هل يرتبط مبدأ المصالحة العربية ـ العراقية بمبدأ رفع عقوبات الحصار الاقتصادي, والعقوبات الاخرى عن العراق, ام يمكن ان تجرى تلك المصالحة بارادة عربية خالصة مستقلة عن المبدأ الثاني الذي لا يملك العالم العربي امر إقراره او تحقيقه في الواقع المعاش؟ هذا هو السؤال الذي يطلُّ كلما عرض موضوع المصالحة العربية العراقية للنقاش, وفي الواقع فان هنالك صلة قوية ما بين المبدأين, الا انه لا يمكن ان يقال انه لا يمكن اجراء المصالحة العربية, ما لم يرفع الحصار عن العراق ويسترد بعض عافيته, ويمكن عوضا عن ذلك ان يقال ان تحقيق المصالحة العربية الشاملة, ربما كانت وسيلة ناجحة للضغط في سبيل رفع العقوبات المتمادية على الشعب العراقي, وهو مطلب اصبحت تميل الى تأييده مختلف المواقع في العالم العربي. اي مصالحة؟! ويمكن ان نتساءل ايضا أية مصالحة يمكن ان تجرى مع العراق؟ ذلك ان ملفات الازمة العراقية ملفات شائكة جدا, ولكن مرور قرابة عقد من الزمان على تلك الازمة التي جلبت على العراق وعلى العالم العربي مختلف المتاعب, يرجى ان يكون زمنا كافيا هدأت فيه المشاعر, وتهيأ فيه الجميع للحديث بعقل رحب مفتوح, عن مصالح العالم العربي بشكل عام, وعن تأثيرات النظام العراقي السلبية على تلك المصالح بشكل خاص. تلك التأثيرات يجب ان تخضع لتحليل ونقد وحساب وتقويم عربي رصين صارم. والنظام العراقي لم يخضع من قبل لاي حساب عربي جاد, بالرغم من انه سبق وان اوقع بنفسه ــ بحساباته الخاطئة ـ في كثير من المخاطر, وألحق بالأمة ككل كثيرا من الخسائر. ولو جرت تلك المحاسبة من قبل, فلربما استطاع ذلك النظام ان يضبط جموحه, ويتجنب غرور القوة الذي أودى به في هاوية حرب الخليج, وفي محرقة العقوبات, وفي متاهة سياسية كبرى يصعب عليه ان يخرج منها الى وضع مستقر. مثل تلك المحاسبة العربية يمكن ان تصبح بمثابة آلية دائمة للضغط على النظام العراقي ــ ان دام ــ فدراسة نمط سلوك النظام العراقي اثبتت انه نظام مطلق العنان, لا يتصرف تصرفات طبيعية, وما لم يلجم ذلك العنان ــ عربيا ــ وبشكل قوى ومؤثر, فان النظام العراقي عائد لا محالة لارتكاب حماقات اخرى في المستقبل. وحتى لا نتهم بإطلاق القول على عواهنه.. دعنا نتأمل معا هذا الدرس... ان القائد الذي يدخل في معركة حربية خاسرة تستمر, سنين طويلة, وتأتي على مئات الألوف من جنده, وعلى معظم عائدات الدخل القومي, يفكر كثيرا قبل ان ينخرط في حرب جديدة اخطر بكثير من تلك الحرب السالفة ولكن صدام حسين لم تردعه الذكريات المريرة لسالفة الحرب العراقية الايرانية, رغم انها كانت ولا تزال ذكريات حية, اذ لا يزال الآلاف من جنده اسرى حتى اليوم في ايران. لم يتمكن صدام ايضا من حساب القوة النسبية بينه وبين القوى التي سيواجهها في حرب الخليج الثانية بشكل صحيح, كما لم يتمكن من التنبؤ بشكل واضح بقدراته على المحافظة على الوحدة الداخلية لبلاده اثناء وبعد الحرب, والمحافظة على قدر معقول من الرفاهية والاستقرار الاقتصادي لبلاده اثناء وبعد الحرب.. القائد الذي يتجاهل كل تلك العوامل في حساب السياسة الخارجية, يمكن ان يحكم عليه بانه من نوع القادة (العبثيين) (اللاعقلانيين) الذين تتسلط عليهم دوافع غامضة, تؤثر في تقديراتهم للأمور, وتقودهم بالتالي الى الوقوع في كثير من المعاطب والاخطار, ولم يبرهن صدام حسين بعد على انه قد ارعوى عن ذلك النوع من الاندفاع. وبالتالي تبقى الدعوة الى انشاء تلك الآلية الضاغطة دعوة مهمة لها ما يبررها ويؤكدها. وبقى ان يكتشف العالم العربي تلك الآلية الناجعة, وان يجعلها عربية محضة, وان يجنبها من ان تصبح باي حال مطيّة للدول الكبرى. متى ترفع العقوبات؟ ان مسألة رفع العقوبات الاقتصادية عن العراق قد اصبحت مسألة وقت, وذلك بعد ان تكشف النقد العالمي لتلك العقوبات, التي تتفاخر مادلين اولبرايت بانها اقوى واعنف نوع من العقوبات سبق ان فرض على دولة ما عبر التاريخ البشري بأسره. وتبعا لذلك يبدو ان الولايات المتحدة ليست في عجلة من امرها في موضوع رفع تلك العقوبات.. وكشأنها في التصرف السياسي الدولي فان الولايات المتحدة لن تقبل برفع تلك العقوبات بمحض ارادتها, حتى ولو استجاب صدام حسين لكل شروطها, لان استمرار فرض العقوبات, حتى بعد انتقاء اي مبرر, يصب في صالح الولايات المتحدة, اذ يعطيها صفة القائد الرادع, الذي يصب عذابه على كل من تسوّل له نفسه ان يخالفه. وفي كل مرة تصطنع امريكا حائلا جديدا, وذريعة جديدة, تستبطئ بها امر رفع العقوبات. وهي ذرائع تتراوح بين الحديث عن انشاء النظام العراقي لمزيد من القصور الرئاسية, والحديث عن وضع العراق لأسلحة بيولوجية على الصواريخ. هذا وكأن انشاء القصور ينسحب نعيمه على عموم الشعب, وكأن اكتشاف امر الاسلحة البيولوجية على الصواريخ اكتشاف جديد! وفي كل الاحوال فهناك اكثر من (لوبي) ضارب في واشنطن, متخصص في التحريض على العراق, والتحذير من خطره, واعداد الدراسات واللقاءات لإقناع المسؤولين بضرورة استمرار سياسة الاحتواء وهي الاسم الرسمي لسياسة العقوبات والمسؤولين ليسوا بالطبع في حاجة لذلك التحريض. فهم مقتنعون سلفا. ولكن لنسف اي محاولة للتخلى عن تلك السياسة يجتهد ممثلو مراكز الضغط المعادية للعراق في تصور اخطار مستقبلية للنظام العراقي, وازعاج صناع قرارات السياسة الخارجية الامريكية, بتلك السيناريوهات. وهم على سبيل المثال يبلورون الاحتمالات التالية: نشوب نزاع سياسي يتطور الى نزاع عسكري بين العراق, وكل من تركيا وايران, بسبب اصرار العراق على الهجوم على الاكراد العراقيين, وتسليحه للاكراد الاتراك والايرانيين. احتكاكات عسكرية متوسطة المدى مع الولايات المتحدة, بسبب اصرار العراق على اقتحام الملاذات الآمنة. حرب استئصال يقودها العراق ضد الأكراد في الملاذات الآمنة. حرب مع ايران بسبب معاملة العراق للشيعة ودعمه لمجاهدي خلق. كارثة جديدة تتولع بسبب هجوم عسكري امريكي على العراق انتقاما من دعمه لبعض الاعمال الارهابية. كارثة مع الامم المتحدة تتسبب باصرار العراق على منع او معاكسة فرق التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل. هجوم عراقي بالاسلحة التقليدية على السفن في الخليج. حرب مع سوريا او تركيا بسبب المياه. استخدام الاسلحة البيولوجية والكيميائية بشكل عشوائي. وواضح من هذه الاحتمالات ان المشكلة مع العراق ليست هي مشكلة حرب الخليج الثانية, او اسلحة الدمار الشامل, او بقية الاجندة المعروفة, وانما هي مشكلة احتمالات كثيرة, لا اول لها ولا آخر, وهي احتمالات قد تصدق احيانا, ولكن لا يمكن بناء سياسة باكملها, كسياسة العقوبات والحصار, على مجرد وجود احتمالات, لاسيما وان الأخطار المترتبة على تلك العقوبات ربما كانت اكبر بكثير من وقوع بعض تلك الاحتمالات في حيّز التحقيق. انتظار بعض المتغيرات وفي تقدير آخرين من هذا الصنف من المحرّضين النّافذين في واشنطن, فان اي حديث عن رفع العقوبات ينبغي ان يتأجل الى بدايات القرن المقبل, وذلك بانتظار وقوع بعض المتغيرات في داخل النظام العراقي, قد تغنى عن الاستمرار في فرض العقوبات. ومن البديهي ان القبضة الحديدية لصدام حسين, وولعه بالسلطة لا يعطى اي امل في تغيير سلمى, يتم عن طريق تنازل صدام طوعا. فالأمل الوحيد هو احتمال التغيير العنيف, اما عن طريق ثورة شعبية, او انقلاب عسكري, او اغتيال سياسي. والاحتمال الأخير يبدو عند هؤلاء المحرّضين اسهل واقرب من الاحتمالين السابقين. ورغم ان الرئيس الذي قد يأتي الى السلطة عن هذا الطريق سيكون هو الآخر عنيف و(صدامى) , الا ان الكثيرين يراهنون على انه سيكون افضل من صدام حسين, او قل اقل سوء منه, وانه سيكون وهذا هو المهم اضعف منه, وبالتالي يمكن التأثير عليه, او على الاقل فهم سلوكه. وبتأثير, او باستقلال عن هذه الفرضيات تتصرف الحكومة الامريكية بشقيها البيت الابيض والكونجرس بطريقة مشابهة. ولاستشفاف ذلك الموقف الرسمي يمكن تأمل الاسئلة التي وجهها الجهاز التشريعي, ممثلا في لجنة الشؤون الخارجية بالكونجرس, التي يرأسها بنجامين قيلمان, والى الجهاز التنفيذي, ممثلا في مارتن انديك, مساعد وزيرة الخارجية الامريكية لشؤون الشرق الادنى, في الجلسة التي عقدت مؤخرا لمناقشة موضوع العراق, وقد كانت الاسئلة كالتالي: هل تزمع الحكومة الامريكية انشاء منطقة منزوعة السلاح في العراق لتنشيط اعمال المعارضة العراقية؟ هل تزمع الحكومة الامريكية انشاء حكومة عراقية مؤقتة؟ هل تزمع الحكومة الامريكية تحويل الاموال العراقية المجمدة لجماعات المعارضة العراقية؟ هل يمكن تفادي الاجراءات القانونية التي تمنع اعطاء اموال الحكومات لجماعات المعارضة, بإنشاء حكومة عراقية مؤقتة في المنفى, او في المناطق المعزولة واعطائها تلك الاموال؟ ومجرد تأمل تلك الاسئلة يكفى لتبيان اتجاهات الحكومة الامريكية. ومن خلال تلك المداولات تبين ايضا انه حتى في حالة انشاء حكومة لجماعات المعارضة, فقد كان من المقرر ان يستمر الحصار الاقتصادي على المناطق التي تسيطر عليها (حكومة المعارضة) . وقد فسّر مارتن انديك سبب حرص الحكومة الامريكية على استمرار محاصرة حكومة المنفى العراقية, بالخوف من امكان تسرب البضائع الى المناطق التي يسيطر عليها صدام حسين! وفي نفس الاتجاه سارت مداولات لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ. وكانت خلاصة مداولاتها ان إزالة اسلحة الدمار الشامل, لا يمكن ان تتم من دون ازالة صدام حسين. وفي هذا السبيل فلابد من دعم جماعات المعارضة للإطاحة به. وهذا شيء مخالف لسالف السياسة الامريكية التي كانت ترى ان الإطاحة بصدام خطأ استراتيجي, يهزّ جغرافية المنطقة, ويؤدي الى الإخلال بموازين القوى. هذا الهم الاستراتيجي الذي منع بوش من مواصلة الحرب داخل العراق, اصبح همّا ثانويا بجانب همّ تجريد العراق من الاسلحة والصواريخ, التي يمكن ان تهدد اسرائيل. بل ان احد الخبراء الذين شهدوا امام الكونجرس وهو ديفيد كاي ممثل الامم المتحدة في فريق التفتيش عن اسلحة الدمار الشامل بالعراق 1991 ــ 1992 ذكر صراحة لمجلس الشيوخ ان حل مشكلة العراق والخليج ككل لا يمكن ان تتم الا بإيقاف عمليات العنف ضد اسرائيل! وهكذا يبدو ان موضوع رفع العقوبات عن الشعب العراقي يدخل في متاهات لا تكاد تنتهي.. ومن اجل ايقاف ذلك الامر عند حده, وانقاذ الشعب العراقي مما يعانيه فلابد ان يتدخل العالم العربي بموقف موحد يضغط به من اجل إبطال تلك العقوبات, وبآلية ضغط اخرى يضبط بها النظام العراقي مستقبلاً. د. محمد وقيع الله*استاذ بجامعة اكسفورد ـ المسيسبي