مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية واشنطن،ترجمة ــ محمد العزبي بعد تحرير الكويت والقضاء على القوة العسكرية العراقية اعتقد الجميع ان الخطوة التالية لقوات التحالف الدولي ستكون الاطاحة بالرئيس صدام حسين ولكن عاما بعد عام تثبت الادارة الامريكية للعالم ان الخطوة الاخيرة سيترتب عليها تعقيدات ومشاكل دبلوماسية عديدة, لكن الايام قد تثبت ان هذه المشاكل قد تكون اقل اهمية من الاستراتيجية الامريكية طويلة الأمد التي تعتمد على التعايش مع صدام وتأثير هذه الاستراتيجية على الاستراتيجية الاكبر المتمثلة في السياسة الامريكية في الخليج والشرق الاوسط. ازمة العراق كشفت ثغرات في الاستراتيجية الامريكية التي تتخطى مسألة صدام فمن الواضح ان الولايات المتحدة تواجه ازمات سياسية كبرى في مناطق اخرى من العالم واستراتيجية التعايش مع صدام حسين تعقد مشاكل اخرى خاصة مع الامتثال التدريجي للعراق بشأن تنفيذ قرارات الامم المتحدة والتعاون مع اللجنة الدولية للتفتيش عن الاسلحة. بسبب التعايش مع صدام خسرت الولايات المتحدة قلوب وعقول عديدة في الوطن العربي من كافة المستويات سواء الحاكمة او السياسية والاقتصادية او الشعب وهذا بالتأكيد اثّر على التدخل الامريكي في عملية السلام بين العرب واسرائيل. احتواء صدام منذ سنوات عدة والادارة الامريكية تحاول البحث عن وسيلة لاحتواء صدام حسين او دعم نظام اخر يتولى الحكم في العراق بدلا من النظام الحالي ولكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل فالتقارير التي اعدت في واشنطن حول المعارضين داخل العراق وخارجه اثبتت ان الدعم الامريكي لاي نظام اخر قد يفيد الرئيس العراقي اكثر مما ينال منه, ولهذا يبدو ان القرار الان يميل لصالح احتواء النظام العراقي حتى ولو لفترة قصيرة ولكن المشكلة ان الادارة الامريكية لم تجد بعد الاستراتيجية المثالية لاحتواء صدام, وحتى هذه الاستراتيجية تواجهها مشاكل مثل برنامج (النفط مقابل الغذاء) الذي يضخّ الدولارات في خزائن النظام العراقي بالاضافة الى الامتثال العراقي التدريجي للقرارات الدولية وبالتالي مطالبة بغداد بعد كل مبادرة حسنة منها برفع الحصار المفروض على الاراضي العراقية منذ 1991. تأثرت عملية السلام في الشرق الاوسط بالاستراتيجية الامريكية الحالية تجاه صدام حسين فالوجه الامريكي لم يعد مقبولا بالشكل الذي كان عليه في بداية الازمة العراقية كما ان التحالف الدولي لن يكون موجودا لمساندة الولايات المتحدة في مواجهة أية مشكلة جديدة في المنطقة قد يكون بطلها العراق او اي نظام اخر فالمشاكل بين واشنطن وحلفائها تزداد بشكل مطرد خاصة الجفاء الحالي مع فرنسا وروسيا. سياسة تعليمية السياسة الامريكية تجاه صدام تبدو انها تعليمية اكثر منها دبلوماسية ولذلك تتسم بالضعف الشديد, وفقد ميزة التحالف اضر كثيرا بالسياسة الامريكية بالمنطقة فالولايات المتحدة لا تستطيع بمفردها ان تخوض حربا في المنطقة كتلك التي خاضتها ضد الجيش العراقي عام 1991 مما يدفعها لتشديد حصارها الجوي مع الاحتفاظ بحق شن هجمات جوية سريعة على الاهداف العراقية المشتبه فيها حتى تتجنب عواقب اي صراع مسلح نتيجته غير مضمونة في الوقت الراهن, ولتغطية هذا الحصار الجوي الشديد على المستوى الدبلوماسي والشعبي تواصل واشنطن التحذيرات من وجود برامج نووية عراقية واسلحة شديدة الدمار مازالت مخبأة داخل أراضي العراق. اعمق المشاكل الامريكية الحالية هي التعامل مع العراق وهذه المشاكل سوف تسوء مع الوقت بغض النظر عن مدى تعاون العراق مع لجان التفتيش الدولية عن الاسلحة فواشنطن بالتأكيد ستكون في وضع لا تحسد عليه اذا قررت الامم المتحدة رفع العقوبات عن العراق فقدرات العراق غير معروفة على وجه الدقة بالنسبة للولايات المتحدة كما انه سيكون عليها ايضا البحث عن طرق لتشديد الرقابة على العراق حتى لا يعيد بناء جيش قوي ويعيد بناء ترسانة اسلحة تقليدية مثل التي كان يملكها قبل حرب الخليج الثانية, ورفع الحظر والعقوبات عن العراق سيجعل الادارة الامريكية تبحث وبسرعة عن طرق تقوى المعارضة في داخل العراق لحكم صدام ولكن حتى هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر حيث انه سيكون على واشنطن ان تواجه التغيرات التي حدثت في نسيج الشعب العراقي بسبب الاوقات الطويلة العصيبة التي قضاها هذا الشعب تحت الحصار وقلة الطعام والدواء والأمان. النفط والغذاء اتفاق النفط مقابل الغذاء يمنح صدام اموالاً تساعد على تخفيف المعارضة والصراع داخل العراق, وبرغم ان بنود الاتفاق يتم مراقبتها بصرامة وعن كثب من قبل الامم المتحدة الا ان ذلك لن يمنع تسرب أموال كثيرة الى الحكومة العراقية, اموال النفط تقابل احتياجات الشعب العراقي ولكن صدام قد يجنب جزءا من هذه الاموال لتصنيع اسلحة والولايات المتحدة تعلم ذلك جيدا ولكنها لا تستطيع اكثر من تشديد الرقابة على اتفاق النفط مقابل الغذاء. برغم ان واشنطن تعلم جيدا انها مهما فعلت فلن تستطيع ان تراقب الاموال التي قد يحصل عليها صدام من الاتفاق الدولي ولذلك تقوم الولايات المتحدة بمهاجمة العراق بالكلمات او التهديد بضربات عسكرية من آن لآخر حتى لا يفكر صدام في استغلال الاموال المتسربة اليه في اعادة بناء آلته العسكرية, وتمارس الولايات المتحدة ايضا ضغوطا على النظام العراقي عن طريق الاعلان الدائم عن سوء استخدام هذا النظام للاموال المقدمة عن طريق (النفط مقابل الغذاء) مما يزيد من جوع الشعب العراقي ومعاناته. الاتفاق الجديد حول النفط مقابل الغذاء يسمح للعراق بتصدير ما قيمته 4,1 مليارات دولار كل ستة أشهر وهو اكثر حتى مما يستطيع العراق تصديره لان ذلك يعني ان يوميا لابد وان يكون انتاج العراق مليوني برميل, هذه الاموال الضخمة التي ستدخل الى العراق كل نصف عام تسمح للنظام العراقي بامتلاك اسلحة جديدة ومدمرة قد تجعل المجتمع الدولي يعيد حساباته تجاه عملية الحظر المفروضة على العراق خوفا من استخدام هذه الاسلحة الجديدة ضد قوات التحالف التي تحاصر القيادة العراقية وتنفذ الحظر بالقوة. برغم ان العراق في الوقت الحالي لا يستطيع تصدير مليوني برميل نفط يوميا الا انه يحاول بجدية الحصول على اذن من الامم المتحدة لشراء قطع غيار للمعدات النفطية حتى يستطيع زيادة انتاجه النفطي ليتناسب مع التعديل الجديد في اتفاق النفط مقابل الغذاء, وفي حالة موافقة المنظمة الدولية على استيراد العراق لقطع الغيار التي تحتاجها منشآته النفطية فان انتاج العراق من النفط سوف يقفز من 1,2 مليون برميل يوميا حاليا الى 2,3 مليون برميل يوميا. بالطبع لن تستطيع الولايات المتحدة محاربة اتفاق النفط مقابل الغذاء علانية لانها بذلك تكون كمن يحكم على شعب كامل بالاعدام ولكنها تستطيع فقط ان تشدد ضغوطها على الامم المتحدة وعلى العراق حتى تضمن ان الاموال التي يضخها الاتفاق لا يتسرب منها الكثير الى صدام وحكومته, والولايات المتحدة تبذل جهودا مضاعفة حاليا حتى تمنع العراق من التحايل على العقوبات المفروضة عليه والتغاضي من بعض بنودها قبل ان يصدر قراراً دولياً برفع العقوبات نهائياً عن العراق. اتفاق النفط مقابل الغذاء احد الاسباب التي تصعب من الشروع في فكرة دعم المعارضة في الخارج للإطاحة بصدام, وهنا يجب ان يعترف الجميع ان نظام صدام حسين واحدا من اكثر الانظمة في العصور الحديثة التي استطاعت ان تجمع بين بناء آلة عسكرية قوية وفي نفس الوقت الحصول على تأييد شعبي قوي وبرغم ان صدام حسين ليس محبوبا جدا بين العراقيين انفسهم الا انه وجه مقبول بالنسبة لهم وقبضته وتأثيره من القوة بحيث لا تسمح بعلو صوت المعارضة بدرجة قد تصبح خطيرة عليه في يوم من الأيام. معارضة ضعيفة المعارضة العراقية في الخارج ضعيفة ايضا بحيث لا يتصور احد في العراق ان تتولى المعارضة الحكم في البلاد فالمعارضة العراقية منقسمة على نفسها وتعاني من نقص التمويل الضروري جدا للإطاحة بالنظام الحالي, كما ان العراقيين ينظرون دائما لاعضاء المعارضة على انهم خونة وعملاء للمخابرات الامريكية حتى في احلك الظروف التي تمر بها بلادهم وبالتالي فان الولايات المتحدة تعرف جيدا انها لا تستطيع اقناع العراقيين تحت أية ظروف بان تحل المعارضة في الخارج محل النظام الذي يقوده صدام حسين وهو يعتبر في نظر البعض بطل قومي يواجه ضغوطا خارجية لا يستطيع رؤساء آخرين مواجهتها. اما الاكراد فلا ينظر إليهم العراقيون على انهم عرب والمعارضة الكردية تعرف ذلك تماما ولهذا فان تطلعات الاكراد ليست الاطاحة بصدام حسين لان الاكراد لن يحكموا في يوم من الايام العراق بل ان كل ما يطمع فيه الاكراد المتواجدين في شمال العراق التصالح مع صدام لان ذلك التصالح سيفيدهم اكثر بكثير من مواجهة النظام العراقي او الحصول على منطقة آمنة يعيشون فيها بحكم ذاتي ودون وصاية من احد. ومما سبق يتضح ان كل المحاولات الامريكية السابقة لدعم المعارضة العراقية تصب في صالح صدام حسين حيث ان دعمهم للمعارضة في الخارج اعطت الجميع سواء العراقيين او غيرهم الاحساس بان هؤلاء المعارضين مجرد دمى في ايدي المخابرات الامريكية تحركهم كيفما تشاء وبالتالي لن يسمح العراقيين ان يحكمهم عملاء امريكيين اما دعم الولايات المتحدة للاكراد فلن يجدى فدائما ينظر العراقيون للاكراد على انهم جماعة غير عربية تطمع في ارض عربية. كما ان الدول العربية لا تدعم الجهود الامريكية للاطاحة بالرئيس العراقي وايجاد بديل له من المعارضة فالعرب ايضا ينظرون الى المعارضة على انهم عملاء لأمريكا كما ان صدام حسين يروّج دائما لفكرة ان عملاء امريكا هم بالتالي عملاء لاسرائيل ولهذا سيكون البديل لصدام ان وجد من بين المعارضين خطرا على المنطقة والعرب جميعا وربما اكثر خطورة من وجود صدام حسين نفسه في الحكم. حملة منظمة وما تظهره المعارضة في الخارج من عدم جدوى الزجّ بها كبديل للنظام العراقي الحالي دفع الولايات المتحدة لوضع عدة نقاط تروّج لها لتضعف صدام وتجعل شعبه والدول المحيطة به تسعى للاطاحة به وقبول بديل لنظامه, واهم هذه النقاط هي: التلويح بان استمرار النظام الحالي لفترة اطول قد يدفع الغرب للتفكير في تقسيم العراق وهو الامر الذي ترفضه جميع الدول العربية حتى اثناء فترة الذروة في الازمة حيث اكد العرب جميعا على ضرورة وحدة الاراضي العراقية. استخدام محطات اذاعية غربية بقيادة راديو صوت امريكا ومحطات اذاعية بريطانية لاذاعة تقارير اخبارية تعدها جهات غير عراقية تركز على تردى الاحوال داخل العراق والتأكيد على ان معاناة الشعب العراقي تعود لسوء الادارة وفساد الحكومة والدكتاتورية التي تدار بها البلاد وتذاع هذه التقارير باللغتين العربية والانجليزية حتى تصل الى مسامع الجميع. محاولة اقناع الكويت والسعودية بالتخلى عن ديونهما المستحقة على العراق اذا سقط صدام ورجاله وابتعدوا عن الحكم. الاشارة الى رفع الحظر تماما عن العراق وتخفيف الرقابة المشددة على برنامج النفط مقابل الغذاء الذي تديره الامم المتحدة في حالة تولى نظام جديد بقيادة رئيس جديد للحكم في العراق. التأكيد على ان واشنطن لن تدخل في الشؤون الداخلية العراقية فيما يتعلق بقضايا الديمقراطية وحقوق الانسان وجرائم الحرب وغيرها اذا تولى اولا نظام جديد الحكم في العراق ثم تخلى هذا النظام الجديد عن بناء آلة عسكرية نووية بالاضافة الى الاعتراف بكامل الحدود الكويتية واعطاء الاكراد حكما ذاتيا محدودا وتحسين اوضاع حقوق الانسان وكذلك عدم اظهار عداء علني لاسرائيل. المشكلة ان هذه الحملة القوية تأتي متأخرة خمس سنوات على الاقل لدرجة ان هناك شكوك في ان تثمر هذه الحملة نتائج سريعة وتؤثر على العراقيين بدرجة تجعلهم ينتفضون ضد صدام حسين ورجاله.
من الملف السياسي:التعايش مع صدام حسين، عنوان الاستراتيجية الامريكية في الشرق الاوسط، بقلم:انتوني كوردسمان
