بعد ثماني سنوات من انتهاء الفصل الثاني لحرب الخليج, مازالت نتائجها الكارثية تتفاعل وتنهش البقية الباقية من لحمة التضامن العربي, واتسع خرق الخلاف والتنافر على الراتق, ولم تنقشع بعد الضبابية التي تلف اجواء وطننا, وكأنه بات مقدراً علينا تسديد فاتورة تلك المغامرة مضاعفة, ليتكسب منها فقط اعداء امتنا العربية, العاكفين على تكريس فرقتها وتنافرها وتقسيمها الى كانتونات, حتى لا تقوم للعرب قائمة. فمنذ الغزو العراقي للكويت في 2 اغسطس 1992, والامة في خندق الثارات والعداءات, والشعب العراقي محاصر, والخطط الامريكية تتوالى لتقسيم العراق وتفتيته, والعمليات السرية لم تنقطع للإطاحة بالحكومة العراقية, لتنصيب عملاء السي آي ايه, ليسهل للولايات المتحدة الامريكية السيطرة على العراق بعد رفع الحصار الظالم عنه. والمراقب لطريقة التعامل الامريكي مع العراق طيلة السنوات الثمانية يدرك ان هناك اصراراً امريكيا على ابقاء الشعب العراقي رهينة الحصار, وتجويعه وإذلاله وجعله يتجرع المهانة عبر فرق التفتيش (الامريكية) في تشكيلها ومهامها, ودفعه حسب السيناريو الامريكي للتمرد, كمقدمة لإشاعة حالة من الفوضى, تتيح لواشنطن تمرير خططها السرية للاطاحة ليس فقط بالرئيس العراقي صدام حسين, بل بكل قادة حزب البعث الحاكم, وقادة الجيش, واعادة رسم خريطة سياسية للعراق, تنزعه من سياقه العربي, وتضعه في قلب خدمة الاهداف الامريكية. وطيلة السنوات الثمانية الماضية لم تنقطع العمليات السرية للمخابرات الامريكية في شمال العراق, وفشلت اربعة عمليات كبرى للقيام بتمرد وانقلاب ضد الحكم العراقي, اخطرها في مارس 1996 وكان فشلها مدويا.. ولكن لماذا تتبنى الادارة الامريكية العمليات السرية اسلوبا للتغيير في العراق, ولماذا تفشل كل هذه العمليات, وما هي الرؤية الامريكية لمستقبل العلاقات مع العراق, وتصورها لوجوده الاقليمي, وكيف تقيم الادارة الامريكية علاقاتها مع قادة المعارضة العراقية المتعاملون مع وكالات استخباراتها, واي دور تمنحهم لهم في عملية التغيير الانقلابي التآمري. في مؤتمره الصحفي ابان ذروة الازمة الاخيرة مع العراق حول تفتيش القصور الرئاسية في شهر فبراير الماضي قال الرئيس الامريكي بيل كلينتون: اعتقد ان السؤال الذي يجب ان اطرحه واجيب عليه هو هل بإمكان اي عمل عسكري منع صدام من تطوير قدرته على انتاج أسلحة الدمار الشامل وتهديد جيرانه بها؟ واجابتي هي انني مقتنع بجدواها... وهذا هو معيار تعامل ادارتي مع العراق.. وكان كلينتون بهذه العبارة يلخص احباط الادارة الامريكية من فشل كل محاولاتها السرية للإطاحة بصدام حسين, واضطرارها لاستخدام ورقة الضربة العسكرية المباشرة. وتحت ضغوط اللوبي اليهودي بالكونجرس اضطرت ادارة كلينتون الى معاودة طرح اساليب وخطط العمل السري ضد النظام العراقي, بعد نزع فتيل الضربة العسكرية في 23 فبراير الماضي, اثر نجاح كوفي عنان في توقيع اتفاق مع العراق يتيح لفرق التفتيش الدولية بمواصلة عملها وتفتيش القصور الرئاسية. ووضعت ادارة كلينتون جملة اهداف وأساليب لعملياتها السرية المقترحة في العراق لإضعاف النظام العراقي وتهيئة الاجواء لعملية كبرى للإطاحة به منها: انشاء محطة اذاعة لبث برامج دعائية مضادة للعراق. تأسيس ملاذات آمنة للمنشقين لاستقطابهم وتشجيعهم على التمرد ضد القيادة العراقية. اقتطاع حصة من برنامج النفط مقابل الغذاء وتخصيصها لبعض المناطق المرشحة للانفصال عن بغداد, سواء في شكل كونفدرالي او حكم ذاتي. تشجيع المبادرات والخطوات والتحركات الدولية الرامية لتقديم صدام حسين لمحاكمات مجرمى الحرب الدولية, وترويج دعاية عالمية لتشويه صورته وتصويره كمجرم حرب. الفصل بين معاناة الشعب العربي والعقوبات والحصار المفروض على العراق, وتصوير الموقف الامريكي اعلاميا, وكأنه يتعاطف مع الشعب العراقي, وتحميل القيادة العراقية مسؤولية معاناة شعبه, بهدف امتصاص الغضب العربي الرسمي والشعبي من الموقف الامريكي. استئناف الحوار مع قادة المعارضة العراقية بكل فصائلها وانتماءاتها سواء من الشمال او الجنوب, ودعمها ماليا ولو حيثيا لاتخاذ مواقف عملية, وتنفيذ ضربات مؤلمة للنظام العراقي, وتزويدها بالمعلومات الاستخبارتية اللازمة, مع التركيز على القيادات التركية الشمالية, وبعض قيادات المؤتمر الوطني العراقي. وفي نفس الاتجاه توحدت لأول مرة جهود الكونجرس مع الخارجية الامريكية ــ التي ظلت تعارض العمل السري ضد العراق ـ وتلاقت تصريحات السيناتور نيويت جنجريتش رئيس مجلس النواب ومادلين اولبرايت وزيرة الخارجية.. ففي رأي جنجريتش فان بقاء صدام حسين في الحكم يعتبر هزيمة للادارة الامريكية, ويجب اتخاذ كل خطوة تقرب من هدف الاطاحة به, لضمان عدم امتلاك العراق اسلحة دمار شامل. وفي نفس الاتجاه يدعو السيناتور ترينت لوت زعيم الاغلبية في الكونجرس الى اتخاذ كل الاساليب الكفيلة بإقصاء صدام عن الحكم, وازاحة كل النخبة الحاكمة. وتتفق اولبرايت مع الكونجرس وتدعو الى تشجيع المعارضة العراقية, والاعداد لمحاكمة صدام حسين دوليا كمجرم حرب. وفي سيناريو شبه مكتمل يطرح بعض القادة الامريكيين وزعماء الكونجرس خطة ذات مسارين استراتيجيين, الاول لكسب الشرعية وتقوية حكومة انفصالية في العراق باسم (العراق الحر) بقيادة رموز معارضين وثيقي السلطة بالمخابرات الامريكية, والثاني يهدف الى نزع الشرعية عن حكومة صدام حسين, واضعاف النخبة الحاكمة وتقويضها. ويتبنى هذه الاستراتيجية مجموعة من خبراء مجلس الامن القومي الامريكي يقودهم السيناتور الجمهوري السابق ستيفن سولارز, وتضم مساعد وزير الدفاع السابق ريتشارد بيرل. وتحدد لجنة سولارز عدة خطوات لتحقيق وضمان نجاح هذه الاستراتيجية منها: الاعتراف رسميا لشرعية حكومة انفصالية معارضة بوصفها حكومة كل العراق. السعى لمنح هذه الحكومة المقعد العراقي في الامم المتحدة وكل الهيئات الدولية. الافراج عن الارصدة العراقية المجمدة لصالح هذه الحكومة الصديقة. تمكينها من امتلاك كل حقول النفط العراقي في الجنوب, ورفع العقوبات عن المناطق الخاضعة لحكمها. جعلها الطرف الرئيسي لتلقى عائدات النفط مقابل الغذاء وكل المساعدات الانسانية. مساعدة هذه الحكومة الصديقة لتوسيع سيطرتها عبر الاعلام والبث الاذاعي المعادى لصدام حسين. جمع ملف جرائم حرب ضد صدام حسين. ولا حق الفشل الذريع كل المحاولات الامريكية للاطاحة بالنظام العراقي, رغم تعدد تلك العمليات سواء التي استهدفت استنساخ (انطون لحد) عراقي في الشمال على غرار قائد القوات اللبنانية العميلة للاحتلال الاسرائيلي في الجنوب اللبناني, او تلك التي ركزت على استقطاب بعض الجنرالات العراقيين المنشقين لتنفيذ انقلاب قصر في بغداد. وتقاسمت الادارة الامريكية والمخابرات المركزية عمليات التغيير الانقلابي في العراق, ففي حين تبنت الادارة في ظل الرئيس السابق جورج بوش اسلوب تشجيع بعض جنرالات الجيش العراقي على القيام بانقلاب عسكري, بينت السي اي ايه برنامجاً شاملا لتقويض النظام. ويسرد ضابط الاتصال بالسي اي ايه المسؤول عن الملف العراقي تفاصيل خطته التي ظل ينفذها طيلة ثلاثة سنوات, ومنيت بالفشل الذريع. وطبقا لرواية وارين ماريك ضابط الاتصال بالسي اي ايه فان مجموعة نظمت طلعات جوية فوق المدن العراقية بما فيها بغداد لالقاء منشورات عدائية تندد بصدام حسين عشية احتفاله بعيد ميلاده, وقامت بتدريبات عسكرية لعناصر كردية في الشمال وزودتها بالسلاح, وانفقت ملايين الدولارات على شركة علاقات عامة مقرها الرئيسي في واشنطن لشن حملات دعائية مضادة للعراق وتوزيع شرائط فيديو ضد النظام العراقي. ويلقى وارين الضابط ذي الخبرة الطويلة في العمل بأفغانستان والخبير باللغة الكردية باللائمة على خطط الادارة الامريكية المتضاربة, ويحملها مسؤولية فشل عملياته السرية. ففي رأيه انه كان قاب قوسين او ادنى لاقامة منطقة حرة في الشمال العراقي يحكمها موالون (عملاء) للسي اي ايه, الا ان تخبط السياسة الامريكية افشلها. ويشير وارين بعلاقته الوثيقة مع احمد جلبى والمؤتمر الوطني العراقي والفصيل الكردي بزعامة جلال طالباني, إلا أن جلبى بعد فشل عملية اربيل نفض يده من التعاون مع السي اي ايه, وتحول الى الكونجرس ووزارة الخارجية. وهناك عملية اخرى فاشلة هي عملية اشتهرت باسم (خطة بوب) قادها عميل بارز في السي اي ايه لشن هجوم مباشر على الجيش العراقي ولاظهار قوة المعارضة العراقية وفشلت الخطة في مارس 1995, وتعاون في تنفيذها وارين. وتضمنت (خطة بوب) محاولة اجراء اتصال مع ايران لدعم المعارضة العراقية, الا ان الادارة الامريكية مدفوعة بمخاوفها من تداعيات الخطة, فسحبت موافقتها في اللحظة الاخيرة, وكانت ايران قد سربت التفاصيل للعراق. ولتهيئة الاجواء لإنجاح (خطة بوب) استأجرت واشنطن شركة علاقات عامة وشركة (لوبي) تعرف باسم (رينكرون جروب) لشن دعاية عالمية مضادة ضد العراق. وكان يترأس الشركة (جون ريندون) احد مستشاري الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر. وتدخل الكونجرس داعما خطة بوب وارسل اثنين من طاقم لجنة الامن القومي والمخابرات ضمن وفد يضم عملاء السي اي ايه الى شمال العراق, لتحضير الخطة السرية للاطاحة بصدام حسين. وكشف وارين وزميله (بوب) محاوراتهم مع العناصر الكردية طيلة 100 ساعة من المقابلات على مدى عدة شهور, بمشاركة كبار مسؤولي السي اي ايه, في محاولة لتنفيذ نفس عمل المخابرات الامريكية في افغانستان, وجاء تعيين جون امر دوتش مديراً للسي اي ايه دفعة قوية لخطة بوب, حيث ضغط باتجاه تسريع محاولة الاطاحة بصدام. ولضمان نجاح العمليات السرية قررت السي اي ايه زرع 50 من كبار ضباطها في شمال العراق, على شكل فرق عمل يتكون الواحد من اربعة الى عشرة عملاء, ومركزهم الرئيسي مدينة صلاح الدين, ولا تزيد مدة بقاء الفريق عن ستة اسابيع يتم تغييره بآخر, وكان مهامهم منحصر في ادارة عمليات المؤتمر الوطني العراقي وجمع المعلومات المخابراتية عن العراق. وقبيل شن الهجوم العسكري المرتقب ضد الجيش العراقي والمحدد له 4 مارس 1995, احيط دارين وبوب, بخطة اخرى تنفذها مجموعة مخابراتية مع بعض الضباط العراقيين لشن انقلاب للاطاحة بصدام, الا ان دارين فضل البقاء بعيدا متمسكا بخطته, في حين فشلت الاخرى, بعد تسربها واعتقل 100 ضابط واعدم 30 آخرين من المتورطين في المحاولة الانقلابية. وقبيل 4 مارس 1995 اعد وارين وبوب 20 الف مسلح كردي والف عنصر من المؤتمر الوطني العراقي وألف من الحزب الشيوعي العراقي. وفي 3 مارس 1995 ابلغ الضابط دارين جلبى وزملائه بأنه خطته تم تسريبها واختراقها من قبل النظام العراقي, وان الحكومة الامريكية سحبت دعمها, وجاءت الضربة القاصمة بوقوف مسعود البارزاني ضد الخطة, ولم يكن امام عملاء السي اي ايه الا الانسحاب من الشمال مؤقتا. الا ان فشل ثلاث عمليات كبرى للسي اي ايه لتغيير النظام العراقي, لم يثن الادارة الامريكية والكونجرس عن مواصلة العمل سعياً لاستنساخ عميل عراقي على غرار انطون لحد, لاقامة حكومة موالية لواشنطن في الشمال الامر الذي يصطدم برفض عربي واسلامي جماعي لتقسيم العراق, ومن ناحية اخرى الصراع بين الفصائل الكردية ذاتها والفشل الامريكي في جمعها داخل سلة الولاء للخطط الامريكية.