كانت المفاجأة. - د. حسن نافعة: مع الفارق اننا كنا نشهد عملية اعادة بناء كاملة من 1967 الى 1970 والعسكريون (سيد العارفين) ولكن اليوم سؤالنا هو هل المؤسسات الاساسية في الدولة استكانت لدغدغة حلم التسوية, ام هي متحسبة ليوم تحدث فيه ازمة كبيرة او انفجار في الموقف. - د. زكريا حسين: دولتنا تعرف ان دورها مع اسرائيل حاليا هو دور الوسيط, وانتهى دورها الاول في الصراع, هذه مسألة واضحة لدى الدولة. - د. حسن نافعة: لا اظن ان دورها انتهى. - لواء. طلعت مسلم: ربما اختلف هنا كثيرا واعتقد ان مصر دورها الحالي دور سلبي . اعدها للنشر - أيمن شرف