المشاركون في الندوة:الدكتور عبدالكريم كريم: باحث ومؤرخ ورئيس جمعية المؤرخين المغاربة،الدكتور سعيد بنسعيد العلوي: المفكر والباحث وعميد كلية الآداب والعلوم الانسانية في الرباط،الدكتور محمد وقيدي: المفكر والكاتب واستاذ الفلسفة،الدكتور زكي الجابر: الخبير الاعلامي ،الدكتور الحسان بوقنطار: الخبير المتخصص في العلاقات الدولية،الحسين بوزينب: المؤرخ والاستاذ الجامعي.محمد الاوراغي: الاديب والباحث في الادب الاسباني،دار الندوة واعدها للنشر: رضا الاعرجي أبرز مفكرون وباحثون في ندوة عقدتها (الملف السياسي) في المغرب لمناسبة الذكرى 32 لجلوس صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة الخصال القيادية التي يتمتع بها سموه ودوره البارز في ارساء اسس دولة حديثة متطورة لم تفقدها معطيات الحضارة المعاصرة هويتها الاصيلة. واجمع هؤلاء المفكرون والباحثون على اهمية الدعوة التي اطلقها سمو الشيخ زايد لرأب الصدع العربي والتعالي على الجراح التي خلفتها ازمة الخليج الثانية, من اجل ان تستعيد الامة وحدة الصف ومواجهة التحديات التي تحيق بها وتستهدف حاضرها ومستقبلها. وفي سياق محاور متعددة, جرى الحديث عن المكاسب والانجازات التي تحققت تحت القيادة الرشيدة لسمو الشيخ زايد محليا وعربيا, وعن العلاقات التي تربط بين دولة الامارات والمغرب وبين قائديهما وشعبيهما كنموذج يحتذى به في العلاقات العربية ــ العربية. وفيما يلي وقائع الندوة التي ادارها الزميل رضا الاعرجي مراسل (البيان) في العاصمة المغربية وقدم لها بالكلمة التالية: رضا الاعرجي: الاساتذة الاجلاء... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته باسم اسرة تحرير جريدة (البيان) وباسمي شخصيا احييكم اطيب تحية شاكرا لكم هذا الحضور النبيل وتلبية الدعوة لعقد هذه الندوة في ذكرى عزيزة علينا هي الذكرى الثانية والثلاثون لجلوس سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة. واختيار الجريدة المغرب لعقد الندوة يأتي لعوامل عديدة في مقدمتها متانة العلاقات الاخوية القائمة بين جلالة الملك الحسن الثاني وصاحب السمو الشيخ زايد, وبالتالي بين البلدين وشعبيهما الشقيقين. ولاشك, فان ذكرى الجلوس هي مناسبة لاستحضار عمق العلاقات المغربية ــ الاماراتية على مختلف الاصعدة, خصوصا على الصعيد الفكري والثقافي والذي يتجسد اليوم في هذه الندوة التي تلتئم بمشاركة نخبة من مفكري المغرب ومؤرخيه وكتابه. واذا كان لي ان احدد الاساسي من محاور الندوة, اجد من المناسب التوقف عند اهم المنجزات التي تحققت للدولة تحت قيادة سمو الشيخ زايد كمحور اول. اما المحور الثاني فهو الدور الريادي لسمو الشيخ على المستويين الخليجي والعربي, خصوصا فيما يتعلق بتوحيد صفوف الامة وتعزيز ارادتها لنخلص منه الى المحور الثالث الذي ينطلق من اعلان ابوظبي في نوفمبر 1997 ودعوته الى ترسيخ الهوية القومية العربية والعمل على نشر الثقافة العربية لمواجهة مختلف التحديات التي تحيق بها, اما المحور الرابع فهو العلاقات المغربية ـ الاماراتية التي تعد نموذجا يحتذى في العلاقات بين الاشقاء والاصدقاء. وكنت عند التحضير للندوة, تمنيت على الدكتور عبدالكريم ان يقدم لها بما تستحق, وها انا اجدد التمني شاكرا له ولكل من ساهم في اخراج الندوة الى النور حسن التعاون وجميل الموقف وليتفضل الدكتور الكريم عبدالكريم. د. عبدالكريم كريم: بسم الله الرحمن الرحيم في اليوم السادس من شهر اغسطس تحل الذكرى 32 لعيد جلوس صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة الشقيقة, وبهذه المناسبة يسعدنا ان نتوجه الى صاحب السمو رئيس الدولة والى اخوانه اصحاب السمو الشيوخ حكام الامارات والى الشعب الاماراتي الشقيق بأطيب التهاني واسمى الاماني بدوام التقدم والازدهار, كما نتوجه بالشكر الى ادارة جريدة (البيان) التي اتاحت لنا هذه الفرصة للتعبير عما نكنه من تقدير لصاحب السمو رئيس الدولة ولشعب الامارات بهذه المناسبة السعيدة. منهج متوازن واذا كان التطور هو طبيعة الاشياء إلا ان ما حصل في دول الامارات العربية ابعد من كل تصور نظرا لواقع الدولة الجغرافي والديمغرافي, وللظروف الاقليمية والدولية, وعلى هذا الاساس فان التطور السياسي والاداري والاقتصادي في الامارات ظل عملية مستمرة متواصلة منذ تأسيس هذا الصرح الشامخ, كما ظل يتواكب مع حركة البناء والعمران في كافة القطاعات والانشطة. وغني عن القول ان عملية التطور هذه تخضع لعملية متأنية دقيقة يتولى الاضطلاع بها سمو الشيخ زايد انطلاقا من منهج متوازن اصيل يأخذ بعين الاعتبار مكانة الدولة في العالمين العربي والاسلامي وخصوصيتها والعادات والتقاليد التي تميز المجتمع الاماراتي. ان التطور الذي شهدته دولة الامارات هو مرآة صادقة لم تنعم به هذه البلاد من امن واستقرار وطمأنينة فكل شيء يتم وفق خطط مدروسة وقواعد مرعية اساسها الاستجابة لنبض الشعب الاماراتي الذي يرفل اليوم بمنجزات ضخمة لا تتوفر في الكثير من بلدان العالم, ويعود ذلك الى سمو الشيخ زايد الذي بذر وحدة هذا الصرح الشامخ والكبير حقا في قلوب العرب والمسلمين, حتى غدت الدولة على يديه دولة شموخ واباء وعدل. واذ نحتفي اليوم بذكرى جلوس سموه انما نحتفي بمسيرة التوحيد الخالدة التي قادها وارسى دعمائمها, كما نحتفي بالانطلاقة الحضارية التي شملت مختلف نواحي الحياة السياسية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية في ظل استقرار امني وسياسي وموارد توظف من اجل مزيد من التطور ورفع مستوى المواطن ومساندة القضايا العربية والاسلامية, فدولة الامارات العربية تدعم بسخاء وتناصر العرب والمسلمين وقضاياهم, وتبرهن القول بالفعل حيث تأتي في مقدمة الدول التي تساهم في برامج الاغاثة والتنمية الانسانية. اثنان وثلاثون سنة مرت على مسيرة النماء والازدهار تحت القيادة الرشيدة للشيخ زايد, وانها لمناسبة عزيزة على كل عربي لتأكيد معاني التقدير للانجازات الحضارية التي تمت على يديه, انجازات اقرب إلى المعجزات, فهي كنز دولة الامارات الثمين, وهي حافزها إلى التقدم والتطور لتأخذ مسارها الطبيعي وتحقق ما تصبو اليه من احلام وتطلعات. البيان: لعل من أبرز وأهم المنجزات التي تحققت منذ أن تولى صاحب السمو الشيخ زايد مقاليد الحكم المنجزات على المستوى الاماراتي, كما اشار إلى ذلك الدكتور عبدالكريم, والكلمة الآن للدكتور سعيد بنسعيد العلوي ليتحدث عن هذه المنجزات من منظور رجل الفكر والثقافة. a . سعيد بنسعيد العلوي: شكرا, وبدوري أحيي جريدة (البيان) وأشكر لها اتاحتها لنا فرصة هذا اللقاء وفرصة التنادي في موضوع عزيز على قلوبنا, أثير في نفوسنا, هو الموضوع المتصل بدولة الامارات العربية المتحدة بمناسبة الذكرى 32 لتولي صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان مقاليد الدولة, والكلام في هذه الذكرى الغالية علينا هو كما يقال حديث ذو شجون, وأسمح لنفسي أن اتحدث بصفة يمتزج فيها ما هو وجداني بما هو موضوعي إلى حد ما, فقبل بضعة اشهر, وفي شهر مارس من السنة الجارية تحديدا, كنت في الامارات العربية المتحدة ضمن وفد مغربي, ومما شمله موضوع الزيارة, أو قل مما كانت مفاجأتنا السارة به مفاجأة عظيمة, هو أن سمو الشيخ زايد قد خصنا بمقابلة في بيته, وتلك المقابلة كانت في الواقع عبارة عن جلسة عربية اسلامية أخوية رأينا فيها سموه عن قرب, وتحدثنا معه في جملة من القضايا والموضوعات. b . وما أصفه بـ (الوجداني) في هذا الحديث هو اننا كنا بمحضر رجل عربي اللسان وعربي الأرومة, مسلم صافي الاسلام ذي نظر ثاقب إلى القضايا التي تتصل بالوطن الامارات, وبالمنطقة منطقة الخليج العربي, وبالوطن العربي الكبير وبهمومه وقضاياه, فقدم لنا في ذلك اللقاء نظرة حكيمة جدا حول القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب العراقي الشقيق ونظرة أخرى تتصل بما ينبغي ان يكون عليه التضامن العربي, فازددنا بالرجل اكبارا وتقديرا وعظم في نفوسنا, وكنا قبل ذلك قد قمنا بجولة في أبوظبي خاصة, وزرنا المتحف, وشاهدنا ما كانت عليه الامارات قبل سنوات قليلة وما اصبحت عليه من تبدل وتحول في أحوال العمران والبناء. كثيراً ما يقال إن دولة الامارات العربية المتحدة إذا كانت قد استطاعت ان تحقق ما حققته من انجازات, وتلك الانجازات لا شك عظيمة في المجال العمراني وفي المجال الاقتصادي والمجال العلمي, فان ذلك يرجع إلى ما حباها الله به من خيرات, وهذا صحيح, ولكنه ليس كافيا لوحده, فرب منطقة ورب تاريخ ورب جهة قد تمتلك ما يوازي تلك الثروات, وربما ما يفوقها, ولولا الاتصاف بالحكمة وبنظر ثاقب ما امكن لتلك المنطقة الغالية علينا من الوطن العربي ان تتحول إلى ما هي عليه, أو ان تصير إلى ما صارت اليه, في ردح قليل من الزمن. هذا شيء لمسناه بأعيننا, ولمسه بصفة خاصة من كانت له قبلنا فرصة القيام بزيارات سابقة متكررة إلى دولة الامارات العربية المتحدة, فشاهد وقارن الفرق, لكنني في باب الحديث عن الانجازات اعتقد ان اعظم انجاز تم في الامارات العربية المتحدة هو الانجاز المتصل بالانسان أولا وقبل كل شيء, فدولة الامارات العربية تحت القيادة الرشيدة لصاحب السمو الشيخ زايد استطاعت في وقت وجيز أن تتحول من مجتمع بدوي صحراوي إلى أعتاب المجتمع الحديث, واستطاعت ان تتحول من حالة من البساطة إلى كيان له مقومات الدولة الحديثة في كثير من مظاهرها, واخصها المظاهر العمرانية والتعليمية وما اتصل بها. انجاز التوحيد واذا كانت المنجزات كثيرة ولا استطيع ان اتحدث عنها, إما لعدم الاحاطة بها, أو لأنها لا تحضرني في هذه العجالة, وعساني أن أرجع اليها اذا امتد حبل الحديث بيننا, فإنني أريد أن أنوه وأشير بصفة خاصة الى انجاز 1971 الذي هو بكل تأكيد في طليعة تلك الانجازات كونه نقل المنطقة من مجموعة من المشيخات والامارات الصغيرة, التي كانت قبل وقت قليل ترزح تحت اشكال مختلفة من الاستعمار البريطاني الى دولة اتحادية عصرية بفضل تلك المبادرة, وبالتالي نقل المنطقة من قيم العشيرة الى قيم الامة, ولانجاز الدولة الاتحادية أثره القوي والواضح لكل رائح ولكل غاد عند زيارته لأبوظبي ودبي والعين والفجيرة ورأس الخيمة ولمجموع الامارات كلها, ولكن بالنسبة لي شخصياً هذا الانجاز له دلالة تفوق الدولة, وربما تفوق حتى الخليج بصفة عامة. ما هي هذه الدلالة؟ هذه الدلالة هي ان هذا الذي نتحدث عنه من وحدة عربية ومن أمل في الوحدة العربية اذا ما تم التخطيط له بكيفية عقلانية وبكيفية منطقية فإنه يكون ممكناً, والعقلاء الذين أثاروا قضية الوحدة العربية وتحدثوا فيها رأوا ان تلك الوحدة ينبغي ان تتخلص من مجموعة من الأوهام التي علقت بها لأكثر من عقدين من الزمن, الوهم الأول هو وهم الدولة العربية الاندماجية الواحدة, والوهم الثاني هو وهم الاقليم القاعدة, والوهم الثالث هو وهم الدولة التي تنصهر فيها الاعلام والحدود وكل الملامح الشخصية تحت قيادة واحدة وفي شخص واحد هي الدولة الاندماجية, والوهم الرابع هو الوهم الذي كان يتحدث بكثير من الاستخفاف عما كان يسميه بالدولة القطرية, في حين ان الدولة القطرية ليست سوى الدولة الأمة أو الدولة في التصور الحديث, اذن فهو قد تخلص من مجموعة من الأوهام وأبان عن امكانية قيام وحدة عربية اذا ما كانت تلك الوحدة تكاملية تعاضدية لا تقول بالانصهار ولا بالاندماج وانما بوحدة على اساس المصالح الواحدة, المصالح المشتركة, وعلى أساس البحث عن الغنى في التنوع في تلك الوحدة. ونحن نعلم الدور الحاسم الذي كان لصاحب السمو الشيخ زايد في تأسيس مجلس التعاون الخليجي والذي لا يزال يلعبه, ولا أقول هذا من باب المجاملة وإنما من باب معطيات أرجو أن يؤكدها بعد قليل زميلي وأخي الدكتور الحسان بوقنطار وهو المتخصص في الموضوع, فصاحب السمو الشيخ زايد استطاع ان يحتوي, بحكمته وحنكته, كثيراً من الخلافات وكثيرا من العراقيل التي قامت بين هذا القطر او ذاك وأن يتجاوزها, كما استطاع ان يتجاوز ما كان من تداعيات أزمة اجتياح الكويت, والآن بحكمته هو بصدد المساعدة على مجاوزة ما يتعلق بمعاناة الشعب العربي في العراق الغالي علينا, فإذن نحن عندما نتحدث عن دولة الامارات العربية المتحدة لا نملك الا أن نتحدث عن صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان, فهذا الحديث يستدعي ذاك الحديث, وإذ نتحدث عن الشيخ زايد وعن دولة الامارات العربية فنحن نتحدث عن مثل رائع في الصمود والتحدي والخروج من جوف الصحراء إلى أعتاب الدولة الحديثة دون التفريط في الهوية ومقوماتها. وكم استعيد لحظات ذلك اللقاء المحدود والقصير في الزمن ولكنه الغني بالتجربة الذي جمعنا بسموه في شهر مارس الماضي كما تحدثت عن ذلك, ولا يسعني بهذه المناسبة الا ان اتوجه بصفتي مواطنا مغربياً ينتمي الى هذه الدولة التي يقول عنها رئيسها الملك الحسن الثاني نصره الله في معرض الحديث عن صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان (إن ما بيني وما بين الشيخ زايد هو ما بين التوأم والتوأم, وان العلاقة فيما بيننا علاقة توأمين) بتحية الاجلال والاكبار لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان, وأعانقه بقوة وحرارة, وأشد على يديه وأقول له, وفقك الله سيدي الشيخ وأعانك على تحمل المسؤولية وعلى الدفع بدولة الامارات قدماً نحو الامام وعلى الاسهام البناء في تطوير الوجود العربي, وفي الدفاع عن كرامة الأمة العربية, وفي الدفاع عن كرامة الوجود الاسلامي. البيان شكراً للدكتور سعيد على هذا العرض الشيق الذي يمزج بين الذاتي والموضوعي في النظر الى تجربة الدولة باعتبارها نموذجاً وحدوياً تخلص من الأوهام والشعارات الصاخبة. الامر الذي يؤكد قيمة هذه التجربة تاريخياً, فعندما تأسست دولة الامارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر 1971 كانت الأمة العربية تعيش ظروفاً صعبة ممثلة أولاً في انتكاسة الوحدة بين مصر وسوريا في 1961 ثم نكسة 1967 ومضاعفاتها الخطيرة, وقد استطاعت دولة الامارات في ظرف وجيز ان تكون نموذجاً لوحدة عربية زاد من قوة اشعاعها الدور الذي لعبته في تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981 والتعاطي الايجابي مع قضايا الامة الرئيسية, الدكتور الحسان بوقنطار سيتحدث عن قواعد السياسة الخارجية التي أرسى دعائمها صاحب السمو الشيخ زايد على الصعيدين الخليجي والعربي, فليتفضل. د. الحسان بو قنطار كمواطن عربي, يطيب لي أولاً ان أتوجه بالتهاني الحارة لصاحب السمو الشيخ زايد متمنياً له طول العمر والمزيد من العطاء لدولة الامارات العربية وللعالمين العربي والاسلامي, وأريد كذلك بهذا الصدد أن أزكي مقولة أساسية لصديقنا الاستاذ سعيد بن سعيد العلوي عندما قال انه لا يمكن فصل مسيرة الامارات العربية عن مسيرة الشيخ زايد, ففي قلب هذه المسيرة يوجد هذا الرجل وبالخصوص عندما نقرأ تاريخ هذه الدولة ونلاحظ التحولات, بل الطفرة الكبيرة التي حدثت بين العهد الذي كان سابقاً لصاحب السمو الشيخ زايد وبين الفترة التي تولى فيها الشيخ زايد مقاليد الأمور, وهي فترة قصيرة نسبياً, والتي كان من بين أهم انجازاتها الاساسية محاولة بناء دولة جديدة, دولة حديثة تندرج ضمن الحضارة الانسانية دون ان تنفصل عن جذورها العربية الاسلامية. السياسة الواقعية.. والتضامن العربي ان الحديث عن صاحب السمو الشيخ زايد او عن الامارات العربية او السياسة الخارجية للامارات العربية يدفعنا لطرح بعض الاشكالات الأساسية التي تواجهها, فكما نعرف, بصفة عامة, السياسة الخارجية هي دائماً محاولة خلق نوع من التوافق بين ضغوط البيئة الداخلية والبيئة الخارجية, وبالتالي محاولة نهج سلوك يمكن ان يوفق بين هذين النوعين من الضغط, وعندما نأخذ الامارات العربية التي تندرج ضمن ما يمكن ان نسميه مجموعة الدول الصغيرة من ناحية المساحة الجغرافية والسكان, وكذلك من حيث وجودها كونها لم تظهر للوجود كدولة اتحادية الا في سنة 1971 فتحت هذه الضغوط حاول صاحب السمو الشيخ زايد أن يرسم للامارات العربية سياسة مستقلة, وهذه السياسة المستقلة, من خلال متابعتي لتحركات الشيخ زايد, تتميز بخاصيتين أساسيتين, الخاصية الأولى هي ما يمكن ان نسميها بالواقعية, والخاصية الثانية هي محاولة انضاج مشروع قائم على التضامن العربي. فيما يتعلق بالواقعية نلاحظ انه ربما على خلاف اغلب الدول الخليجية التي نهجت أسلوباً معينا, حاولت الامارات العربية او القيادة في الامارات العربية المتحدة ان توفق بين مجموعة من الضغوط مرتبطة اولاً بالنظام السياسي, والنظام السياسي كما نعرف وكما يؤكد ذلك الدستور المؤقت لدولة الامارات العربية هي دولة اتحادية مستقلة, وطبعاً, كان من الضروري تضبيط العلاقات بين الدولة الاتحادية وبين الامارات المختلفة, وقراءة الدستور تبين لنا أن الاتحاد يختص بالسياسة الخارجية وبالدفاع والامن والهجرة والاتصالات, ولكن هذا لم يلغ بعض الاستقلالية فيما يتعلق بالامارات, الشيء الذي يجعلنا نرى في بعض الاحيان بعض التميزات في المواقف بين الدولة الاتحادية وبين الامارات المختلفة. من حيث العامل الاجتماعي, او العامل الاجتماعي الديمغرافي بصفة عامة, نلاحظ الهجرة الكبيرة التي فرضها نقص اليد العاملة الوطنية وقلة اعداد السكان المنحدرين من الامارات, لذلك نلاحظ ان الدولة تعرف ضغوطاً ناتجة عن الهجرة المكثفة ولا سيما الآسيوية منها فهي ككل الهجرات ليست فقط هجرة سكانية, ذلك إنها تأتي بنظام قيمها كما تأتي بممارساتها وبضغوطها اما بشكل مباشر أو من خلال دولها الشيء الذي يطرح على الدولة مجموعة من التحديات حول كيفية ادارة ما يمكن ان نسميه بهذا النوع من الفسيفساء الديمغرافي. كذلك ينبغي ان نلاحظ ان مسلسل التمدن والانجازات الكبرى التي حدثت في الامارات العربية ادت الى ابراز طبقة متوسطة تتكون من الاطر كالمحامين والاطباء والموظفين الخ. وهي طبقة لها تطلعات مخالفة لتطلعات طبقة التجار الشيء, الذي جعل من الضروري بناء نوع من النظام يتميز بالاعتدال والانفتاح دون ان يفقد الخصوصيات الاساسية للدولة, وبالتالي فاننا نلاحظ ان السياسة الاماراتية الخارجية تتميز بالواقعية التي فرضت ضرورة التفاعل مع مجموعة من الضغوطات, وأولها الضغط المتعلق بالمحيط الاقليمي المباشر سواء تعلق الامر بالدول الخليجية المنضوية في مجلس التعاون الخليجي أو تعلق الامر بدول لا تنتمي الى هذا المجلس كما هو الامر بالنسبة للعراق وخاصة بعد كارثة اجتياح الكويت, أو فيما يتعلق بايران التي, كما نعرف, للدولة مشكلة حدودية معها لاحتلالها ثلاث جزر اماراتية هي طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى. وازاء هذه الضغوطات وغيرها نلاحظ ان الامارات العربية عملت على أن يكون لها موقع متميز داخل محيطها الاقليمي من خلال نهج سياسة تعتمد الحوار بدلا من الدعوة الى الصراع وهي الفكرة الاساسية التي وجهت السياسة الخارجية للامارات العربية كما تتجلى فيما يتعلق بالجزر الثلاث حيث ان الامارات مافتئت تدعو ايران الى ضرورة عرض المشكلة قضائيا على محكمة العدل الدولية او فتح حوار مباشر. وكذلك فيما يتعلق بالعراق حيث نلاحظ انه على خلاف بعض الدول الخليجية فان الامارات العربية لم تقف موقفا متشددا, بل ان صاحب السمو الشيخ زايد مافتىء يندد بالحصار الذي يعاني منه الشعب العراقي الشقيق ويدعو الى سياسة التسامح وذلك لاعادة بناء النظام العربي لانه في قرارة نفسه يعتبر ان استمرار هذا الوضع لا يمكن الا أن يؤدي الى خدمة مصالح اعداء الامة العربية. كذلك نلاحظ ان هذه السياسة حاولت ان تتكيف مع ضغوط الدول الكبرى وبالاخص الولايات المتحدة الامريكية ولاسيما بعد استفراد هذه الاخيرة بتوجيه النظام الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, ففي كثير من الاحيان نلاحظ رغم العلاقات المتميزة بين الامارات العربية والولايات المتحدة الامريكية, ان الامارات العربية حاولت ان تقف مواقف متميزة يسودها الطابع القومي وليس الانحياز للاطروحات الامريكية التي ترمي في كثير من الاحيان الى افتعال بعض المشكلات حتى تعطل مسيرة النمو في المنطقة. فهذه المواقف تبرز وعي صاحب السمو الشيخ زايد وتوجهاته لبناء دولة حديثة ولكن دون السقوط في الاوهام التي مازالت سائدة حتى الان عن بناء الدولة الحديثة. انطلاقا من هذه الثوابت والاسس الراسخة والقائمة على الرؤية الواقعية كان تأكيد صاحب السمو الشيخ زايد على التضامن العربي. وجاء بيان ابوظبي الذي هو نتاج حضور حشد كبير من المفكرين العرب ليجسد الدعوة التي اطلقها في عدة مناسبات لطي صفحة الماضي واعادة بناء العلاقات العربية على اساس اعطاء الاولوية لما يمكن ان نسميه بالخيار العربي بدل ترك الفرصة للدول الكبرى لتحدد بنفسها مسيرة النظام الدولي. وهذه الافكار الواقعية هي في نهاية المطاف تمثل نفس محددات السياسة الخارجية المغربية بدليل اننا نجد في جميع المناسبات ان السياسة الخارجية المغربية والاماراتية تعرف نوعا من التوحد في كافة المواقف وكافة الرؤى. (البيان) : شكرا للدكتور بوقنطار على هذه المداخلة التي ابرزت ثوابت السياسة الخارجية لدولة الامارات ومحدداتها التي هي محددات السياسة الخارجية للمغرب. وكما ارى يرغب الدكتو عبد الكريم كريم التعليق ضمن هذا المحور, فله الكلمة الان. د. عبد الكريم كريم: من المنجزات التي تحققت ونلمسها وتلمسها الامة العربية اليوم على المستوى العربي هو ان دولة الامارات العربية المتحدة اصبحت فعلا عضوا فعالا في الاسرة العربية, وتميزت على نحو خاص بالدعوة الى التضامن العربي لانه اقوم السبل لاستقرار الامة العربية ومناعتها. وايضا الدعوة الى الوحدة العربية التي لم تعد ضرورة حتمية بل اصبحت قدرا ومصيرا. ولاجل ذلك نرى ان صاحب السمو الشيخ زايد قد قام بعدة جولات الى مختلف العواصم العربية لاصلاح ذات البين وللمصالحة وتجاوز الخلافات, كما تكررت دعوته الى تنظيم لقاءات عربية لحل المشكلات العربية المستعصية ومن ذلك دعوته المتواصلة لرفع الحظر عن الشعب العراقي الشقيق ثم استنكاره لسياسة الكيل بمكيالين من طرف الدول العظمى فيما يتعلق بقضايا الشرق العربي والقضايا العربية بصفة عامة. خيرات الامارات لدعم قضايا الامة وعلى المستوى العربي ايضا, وهذا ما نلمسه جميعا, هو ان خيرات الامارات العربية المتحدة عمت فعلا جميع الوطن العربي, وساهمت الى حد بعيد في تطوير عجلة التنمية العربية, وقد تكررت دعوات صاحب السمو الشيخ زايد ودعوات الامارات العربية من اجل تأسيس سوق عربية مشتركة للاستفادة من الامكانات الاقتصادية العربية, ولمواجهة التحديات التي اوجدها النظام العالمي الجديد القائم على التجمعات القوية بوحدتها السياسية والاقتصادية. لقد وظف صاحب السمو الشيخ زايد جميع امكانات الدولة السياسية والاقتصادية لدعم القضايا العادلة في كل مكان من البلاد العربية والاسلامية, في فلسطين والعراق والصومال وغيرها, وما قام به سموه في هذا السبيل انما املته مبادىء الدين الحنيف الذي يحض على التعاون والتآزر وتضافر الجهود في الظروف العصيبة, وكلما دعت الضرورة الى ذلك. ولئن كانت العقيدة الاسلامية والايمان بالعروبة هي الاصول التي نهضت عليها دولة الامارات فان تطبيق هذه الاصول تتجلى اليوم في هذه الخطوات المنسجمة في علاقاتها مع محيطها العربي والاسلامي ومع العالم الخارجي, حيث يظل توحيد كلمة العرب والمسلمين وتوحيد صفوفهم ولم شملهم وبناء قوتهم والتعاون بينهم على رأس اولويات واهتمامات صاحب السمو الشيخ زايد. وليس بمستغرب حرص سموه على ان يعود لهذه الامة وجهها المشرق لان رايه التوحيد والتضامن انطلقت اصلا من تجربة حية هي هذا المكان المتماسك المتمثل في اتحاد الامارات العربية. (البيان) : من خلال المداخلات السابقة في هذا المحور, اي المحور العربي, كان هناك ربط واضح بين شخص صاحب السمو الشيخ زايد وما تحقق من انجازات داخلية وما انتهج من سياسات اقليمية ودولية, ولاشك, ان شخصية صاحب السمو الشيخ زايد لها من الخصوصية ما يجعلها قادرة على التأثير في محيطها العربي والانساني بشكل عام. الدكتور زكي الجابر سيلقي الضوء على جوانب من شخصية صاحب السمو الشيخ زايد التي كان لها الدور الاساسي في تفجير ينابيع الخير وصنع ملحمة بناء الكيان والانسان في احشاء الصحراء. د. زكي الجابر: عبر التاريخ, ظهر دور الشخصية الكاريزمية في عمليات التقارب أو التكامل او الاتحاد بحكم ما لهذه الشخصية من مواصفات القيادة والجاذبية والامثولة والتضحية وتحمل العبء. ولكي اضع هذا الاجتهاد في اطار يقربه من المعقولية والمقبولية, اقول ان قيام دولة الامارات العربية المتحدة يشكل مبادرة تقريب وتوحيد على طريق مبادرات يحلو لنا ان نراها قائمة في اكثر من مكان من الوطن العربي, انها لدى الحالمين خطوة عملية تمثل فيها الحس القومي, والامتثال للواقع, والاهتداء بالحكمة, ولم يكن النجاح حليف هذه الخطوة. الا بتوجيه قيادة كاريزمية قريبة من الناس تعيش معاييرها وتحس احاسيسها وتسوسها بالعقل والحكمة. لقد شهد تاريخ العالم اكثر من شخصية كاريزمية استقطبت حب الناس وامسكت بزمام القيادة حتي اذا استقر الامر انفصلت عنهم وحكمت اجتهادا فرديا يخضع لطموح لايسعفه الواقع ومن ثم تمزقت خيوط الانجذاب الى تلك الشخصية القيادية, ولطالما سار امثال تلك الشخصية الممزقة ببلدانكم الى هاوية من الدمار او التخلف او الركود, والشواهد على كل ذاك وفيرة. ان التفاؤل باستمرارية الحلم القومي يتجدد عند فحص الابعاد العميقة لقيام دولة الامارات العربية المتحدة, بكيانها المؤسسي والدور الرائد الذي نهضت به الشخصية الكاريزمية الرائدة في تثبيت اركان الدولة وتوطيدها على اسس من العدل الاجتماعي والطموح النبيل وكرامة المواطن وهو تفاؤل مبرر ومنطقي ففي المعترك السياسي قد تضعف الايديولوجيا وتهتز عوامل لاتتعلق, كما يظن, بنعومة والمظهر والليونة بقدر ما تتصل بالحكمة (ومن يؤت الحكمة فقد اؤتى شيئا كثيرا) , ومن بعد ذلك الهدوء والحذر والجرأة على طرح الرأي وطنيا وعالميا في الوقت المناسب, ويقدر ما يتصل بالقدرة على التواصل مع هموم المواطن وانشغالاته وطموحاته هذه القدرة يتجسد قوامها في اعلام الناس واحاطتهم بما يستجد من مواجهات وما يتبع من سياسات ويتجسد في التعليم, تعليم المغزى الكامن وراء الحقائق الظاهرة والخفية في عصر التسارع على التسلح والتسابق في ساحة مستجدات العلم والوصول الى الموارد, وانفتاحات السوق العالمية وتعدد مناحيها وتعقدها ويتجسد في التصدي بكل جرأة وتحد وعقلانية لكل ما هو زائف وقبيح. ان هناك شركات علاقات دولية كبرى لديها قوة التقنيات وامكانات بلاغيات وسائل الاعلام المعاصرة وبها تستطيع صناعة الصور وتجميلها وتلميعها مقابل ثمن لقد اصبح هذا الضرب من الاشغال صناعة قد تتمكن من تحويل الزيف الى حقيقة ولكن طال الامر ام قصر فستأتي الساعة التي تسطع فيها الشمس فيذوب الطلاء وتبدو الوجوه المصطنعة مجردة من اقنعتها. ان سقوط الاقنعة رهين بمعرفة الحقيقة الاحداث فطالما لجأ صانعو الصورة الى تزوير الاحداث وربما اختلافها وطالما لجأوا الى تسطير الوعيد الكاذبة التي تسبح بالمواطن في احلام لذيذة من العسل وهكذا يمكن القول ان الشخصية الكاريزمية هي التي لا تلجأ الى خداع الناس عن طريق تجميل الصورة بل ان تستمثر جاذبيتها من اجل صناعة اليوم والغد انطلاقا مما في الواقع وعن احترام لعقلانية المواطن باعتباره انسانا يتميز عن الحيوان بما لديه من قدرة على تحك العقل ذلك ان الشخصية الكاريزمية اذا ما اعتمدت على تلك العقلانية المواطن فانها في الوقت ذاته تعني اعتمادها على قدرته على ممارسة فعل الحرية, الحرية التي تترعرع وتتفاعل وتؤتي ثمارها تحت ظلال الاحترام والمحبة والتعاطف والتألف والكرامة كما ان الشخصية الكاريزمية لن تنكر على الانسان ان يكون عقلانيا وحرا لن تقول اذا لم يجد سكنا يأوية فلينم في الشوارع والمنعطفات الخلفية وتحت شرف العمارات او اذا لم يجد عملا فيلجا الى التسول وبذل ماء الوجة, او اذا عضه الجوع فليجد سبيلا الى سرقة لقمة العيش. الصحراء وقيم الفروسية والتواضع ان في دولة الامارات العربية المتحدة دولة المؤسسات التي تشكل بدورها محور ديمومة الفعل الاداري والاجتماعي والسياسي في شخصية قائدها التي تتشخص فيها مقومات الكاريزما وخصائص الدليل الحي على نجاعة كل ما سلف من اجتهاد وقديما قيل: وليس يصح في الاذهان شىء اذا احتاج النهار الى دليل واذا كان من المعروف ان القادة يتسمون بالثبات الانفعالي وقوة الارادة والثقة بالنفس ومعرفة النفس وضبط النفس فان البيئة تدخل في تكوين هذه الشخصية وبلورتها والبيئة التي تأثر بها الشيخ زايد هي البيئة الصحراوية التي تعلم الفروسية و فنون الحرب والوقوف على الصلات القائمة بين القبائل ودراسة عاداتها ونقاط القوة والضعف فيها ومن هنا كان الافتخار بالامانة وحسن السمعة والتمسك بالقيم الروحية والانسانية والمعايير الاجتماعية والتواضع والبساطة والعفوية وغيرها من الشمائل التي ميزت شخصية الشيخ زايد ومنحتها خصوصيتها وفرادتها وبالتالي تركت بصماتها على نظام الدولة في الداخل وفي تخطيط علاقاتها الخارجية واستراتيجية الدبلوماسية واساليب تفاعلها مع الدول الاخرى. (البيان) شكرا للدكتور زكي على هذه المداخلة التي قدمت عبر رؤية تحليلية بعضا من ملامح شخصية صاحب السمو الشيخ زايد لاسيما بساطته الأسرية وتواضعه. في نطاق موضوع الدولة الحديثة ودور الشيخ زايد في ترسيخها, هناك ما يضيفه الدكتور محمد وقيدي. تفضل. د. محمد وقيدي: شكرا: اذا اردنا ان نحدد الاشياء التي نشعر بان العرب اليوم في حاجة اليها لكي يكونوا مع زمنهم ربما يكون من اول تلك الاشياء اقامة دولة حديثة بما تقتضيه هذه الدولة الحديثة من مؤسسات ترمز اليها وتضمن سيرورتها. واذا كانت دولة الامارات العربية المتحدة وهي تحتفل اليوم بعيد الجلوس قد حققت شيئا فربما يكون من اهم ما حققته, وانا اضيف كلامي الى كلام الزملاء الذين سبقوني انها سعت الى ان تكون دولة حديثة ذلك لانه لايمكن في الزمن الحاضر الجمع بين التواجد الزمني مع ما هو عليه عصرنا وبين التخلف السياسي, اذ يمكن ان نوجد في زمن ما دون ان ننتمي إليه وهذا الامر لايخص الامارات العربية المتحدة وحدها بل يخص كل البلاد العربية واذا كنا نتحدث احيانا عن وحدة بين البلاد العربية مهما كانت شروط هذه الوحدة فانه لايمكن ان يكون اتحادنا حول ما لايمكن ان نتوحد حوله اي لايمكن ان تكون الوحدة حول بقائنا منتمين الى زمن اخر فلابد ان تتجه الوحدة المطلوبة الى الشيء المطلوب نفسه اي الى تحديث المجتمع العربي وتحديث الدولة من الناحية السياسية. ولذلك فانني أؤيد هنا ماسبق لزميلي الاستاذ سعيد بن سعيد العلوي حول ما قاله من اننا لكي نحقق في البلاد العربية ما نصبو اليه من وحدة ينبغي ان نتجاوز عددا من الاوهام وازيد على كلمة الاوهام كلمة التناقضات الزائفة فينبغي اذن ان ننتقل من هذه الاوهام الى الواقعية ولكنني سأضيف هنا وهما آخر هو ما اسميه وهم الاصالة المطلقة, فلا يمكن ان تحقق كل بلاد عربية منفردة ولا مجتمعه ما تصبو اليه ان لم تتحرر من عقدة الاصالة المطلقة, لان جزءا من اصالتنا يتعلق حقا بماضينا وهذا الشيء لا يمكن انكاره, وجزء اخر منه يتعلق بوضعنا الحالي وجزء آخر يتعلق بالمستقبل. الأصالة هي أيضا شيء ينتمي إلى المستقبل, والمستقبل فعلا هو شيء يتحقق وليس شيئا متحققا. ان روح العصر واضحة في جميع مناهج وسياسات دولة الامارات الى جانب الاصالة المتجددة معنى ومضمونا والعمل من اجل تجديد وتطوير هذه المناهج والسياسات عمل متواصل ويجب ان يستمر, فالدولة الحديثة في حاجة ماسة لايضاح مساراتها وانماطها حتى تتضافر الجهود من اجل ترسيخ الهوية الثقافية الحضارية لاستيعاب المستجدات ومواجهة التحديات. قائدان اخوان.. وبلدان توأمان (البيان) : شكرا للاستاذ وقيدي. من المحاور الرئيسية في هذه الندوة محور العلاقات المغربية ــ الاماراتية. وقد أشار الدكتور سعيد الى ما كان جلالة الملك الحسن الثاني قد ذكره في موضوع العلاقات المغربية الاماراتية, ونعرض هنا نص كلمته عندما خاطب صاحب السمو الشيخ زايد قائلا: (انني كلما أردت ان أصف العلاقات بين شعبي المغرب والامارات العربية المتحدة لا يمكن ان أقول الا انها علاقات لا أجد لها في القاموس وصفا, علاقات فوق العلاقات الاخوية, فوق العلاقات العربية, فوق العلاقات البشرية, هي علاقات توأمين لا فرق بينهما الا البعد الجغرافي) . فلصاحب السمو الشيخ زايد اسهامات واسعة في تنفيذ العديد من المشروعات الاجتماعية والانسانية في المغرب كبناء المساكن وفتح الطرق وحفر الآبار واستصلاح الاراضي الزراعية وغير ذلك من المشروعات النبيلة. a . سعيد بنسعيد العلوي: (تفضلت بالاشارة الى الجهود الشخصية التي يقوم بها سمو الشيخ زايد بن سلطان في المغرب واسهاماته مما هو معروف بعضه وغير معروف بعضه الآخر وهو كثير ومتنوع, أذكر قبل ان أتحدث عن العلاقات المغربية ــ الاماراتية شيئا سمعته بمعية الوفد المغربي في ذلك اللقاء الذي تحدثت عنه قبل قليل عندما كنا بصدد الاستئذان من الشيخ زايد للانصراف, كان يشد على يد كل واحد منا انكم سترجعون الى المناطق التي تسكنون فيها, فكل ما ترونه مفيدا لها لا ترددوا فعندكم ممثلي في الرباط وهو السفير وأنتم تعرفونه, أخبروه بالأمر ويكفي ان اتصل بأخي جلالة الملك الحسن الثاني لاستئذانه في الأمر وأنا مستعد لأن أنفذ ما تطلبونه من شق ترعة أو حفر بئر أو الاسهام في بناء كيف ما كان نوعه. b . أريد ان أعقب على هذه المبادرة لا من حيث جانب الطيبوية فيها أو من حيث الكرم, إنما للاشارة الى أمر أثارني في شخصية الشيخ زايد, وقد تحدثت قبل قليل عن حكمته وعن حصافته وحكمته العملية, وهو انني آنست منه حبا للانسان لا تخطئه أذن المستمع ولا عين الرائي, ولمست منه شيئا آخر ربما يلمسه كل من اتصل به وهو حبه للأرض وللزراعة والتشجير وما اتصل بها, فهذا حب يلمسه المرء عندما تحط به الطائرة في أرض الدولة, فيرى كيف تحولت الصحراء الى جنة خضراء مثلما في جزيرة بني ياس وهي مجرد مثل بسيط. اما فيما يتصل بالعلاقات المغربية ــ الاماراتية, فاعتقد ان أخي وزميلي الدكتور الحسان بوقنطار قد سبقني فأوجز القول وأحسنه, اذ قال ان التوافق والتطابق في وجهات النظر بين القائدين جلالة الملك الحسن الثاني وصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان والمشاورات المتصلة بينهما كثيرا ما يجعل زاوية النظر الى القضايا الشائكة عربيا واقليميا ودوليا واحدة, وبالتالي هذا شيء منطقي وطبيعي يجعل كيفية المعالجة والحلول المقترحة واحدة. بين المغرب وبين الامارات العربية محاولات شتى ومتنوعة لترجمة هذه العلاقة بين التوأمين ولترجمة هذا التآخي رغما عن التباعد الجغرافي, فهناك عدد لا بأس به من الاتفاقيات التجارية والاقتصادية والاتفاقيات العلمية, فهناك اشتراك في معارض وهناك تنقل مستمر لرجال الأعمال بين البلدين وهناك استثمارات اماراتية في المغرب, ثم هناك اتفاقية تعاون على المستوى الثقافي واتفاقية بين المجمع الثقافي في أبوظبي وبين غيره من المراكز الثقافية في المغرب, وآمل شخصيا, مغتنما هذا اللقاء الاخوي على صفحات جريدة (البيان) الغراء, ان يقوم هناك اتفاق وتعاون بين المجمع الثقافي وبين كلية الآداب والعلوم الانسانية هذه التي أتشرف بادارة شؤونها, وأحسب هذا الأمر ممكنا. كما أحسب ان هناك سبلا اخرى للتعاون بين جمعية المؤرخين المغاربة وبين مركز الابحاث التاريخية في أبوظبي, كما ستكون الافادة كبيرة بين ذلك المركز وبين شعبة التاريخ في الكلية, وهي ممكنة ايضا للمهتمين بالدراسات المتعددة لاسيما ما يتعلق بالوجود البرتغالي والوجود الاسباني الايبيري في المنطقة. ومعنا أحد المتخصصين في الموضوع وهو الدكتور حسين أبوزينب وأحسبه يبدي رأيا حوله. اتفاقيات .. وطموحات بالاضافة الى ذلك, هناك اتفاقية شاملة بين جامعة محمد الخامس وجامعة العين, وهي ليست حبرا على ورق ولكنها فاعلة, وان كانت لاتزال دون ما نطمح اليه, والعيب ليس في الاتفاقية فهي واضحة تقضي بتبادل الزيارات بين الاساتذة والطلبة, ولكن العيب فينا, وهو ما أسجله كمواطن مغربي حيث ألاحظ بالمقارنة مع حجم المبادلات التجارية والاقتصادية بين دولة الامارات العربية المتحدة وبين المملكة المغربية, ورغم هذا الود وهذا التفاهم العظيم ورغم الرؤية الواحدة المتقاربة, ورغم الاتصالات والمشاورات بين البلدين, رغم هذا كله ألاحظ ان حجم الاتصالات والتبادل الثقافي بين الطرفين لايزال دون الطموح, فالمطلوب ان نعمل جميعا كل من جانبه على تفعيل هذا التفاعل وبلورته, ومادمنا في ضيافة جريدة (البيان) فإنني أتقدم لا بعتاب ولكن بأمنية, ففي الوقت الذي تجد فيه تلفزيون دبي يشاهد طوال 24 ساعة في منازلنا ونجد تلفزيون أبوظبي يشاهد بكيفية اعتيادية من طرف أبنائنا ونسائنا فإن حضور الصحافة الاماراتية في المغرب هو حضور قليل, وأتذكر عندما تشرفنا بمقابلة سمو الشيخ عبدالله بن زايد وزير الاعلام في تلك الزيارة, انه أبدى لنا انفتاحه على تفعيل كل ما يتصل بالاعلام والثقافة بين البلدين, وعسى الله تعالى ان يجعل هذا اللقاء مناسبة تجد فيها هذه الدعوة, وأقولها باسمي الشخصي وعلى لسان زملائي وعلى لسان مجموع المثقفين والدارسين المغاربة, آذاناً صاغية. (البيان) : شكرا للاستاذ سعيد بنسعيد العلوي على حديثه عن الجانب الثقافي بين المملكة المغربية ودولة الامارات والمتضمن دعوته الى تفعيل الحضور الثقافي ليقوم المثقفون بالدور المطلوب كطليعة تفتح أمام شعبي البلدين أبواب التفاهم والتفاعل. وللدكتور الحسان بوقنطار مداخلة عن الجانب السياسي الذي يمثل حجر الزاوية في العلاقات المغربية ــ الاماراتية. د. الحسان أبوقنطار: من الدلالات العميقة على عمق الروابط بين المغرب والامارات العربية المتحدة هناك سابقة دبلوماسية ندرسها لطلبتنا وهي ان سفير المغرب الحالي في الامارات تم تعيينه في مطار مراكش دون المرور بالمسطرة المتبعة في ما يتعلق بالتعيينات. فخلال زيارة سمو الشيخ زايد لمراكش وكان في وداعه جلالة الملك الحسن الثاني قال له: (هاهو السيد منصوري, الذي كان باشا المدينة, خذه معك فهو سيكون السفير) , وهذا يعني ان هناك خصوصية في هذه العلاقات تتجاوز وتتخطى العلاقات الدبلوماسية العادية بين الدول. توافق سياسي مطلق ولا أريد ان أعيد ما قاله الاستاذ سعيد بنسعيد, فالواقع انني لا أجد في قراءة العلاقات الاماراتية ــ المغربية أية نقطة يمكن ان نقول انها تعبر عن نوع من التمايز في مواقف الدولتين, بل نلاحظ ان العلاقات الموجودة بين جلالة الملك وصاحب السمو الشيخ زايد والتي يجسدها التواصل المستمر بينهما رفعت الحواجز عن جميع القضايا والملفات سواء ما يتعلق منها بالحظر المفروض على العراق أو فيما يتعلق بمنظور الدولتين للصراع العربي الاسرائيلي, اضافة الى الموقف من جهود المغرب المستمرة من أجل تركيز وحدته الترابية وهو موقف مشرف على المستويين السياسي والمالي. وفي كل القضايا الاخرى التي يعرفها المحيط العربي أو النظام العربي أو النظام الدولي نلاحظ ان هناك توافقا مطلقا في موقف الدولتين, بل أكثر من ذلك نلاحظ ان هذه العلاقات لا تقتصر على الجانب السياسي فهناك جانب يمكن ان نسميه بالجانب التعاوني وقد تحدث عنه باسهاب الدكتور سعيد بنسعيد. لكن الذي نلاحظه في العلاقات الاماراتية المغربية ان الجوانب غير السياسية لا تتناسب وهذا الحجم السياسي الذي يصل حد التطابق. وفي هذا المجال اجد من الضروري التفكير في صيغ جديدة لمزيد من التخصيب في هذه العلاقات, فينبغي ان تكون هناك قنوات اتصال متنوعة لضمان الاستمرارية مثل تشكيل لجنة عليا مشتركة من البلدين تجتمع مرة في السنة على الاقل, كما ينبغي كذلك البحث في وضع اتفاقية لما يمكن ان نسميه بالمناطق الحرة بين المغرب وبين الامارات العربية المتحدة, الى جانب تفعيل الاتفاقيات الموجودة فرغم وجود اتفاقيات مهمة في المجال الثقافي لكن مع الاسف الشديد نلاحظ ان التبادل الثقافي مازال لا يساير حجم العلاقات السياسية, بل نلاحظ في كلية الحقوق مثلا ان هذا التبادل يسير نحو التقلص, فبينما كان عدد الطلبة الاماراتيين في الكلية مرتفعا في السنوات الماضية اخذ يسير نحو التقلص بشكل متواتر, ومن الطبيعي ان هذا الوضع لا يسمح بخلق التواصل الذي ينبغي ان يساير العلاقات السياسية المتميزة. كذلك نلاحظ, وهنا نتحدث كجامعيين, ان العلاقات الجامعية ما زالت دون المستوى الذي يجب ان تكون فيه, ويبدو لي ان من الضروري تأسيس جهاز وربما مركز على شاكلة ما هو قائم بين المغرب والدول الغربية يجعل التلاحم اكثر بين البلدين, فمع الاسف الشديد, رغم الادوار التي قام ويقوم بها التلفزيون مازلنا في احيان كثيرة نجهل بعضنا البعض, فهناك تصورات مسبقة من الجانبين ينبغي العمل على ازالتها, وبالتالي اعتقد ان من الضروري التفكير في القنوات الدائمة والمستمرة التي يمكن ان تسمح بتمتين العلاقات ورفعها الى المستوى الذي توجد فيه العلاقات السياسية, والاستاذ بن سعيد العلوي قدم بعض الاقتراحات التي لا يمكن لي الا ان ازكيها, وبالخصوص ما يتعلق منها بالجانب الجامعي. التاريخ.. ان حكى (البيان) : شكرا للاستاد بوقنطار, تمت الاشارة في هذه الندوة الى نقطة هامة وهي ان الصلات بين بلاد المغرب والخليج العربي قديمة قدم الزمن وخاصة عندما قامت الامبراطورية البرتغالية وبعدها الاسبانية, والاستاذ حسين ابوزينب استاذ اللغة الاسبانية والتاريخ الاسباني سيلقي المزيد من الضوء على الصلات التاريخية المغربية ــ الاماراتية, والخليجية بشكل عام. حسين ابوزينب: شكرا. شاءت الصدف ان يجمع التاريخ بين نقطتي بعيدتين جغرافيا لأن البرتغاليين والاسبان, كما تعلمون قسموا العالم بينهم, او قسم لهم البابا العالم, فجاء في نصيب البرتغاليين كل من المغرب وما في اتجاه الشرق, فربما نقول ان هذه الفترة قد جمعت بين المغرب وتلك الارض التي ستسمى بعد قرون الامارات العربية المتحدة, لذلك سنجد ان الارشيفات البرتغالية تزخر بكثير من الوثائق حول المنطقة وهي وثائق يجب دراستها لأن البرتغاليين والاسبان كانوا يدونون كل الاشياء التي يجدونها او التي يقومون بها عكس المغاربة والعرب بصفة عامة الذين لا يدونون جزئيات الاشياء بل العموميات. والارشيفات البرتغالية والاسبانية يمكن ان تسلط الكثير من الضوء على تاريخ تلك المنطقة في القرون الماضية. (البيان) : شكرا للاستاذ ابوزينب. نبقى في اطار العلاقات المغربية ــ الاماراتية لكننا ننتقل الى موضوع هام هو موضوع العلاقات الثقافية وكما تمت الاشارة دعا اعلان ابوظبي في نوفمبر الماضي الى تأسيس العلاقات الثقافية العربية على اسس صحيحة بهدف ترسيخ الهوية العربية لمواجهة كافة المحاولات الرامية الى تذويبها وفي مجال العلاقات الثقافية رأيت ان قسما كبيرا من الاساتذة يحرص على التحدث في هذا الموضوع. واعطي الكلمة الآن الى الاستاذ محمد الاوراغي. محمد الاوراغي شكرا. أود في البداية ان اشكر جريدة (البيان) اذ هي اتاحت لنا اللقاء لمشاركة اخواننا في الامارات افراح هذه المناسبة الغالية على العرب قاطبة. في الواقع, الحديث عن قطب سياسي ومفكر مثل الشيخ زايد وعن افضاله واياديه البيضاء في مجال الثقافة على وجه الخصوص قد يضيق الوقت عن حصره. واذا اردنا ان نصعد من هذه المظاهر الثقافية للكشف عن ذهنية هذا الزعيم العربي سيظهر لكل باحث يحاول ان يستقصي الخلفيات التي تعم او توجه الحركة الثقافية في الوطن العربي التي يدفعها الشيخ زايد سنجد من وراء هذه الحركة زعيما عربيا وحدويا يؤمن بأن سفينة العروبة اما ان تقلع بالعرب جميعا في سباق مع الامم المتحضرة واما ان تظل راكدة في مكانها. الشيخ زايد لا يؤمن على الاطلاق بامكان انطلاقة قطر معين لأن هناك تماسكا كما تحدث عنه الاساتذة الكرام, تماسكا تاريخيا قوميا لغويا دينيا ثقافيا, حيث لا يمكن فصل قطر عن آخر. فالشيخ زايد يؤمن بهذه الحقيقة, ويؤمن بأن العرب بيت واحد وليس عالما عربيا, فالعالم يقتضي التقسيم والشيخ زايد لا يؤمن بالعالم العربي وحتى بالوطن العربي بل بالبيت العربي الواحد تسكنه اسرة واحدة, وما يحق لفرد واحد من هذه الاسرة يعم الجميع. البيت العربي الواحد والشيخ زايد, كزعيم عربي, يؤمن اما ان نقلع جميعا أو أن نظل مع القاعدين, ولهذه الغاية تراه يوفر أسباب