تداعيات الغزو اسوأ كثيرا من العدوان في حد ذاته. هل هناك وسيلة لخروج العرب من النفق المسدود؟ امريكا واسرائيل لهما مصلحة مؤكدة في بقاء النظام العراقي. اضعاف العراق وليس تقسيمه هدف امريكي ثابت. الكويتيون وحدهم يملكون حق المغفرة والنسيان. قبل الغزو, كان العراق بحكم ثرواته النفطية والبشرية وامكانياته الزراعية وكوادره العلمية مؤهلا لدور كبير وفعال في خدمة الطموحات العربية. ... ولكن النظام العراقي لم يسقط, لا لأنه كان قادرا على الصمود, وانما لان الولايات المتحدة ارادت له ان يبقى.. ماذا يستطيع العرب ان يفعلوا لكي يوقفوا موجة تداعيات الغزو التي تهدد مصيرهم.. بل وجودهم ذاته. اذا كان الغزو العراقي للكويت قد انتهى بما يشبه المعجزة بعد اقل من ثمانية اشهر من وقوعه حينما اكتسحت عاصفة الصحراء جحافل الغزو وردتها مدحورة على اعقابها, فانتهت آثاره بالنسبة للكويت التي عادت الى اهلها, كما عادت السلطة الشرعية الى مكانها, واستأنفت حقول النفط نشاطها, واذا كانت الامور قد استقرت في الدولة الشقيقة بعد الهزة العنيفة التي اصابتها, فان تداعيات الغزو مازالت تنهش في جسد الامة العربية, ولازالت جراحها باقية بل تزداد عمقا ونزيفا يوما بعد يوم, دون ان يبدو في الأفق بريق امل يبشر بوقف النزيف وتضميد الجراح.. ولا يهم الان القول بان النظام العراقي استدرج للوقوع في الفخ الذي اوقع بالعرب جميعا معه, او ان الغزو كان نتيجة لنزعة عدوانية لا تخضع لمنطق او تحتكم لضمير, فالنتيجة واحدة. والثمن لم يدفعه الشعب الكويتي وحده, ولا حتى الشعب العراقي معه, وانما دفعته وتدفعه الامة العربية بأسرها, من حاضرها, ومستقبلها, وتطلعاتها.. فالكارثة لم تكن مجرد العدوان في حد ذاته, بكل ما حداه من غدر ووحشية وجرائم يندى لها الجبين, وانما اسوأ من هذا ألف مرة النتائج التي اسفر عنها, والتي سببت ولازالت تسبب للعرب خسائر يتبع بعضها بعضا بغير حدود.. حتى يمكن القول بان الاعداء المتربصين بالعرب والذين لا حياة لهم ولا وجود الا على حساب ضعف العرب وانحدار قواهم, لو كانوا هم الذين يدبرون الاحداث ويحركون قطعها, لما وجدوا افضل من تدبير الغزو العراقي للكويت حتى تتحقق لهم مكاسب لا حد لها على كل الأصعدة والجبهات.. وعندما نتأمل قائمة مكاسب الاعداء, وهي في نفس الوقت خسائر العرب, يصعب جدا ان نحدد ايها اعمق وابعد أثرا من سواه, فانها كلها طعنات دامية في مقاتل.. ولنبدأ بالطعنة التي اصابت طموح العرب الاول, المتمثل في حركة القومية العربية.. والتي كانت في نفس الوقت تسبب صداعا دائما لأعدائهم. وصحيح, ان تيار القومية العربية كان قد تلقى اكثر من لطمة قاسية بسبب كامب ديفيد من ناحية, والخلاف السوري ــ العراقي من ناحية اخرى, وبعض النزاعات الثانوية هنا او هناك, ولكن في الشهور السابقة مباشرة للغزو كانت هناك جهود قوية مبشرة بالنجاح وتدعو للتفاؤل بامكانية لقاء عربي شامل يتجاوز كل هذه الموانع ويضع العرب من جديد على طريق الوحدة.. فاذا بالعدوان العراقي المسلح يقضى بضربة واحدة على هذا الامل, ليزيل الصداع عن رؤوس اعدائنا لعدة سنوات وربما لعدة اجيال, واذا بالحديث عن القومية العربية يتضاءل حتى لم يعد اكثر دعاة الوحدة تفاؤلا وحماسا يجرؤ على ترديد دعواه, مكتفيا بالدعوة المتهافتة الى (ادنى حد من التضامن.. ووحدة الارادة) . لقد تلقت القومية العربية الطعنة القاتلة على يد النظام العراقي الذي ظل لسنوات طويلة يرفع شعاراتها, فاذا بهذه الشعارات تقترن عمليا في نظر الاغلبية الساحقة من الشعب العربي بالعدوان والغدر والتنكر لأبسط العلاقات الانسانية على النحو الاستفزازي الرهيب الذي اتسمت به وقائع الغزو العراقي. وقبل غزو الكويت, كان العراق بحكم ثروته النفطية والبشرية وامكانياته الزراعية وكوادره العلمية مؤهلا لدور كبير وفعال في خدمة القضايا والطموحات العربية. ومع ان هذا الدور قد ضعف الى حد ما نتيجة حرب الثماني سنوات مع ايران, الا انه قادر على استعادة توازنه بفضل مؤازرة غير منكورة من الاشقاء العرب, لكي يصبح رصيدا قويا للعرب في نضالهم من اجل حقوقهم وتطلعاتهم المشروعة. وجاء الغزو العراقي, فقضى على كل هذا.. واذا بالعراق, الدولة التي تؤهلها امكانياتها لتكون اغنى واقوى من كل جيرانها, يعانى شعبه اليوم من شظف العيش وندرة الغذاء والدواء.. وقبل الغزو, كانت الولايات المتحدة تجد صعوبة شديدة في اقناع الدول العربية بالقبول بوجود عسكري امريكي على اراضيها اما اليوم, بعد الغزو, فقد اصبح هذا الوجود مقبولا, ومشروعا, واكثر من ذلك, فان العرب يدفعون نفقاته عن طيب خاطر.. وقبل غزو الكويت كان العراق يملك جيشا قويا حديثا مجهزا ومدربا, وكان كما تبين بعد ذلك قاب قوسين او ادنى من امتلاك قدرة نووية, وكان كل هذا بلاشك رصيدا للقوة العربية.. ولكن هذا الرصيد تبدد, ولا توجد فرصة لاستعادته مرة اخرى في بلد عربي اخر غير العراق.. وهكذا نرى ان المحصلة عبارة عن مجموعة من السلبيات على جميع الجبهات, يقابلها من الناحية الاخرى تدعيم لكل المخططات والنوايا المعادية للعرب.. ولو كانت حرب تحرير الكويت او كما يسمونها عاصفة الصحراء قد اسفرت عن سقوط النظام العراقي المهزوم, لتوقفت كل هذه التداعيات. لكن النظام العراقي لم يسقط, لا لأنه كان قادرا على الصمود, وانما لأن الولايات المتحدة ارادت له ان يبقى, لانها ارادت لتداعيات الغزو ان تأخذ مجراها, على النحو الذي اخذته ولازالت تأخذه حتى الآن. ولو ان النظام العراقي تنحى من تلقاء نفسه, كما يفعل اي قائد مهزوم حتى تتوقف الخسائر عند حدود الهزيمة لما اصبح العرب في الوضع الذي يعانونه اليوم.. ولكن رغبة النظام العراقي في التشبث بالسلطة يبدو انها لا تزال اقوى من كل شعارات القومية العربية والصالح العام العربي.. وهنا يبرز سؤالان: الاول, ماذا تريد امريكا من العراق؟ وللإجابة على هذا السؤال, ينبغي ان نبدأ بحقيقة ان اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين الولايات المتحدة واسرائيل تمثل حجر الزاوية في السياسة الامريكية بالشرق الاوسط. وانطلاقا من هذه الحقيقة فان استمرار الوضع القائم في العراق على ما هو عليه يوفر لطرفي الاتفاقية مجموعة من المزايا التي يهمهما بالطبع الحفاظ عليها, وعدم التفريط فيها, على الاقل بالنسبة للوقت الحاضر.. فهما لا يريدان الإطاحة بالنظام العراقي رغم عدائهما الواضح له لان بقاءه يضمن استمرار حالة التمزق في الصف العربي, واستمرار خصم العراق من اية قوة عربية, وكذلك استمرار المبرر الشرعي للوجود العسكري الامريكي باعتباره الرادع المشروع لاية نوايا عدوانية لدى النظام العراقي.. ولكن الطرفين ايضا يهمهما اضعاف العراق كدولة الى اطول امد ممكن. ولذلك فان امريكا مصممة على استمرار العقوبات الاقتصادية, مع انها تدرك تماما ان هذه العقوبات لم تؤثر في النظام, بل تساعده على تشديد قبضته على الشعب. ولكنها بلاشك تضعف قوة العراق, وتقلل كثيرا من احتمالات اي خطر ضد مصالحها في المستقبل. وبالمناسبة, يبدو ان الرأي الغالب في دوائر صنع القرار الامريكي لا يرحب كثيرا بفكرة تقسيم العراق مع ان ذلك كفيل بإضعافه الى الأبد. ولكن هناك اعتبارات اخرى تقف ضد هذه الفكرة, اهمها ان التقسيم اذا حدث يعنى وجود دولة شيعية في الجنوب, وهذه تعنى امتدادا للنفوذ الايراني.. الامر الذي لا يتفق مع السياسة الامريكية ازاء ايران, وكذلك وجود دولة كردية في الشمال, وهذا لا يمكن ان تقبله تركيا, الحليف الاستراتيجي الثاني للولايات المتحدة بالمنطقة.. هذا من ناحية.. ومن الناحية الاخرى فان اختفاء النظام العراقي من الساحة سيفتح فورا الباب الى ضم الصف العربي ولأم تصدعاته.. كما سيفتح الباب لإعادة تعمير العراق واستعادة وضعه كرصيد للأمة العربية.. وذلك كما هو مفهوم ليس في مصلحة اسرائيل.. ولا امريكا.. هذا عن السؤال الأول.. اما السؤال الثاني فهو, ماذا يستطيع العرب ان يفعلوا من اجل وقف موجة التداعيات المتتالية وتفادى عواقبها التي لا تهدد مصالحهم فقط, بل تتهدد مصيرهم ذاته؟ ان هناك حلا واحدا, لا سبيل غيره, الا الانتظار حتى يزول النظام العراقي القائم من تلقاء نفسه, وبفعل القضاء والقدر.. غير ان الانتظار قد يدوم طويلا, خصوصا لو اخذنا في الاعتبار ان المعارضة الخارجية للنظام غير فعالة بالمرة, وان حالة القهر والعنت التي يعانيها الشعب في الداخل تجعل ثورته احتمالا غير وارد في الافق المنظور.. اذا, ما هو الحل؟ الحل هو فتح أبواب التوبة امام النظام العراقي.. غير ان هذا الحل ليس سهلا. حتى لو امتنع النظام العراقي باعلان توبته.. وحتى لو ارفق توبته بالاعتذار العلنى عن جريمة الغزو, وحل مشكلة الاسرى المعلقة الى الان, وابدى استعداده لسداد تعويضات عن الأضرار المادية الهائلة التي تسبب فيها.. نقول ان ذلك ليس سهلا لأن احدا لا يستطيع ان يطالب الكويت بان تنسى ما فعله النظام العراقي القائم بها, خلال عملية الغزو, وطوال الأشهر التي استمر فيها الاحتلال العراقي.. ومع ذلك, يبقى قبس من امل في ان ذلك ليس مستحيلا. واذا كان العرب او بعضهم على الاقل قد قبلوا بالسلام مع اسرائيل رغم كل ما فعله ويفعله الاسرائيليون بهم, تحت ضغط التغيرات في الظروف الدولية, فكيف يستحيل عليهم ان يقيموا السلام فيما بينهم تحت ضغط الضرورات الحتمية لمصالحهم ومستقبلهم.. ولكن المبادرة يجب ان تأتي من الكويتيين انفسهم, وليس من اي طرف آخر.. لان احدا, كما قلنا لا يملك الحق في الضغط على ضحايا الغزو لإقناعهم بالتنازل عن حقهم الطبيعي في رفض التعامل مع الغزاة.. هل هذا ممكن؟ نعم.. ممكن, لسبب بسيط, هو انه لا يوجد طريق آخر لخروج الامة العربية من النفق المسدود الذي ما برحوا يتخبطون فيه منذ الغزو العراقي للكويت.