السعي لتقديم نموذج مشرف للتعاون العربي من خلال المجلس الخليجي،وعلاقات ودية مع الدول الكبرى لا تخلو من الصراحة.على مدى السنوات السبع والعشرين الماضية هي عمر اتحاد الامارات عكست سياستها التزاماً قومياً ابرزته طبيعة مواقفها من مجمل القضايا الدولية والعربية . ورغم انها دولة صغيرة في المحيطين الاقليمي والدولي الا ان سياستها التزمت الصدق والصراحة ما القى بتأثيراته في اتجاه تحريك الموقف من عدد من القضايا الاقليمية لعل ابرزها الآن الموقف من القضية العراقية. وتحدد الهدف الاساسي في انتهاج هذه المواقف من الحرص على المصلحة العامة سواء على المستوى القطري او القومي. ويمثل الدور المحوري الذي يلعبه الشيخ زايد في توجيه سياسة الدولة الخارجية نقطة ارتكاز اساسية تتعلق منها هذه السياسة. وهذه السطور ليست سوى محاولة لاطلاله على سياسة الامارات الخارجية من خلال قراره في تصريحات الشيخ زايد المختلفة سواء خلال زيارته للخارج واستقباله للمسؤولين من الدول الصديقة او الاحاديث الصحفية الخاصة, وهي قراءة تلتزم حدود الرهن دون ان تتجاوز الى التحليل والذي ليس هنا مجاله. وبشكل عام يمكن تلخيص اهم توجهات سياسة الامارات الخارجية كما عكستها تصريحات الشيخ زايد فيما يلي: أــ على المستوى العربي وتتحدد اهم اسس هذه السياسة في التسامح والتعاون والتضامن. ب ــ على مستوى الصراع مع اسرائيل: تتمثل في دعم دول المواجهة العربية ورفض الخوض في اي علاقات تطبيع مع اسرائيل. ج ــ على المستوى الدولي: الحرص على علاقات ودية في اطار من الصراحة والوضوح. العلاقات العربية تميزت علاقات الامارات على المستوى العربي بالتقارب والتعاون وكان للامارات سياسة متميزة جعلتها ترتبط بعلاقات اكثر من جيدة مع كافة الدول العربية. ورغم تأكيد الشيخ زايد على ضرورة عدم التعديل على فكرة الوحدة العربية الشاملة بين الدول العربية, الا انه حرص على ان يكون الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الآخرين هو الاساس للعلاقات العربية, وتركزت توجهاته في هذا المجال على الدعوة لتوحيد كلمة العرب والتعاون والتقارب رغم الاحداث السلبية التي تمر بها الامة العربية, معتبراً ان هذا الامر سيوفر للعرب فرصة ان يجنوا ثمرته, مؤكداً على ضرورة حل اي خلافات بين الاشقاء بالحوار, ومن خلال الجامعة العربية تكريساً لمنطق التفاهم الاخوي واحترام القيم العربية الاصيلة. وضمن حرصه على مستقبل عربي مزدهر كانت دعوة الشيخ زايد لان نسخر انفسنا لدعم الاهداف والمصالح العربية, مشيراً الى اننا كعرب وكمسلمين لم نستفد من الامكانيات والثروات التي انعم الله بها علينا ووفرها لنا ولم نعرف كيف نحشد هذه الامكانيات لصالح امتنا. ورغم ما كان يشير اليه الحال من (بؤس) الواقع العربي الا انه لم ييأس من الدعوة الى اصلاحه مؤكداً انه يستدعي تكثيف الجهود من اجل تجاوز حالة الشتات التي تعاني منها الامة العربية, والسعي لاقامة علاقات عربية سليمة تقوم على اساس الوضوح والتفاهم مع اعطاء الاولوية لضرورة رأب الصدع وتنقية الاجواء في العالم العربي معتبراً انه لا يمكن تحقيق الحد الادنى المنشود من التضامن العربي الا بصدق النوايا. وانطلق هذا الحرص من الشيخ زايد على التضامن من منطلق ادراكه ان تآزر العرب والمسلمين يجعلهم قوة تضاهي الدول العظمى. العلاقات الثنائية العربية على مستوى العلاقات الثنائية اتسمت مواقف الشيخ زايد بغلبة الطابع القومي فبعيداً عن المساعدات التي حرصت الامارات على تقديمها لعدد كبير من الدول العربية اتسمت سياسة الامارات الخارجية في هذا المجال بتكثيف الجهود على رأسها جهود الشيخ زايد لرأب اي خلاف عربي وتبرز هنا جهوده في التقريب بين العراق وسوريا خلال قمة عمان العربية, وجهوده المتواصلة حاليا لتجاوز الخلاف القطري البحريني, وكذا مساندته المطلقة للبنان في جهوده لاجلاء الاحتلال الاسرائيلي او استعادة استقراره وبدء عملية الاعمار. وكان موقف الشيخ زايد بهذا الخصوص هو التأكيد على وقوف الامارات الى جانب لبنان حتى يجتاز محنته ويعود الاستقرار والسلام الى ربوعه, معلنا استعداد الدولة لتقديم اي مساعدة في هذا المجال داعياً الحكومة اللبنانية الى تدعيم الجيش والاجهزة الامنية وهو ما كان له اكبر الاثر من الاستقرار الذي ينعم به لبنان حالياً. اما العلاقات مع مصر, فحسب تعبير الشيخ زايد نفسه, فانها تعد بحق نموذجاً لما يجب ان تكون عليه العلاقات العربية. ويشار هنا الى ان الامارات كانت من اولى الدول المبادرة الى اعادة العلاقات مع مصر بعد القمة العربية بعمان اثر القطيعة مع القاهرة بسبب اتفاقيات كامب ديفيد. وتحظى القاهرة بوضع خاص في السياسة الاماراتية لما يراه الشيخ زايد من كونها تحمل هموم العرب والدفاع عن القضايا العربية المصرية. ومن هنا تفسر الامال التي علقها البعض على العلاقات المميزة بين مصر والامارات وتزايد التنسيق بينهما بشأن القضايا العربية باعتبار ما يمكن ان يمثله ذلك من تعزيز للعمل المشترك لمواجهة القضايا التي تواجه العرب في الوقت الحالي, بعد ان وصلت علاقات الكثير من الدول العربية الى وضع حرج ومؤسف, في الوقت الذي تتسابق فيه دول العالم في هذا العصر للحفاظ على حقوقها والدفاع عن مصالحها. اما على صعيد الموقف من العراق فرغم ما اشار اليه الشيخ زايد في احد تصريحاته من ان صدام حسين كان يطمع في اغلب دول الخليج, وان غزوه للكويت وما تبع ذلك يجعله مسؤولاً عن معاناة العراقيين الا ان منطق التسامح كان هو الساند في احاديث الشيخ زايد, حيث اكد اكثر من مرة ان الصيغة المثلى للتعامل مع هذا الوضع هو التسامح... فبالتسامح نستطيع ان نتآلف على حد قوله, وهذه شريعة الله على الارض فاذا كان الله خالق الكون يسامح البشر على اخطائهم الكثيرة, فما بال الانسان الضعيف لا يسامح اخاه عندما يخطىء. وسعياً الى تطبيق هذا المنطق حرص الشيخ زايد على التأكيد على ضرورة الا نيأس من تغيير نهج صدام وحسب ما قال: نطلب من الله ان يهدي صدام في يوم من الايام فربما ينتهج الطريق الذي يسره ويسر العراقيين والامة العربية, وربما يحقق ذلك ويجب الا نيأس من اتجاه اي انسان او تغييره. ولتغليب القناعة بهذا الامر وسط بعض الرفض العربي للتسامح من قبل اطراف معينة اشار الشيخ زايد الى ان التسامح في التعامل حتى على مستوى الدول ليس غريباً متسائلاً, لماذا نحن العرب لا نتسامح ونبقى على الخلاف وهناك دول تقاتلت ثم تسامحت؟! اما على صعيد العلاقات الخليجية فقد كان امل الشيخ زايد ومازال ان يظل مجلس التعاون الخليجي الواجهة المشرقة لهذه العلاقات ولتعبيره: لقد اقدمنا على تجربتنا بالامل وبالود واحترام التعهدات والرغبة في التعاون من الجميع وهذا ما جعلنا نستمر. ويسعى الشيخ زايد من خلال المجلس الى الوصول الى نمط من العلاقات يعكس الالتحام بين الشقيق وشقيقه حتى تصبح هذه العلاقات مثلاً لباقي العرب يسيروا على نهجه. ورغم التحفظات التي يوردها البعض على مسيرة المجلس, الا انه يدعونا للتسلح بالامل مؤكداً ان المجلس مستمر في مهمته وفق الهدف الذي قام من اجله وبما يحقق المعنى الحقيقي للتعاون. الصراع العربي ــ الاسرائيلي وعلى صعيد الصراع مع اسرائيل تعددت مواقف الامارات في دعم الموقف العربي واذا كان المجال يقصر عن التعرض بالتفصيل لها هنا فاننا نعرض لنماذج منها. وبشكل عام اكد الشيخ زايد ان الموقف المتراخي من قبل العرب يعد السبب الرئيسي وراء الصلف الاسرائيلي. وفي كلمات بسيطة يتساءل: لماذا لا يحدث هذا في دول العالم؟ لماذا ارض العرب والمسلمين فقط هي المستباحة وهم غير طامعين ولم يغزوا ارض الآخرين؟ ويجيب ان الخلل القائم في الوطن العربي جعل الطريق سهلاً وليس وعراً امام الطامعين والمغتصبين وهم كثر. ومن المواقف الدالة في مجال حديثنا موقف الامارات من المؤتمر الاقتصادي بالدوحة والدعوة التي تتردد حالياً لعقد قمة عربية. ففي موقف يعكس التزام الامارات بتأييد المفاوض العربي في صراعه مع اسرائيل اعلن الشيخ زايد بنبرة واضحة لا تحتمل التأويل قرار الامارات مقاطعة مؤتمر الدوحة نوفمبر 1997. وفي معرض المبررات لهذا الموقف قدمت الامارات مبررات تتسم بالمنطق والبساطة في الوقت ذاته مشيرة الى انها قررت عدم الحضور (لان اكثرية الدول العربية تعارض الاجتماع مع اسرائيل في الظروف الحالية) ومؤكدة على التزامها بالاجماع العربي) اذا اعترضنا على شيء نعترض عليه جميعاً واذا رضينا بشيء نرضى به جميعاً) حسب تصريحات الشيخ زايد لصحيفة الحياة اللندنية. واكتسبت هذه التصريحات دلالة خاصة من انها جاءت غداة تحذير وجهته وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت الى دول المنطقة من انها قد توجه ضربة الى عملية السلام ومستقبلها الاقتصادي في حال عدم مشاركتها في القمة, مما كان ينفي الى رضوخ لضغوط امريكية او غير ذلك. ومثل هذا الموقف استمراراً وتواصلاً مع سياسة الدولة من مجمل قضايا الصراع العربي الاسرائيلي الداعم للحقوق الفلسطينية, وهنا تنبغي الاشارة الى ان الامارات كانت استثناء مما اصطلح على تسميته بظاهرة الهرولة ليس تحفظا على الظاهرة وانما رفضها بالاساس وهناك مواقف دالة عديدة يشير اليها استعراض مواقف الامارات في هذا الخصوص. من جهة ثانية فقد كثفت الامارات من دعواتها لعقد قمة عربية باعتبارها مزجاً من المأزق الراهن والذي يواجهه المفاوض العربي مع اسرائيل. وكانت الامارات اكثر الدول حماساً لهذه الدعوة وتعددت نداءاتها. وازاء الخلاف الحاصل حول مكان القمة في ظل التباين بين الموقفين السوري والاردني اشارت مصادر الى ان الامارات عرضت استضافة القمة لتجاوز هذا الخلاف. وتعددت دعوات ونداءات الشيخ زايد لعقد القمة وانطلق الدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة غير مواتية, وذلك انطلاقاً مما يراه من صراحة واجبة في العلاقات. وفي ذلك اشار الشيخ زايد في احد تصريحاته الى ان العلاقات بيننا وبين الولايات المتحدة علاقة مبنية على صراحة ارادوها ان لم يريدوها فقد اعتدنا معهم دائما صراحة صافية فلم نجاملهم في يوم من الايام لا في صغيرة ولا في كبيرة. ومهما كانت دولة الامارات صغيرة او انها لاتزال في المهد الا انها لم تتخل يوماً عن صراحتها وعن شجاعتها. وكان من المواقف ذات الدلالة هنا اتهام الشيخ زايد للادارة الامريكية بأن موقفها غير عادل في قضية الشرق الاوسط, وكذلك القاءه اللوم على الدول العظمى التي تدعي العدالة والاهتمام بحقوق الانسان في الوقت الذي يقتل فيه شعب البوسنة ويطرد ويحرم من ارضه, وهو موقف ينبع من ادراك ان الدول العظمى تتحرك وفق مصالحها, وانه اذا لم يكن لهم مصالح بشأن قضايا معينة, حسب قول الشيخ زايد, فانهم يضربون بمصالح الآخرين عرض الحائط. وعلى هذه الاسس نجحت الامارات في اقامة شبكة علاقات خارجية متميزة يشهد بها الجميع.