لا نأتي بجديد حين نقول بأن هوة تقوم على الدوام ما بين الانظمة العربية وسياساتها وما بين الشعوب العربية وتطلعاتها, منذ نشوء الاقطار العربية في صيغتها الحالية, والتي يعود معظمها الى ما بعد الحرب العالمية الثانية والتقسيمات والتجزئة التي خطط لها الاستعمار وشجعها, او حتى فرضها فرضا. ومع تفاوت حجم هذه الهوة بين قطر عربي وآخر, الا انه لا يوجد قطر واحد تستطيع حكومته او نظامه ان يدعي بانه افراز ارادة شعبية وان كامل سياساته منطلقات مبدئية كالايمان بالقومية العربية والهوية الحضارية الاسلامية ولا نتحدث هنا من الاسلام المسيّس وضرورات الديمقراطية وحقوق الانسان والحريات العامة, فان حجج الانظمة العربية بالمقابل في ابتعاد سياساتها عن الرغبات الشعبية هي ادعاء البراجماتية السياسية في مواجهة حقائق وضغوط دولية من جهة وادعاء ضرورات الحفاظ على الامن القطري من جهة اخرى. والكل يعرف ان الحجة الاولى هي في حقيقتها ترجمة لدرجات متفاوتة من التبعية للغرب, والثانية هي سعي لتثبيت تلك الانظمة وحماية مكتسباتها وفي حين ان الانظمة, في ادبياتها وخطاباتها على الاقل, تضطر لموافقة الشارع العربي على طروحاته القومية في عناوينها الرئيسية على الاقل والاعتراف بها كمرجعية عليا, وان كانت مرجعية غير معمول بها, فان الشعوب العربية نادرا ما وافقت انظمتها على ما يسمى بضرورات التعامل مع الضغوط الدولية او ضرورات الامن, بالحد الادنى الذي يمكّن هذه الانظمة من ادعاء شرعية ديمقراطية سياساتها او يوفّر لها الحد الادنى من الاطمئنان لعدم تفاقم الرفض الشعبي لها في لحظة ما وظرف ما... ومن هنا فان الانظمة العربية, رغم ابتعادها عن الديمقراطية, تبقى مشدودة بخيط هام الى الرغبات الشعبية. واهمية هذا الخيط هو ان بقاء الانظمة يعتمد على عدم انقطاعه نهائيا. ومن هنا نشهد بين الفينة والفينة نوعا من الردّة الى القومية وحالة من التفكير عن القطرية تلجأ اليها الانظمة التي تشعر بأن وضعها تجاه شعوبها قد تأزم بما يهدد بقاءها فعلا.. ولهذا فان الاستهتار بالرغبات الشعبية العربية وعدم اخذها بالجدية اللازمة خطأ لا ينبغي للدارسين والمحللين السقوط في ظاهره الذي لا يزيد عن كونه القشرة المتساقطة لأحكام عشوائية يطلقها العامة في حالة يأس, وفي الواقع العربي الحالي الكثير مما يدعو للتشاؤم واليأس ان لم تؤخذ الامور بأبعد من ظاهرها وآنيتها... هذه المقدمة الطويلة قصد بها التمهيد لمثال محدد وحاله خاصة ظهر فيها تباين واضح, بل وتعارض عنيف احيانا, ما بين الرغبات والقناعات الشعبية العربية ومواقف وسياسات الانظمة العربية. وهذه الحالة هي التحالف الثلاثيني وحرب الخليج الثانية, ثم وبشكل اكثر وضوحا وتباينا وحّده, حصار العراق.. فمنذ البداية, ورغم وجود مخاوف حقيقية عند بعض القطاعات الشعبية في بعض الاقطار العربية من امكانية تكرار اجتياح اراضيها من قبل دولة عربية اخرى, فان مجمل الشارع العربي كان في غير معسكر حفر الباطن, ويمكن تلخيص المبررات الشعبية لرفض التحالف الثلاثيني بما يلي: اولا: بدا للشعوب التي عانت طويلا على يد السياسة الغربية, وفي مقدمتها الامريكية والبريطانية بالذات, ان قيادة امريكا لهذا التحالف هو, ببداهة ودون حاجة لبينات واثباتات, هجمة استعمارية عسكرية سياسية تشنها ذات القوى الاستعمارية على العالم العربي. وما كان لاي مبرر تدعيه قيادة هذا التحالف ان يزعزع من هذا الاعتقاد الذي يصل الى حد الايمان بسوء نوايا الغرب وامريكا بالذات, ويعزز هذا الايمان, الى جانب خبرة الشعوب العربية المريرة في ظل استعمار غربي مباشر ليس ببعيد ولم تندمل جراحه بعد, ان الهجمة على النفط العربي اصبحت اكثر من واضحة, بل واصبحت سياسة معلنة للغرب لا يجهد نفسه بإخفائها, وتتخذ اكثر من وسيلة أخطرها على الاطلاق التواجد العسكري الغربي في اراضينا لحماية المصالح النفطية للغرب.. ثانيا: ان مجرد حشد جيوش عربية في التحالف الثلاثيني ضد دولة عربية هو تصعيد لحالة الفرقة العربية التي اقلقت الشعوب طويلا, وتصعيد لها الى درجة المواجهة العسكرية ومثل هذه المواجهة في سياق استقطاب الى جانب الغزو العسكري الغربي اخطر بكثير, في مقياس الشعوب الدقيق والحساس والبديهي, من حالة مواجهة عسكرية, او غزو عسكري, ثنائي بين قطرين فقط, ما يمكن ان يقع ضمن نزاعات الحدود الناشئة اساسا عن التقسيمات الغربية لمنطقتنا بعد الحرب العالمية الثانية او اثناء استعمارها السابق للحرب لمناطق عربية.. ونزاعات الحدود ليست جديدة, وان لم تصل الى قرارات اجتياح كامل, فانها شهدت مرارا ولاتزال تشهد حالات اجتياح او ضم جزئي عن طريق القوة العسكرية لارأضٍ متنازع عليها عربيا... ثالثا: ان مثل هذا الهجوم الغربي العشري الكاسح وما تلاه من حصار اثار مخاوف الشعوب بإمكان تكراره, ان هي سكتت عنه, في اكثر من موقع عربي وضع اكثر من قطر. وكانت لدى الشعوب حالات واقطار مرشحة لتكون التالية, بسبب معرفة تلك الشعوب بحقيقة النوايا والاطماع الغربية, وحتى كنتيجة لما هو معلن من هذه النوايات والاطماع كما سبق وقلنا.. رابعا: وهذا هو الاهم, ان الشعوب العربية رأت في حرب حصار العراق جزءا من المخطط الصهيوني لتدمير العمق الاستراتيجي العربي المتمثل بالعراق, ايها قوة عربية عشرية, وأحد أبرز القوى الاقتصادية العربية, واكبر قوة تكنولوجية عربية كما تبيّن فيما بعد حين اتضحت نوايا الحصار والتدمير والتفتيش... واذا كان الوعي الشعبي العربي قد اتحد في امر دون خلاف او جدل فانه الاعتراف بالخطر الصهيوني كأكبر خطر يهدد كامل الجسم العربي ومستقبل العالم العربي اجمع. وبالمقابل فان المبررات التي ساقتها الانظمة العربية, سواء للمشاركة في التحالف الثلاثيني او لقبول ما سمي (بالشرعية الدولية) في حصار العراق, هو تبني قضية الشعب الكويتي كحالة انسانية من جهة, واثارة المخاوف القطرية لدى الشعوب من اجتياح مماثل.. وجاءت السنوات السبع ونيف من الحرب والحصار لتثبت صدق مخاوف الشعوب وسلامة توجهها وقناعاتها. فالمطامع الامريكية خاصة والغربية عامة تجلت بصورة بشعة, تجاوزت تدمير العراق ونهبه وابتزازه الى نهب وابتزاز الدول الاخرى. وكان العنوان البارز لهذا الابتزاز وهذه الهيمنة والمصالح الغربية موضوع النفط العربي. واذا كانت امريكا والدول الصناعية الغربية لم تخف منذ البداية اهتمامها بضمان تدفق النفط الرخيص اليها, فان اعلاناتها اللاحقة جاءت بصراحة تصل حد الوقاحة في الحديث عن السيطرة على منابع النفط فقط لا غير في خطابات تلك الدول الجادة, بينما بقيت ادعاءات حقوق الانسان والحريات وحماية الشعوب العربية من خطر العراق وصدام, المادة التسويقية الرخيصة في خطابها لشعوب العالم الثالث وانظمتها, وتبريرا لا يدخل قاعات التفاوض والنقاش الجاد ما بين الدول الغربية. ولكنه ورق سوليفان تلف به القرارات البشعة واللاإنسانية التي تتخذ مرارا وتكرارا من على المنابر الدولية ضد شعب العراق.. واثبتت سنوات الحرب والحصار ايضا ان لهذا التصعيد في التفرقة العربية الى حدود المشاركة في جيوش غربية غازية له اثر غير مسبوق في تكريس وزيادة الفرقة العربية. فلأول مرة اغلقت حدود عربية ـ عربية بما يشبه الاغلاق النهائي, بل ورّحل عرب عن اراضٍ عربية, وبدأت الحواجز الى درجة غير معروفة او مألوفة في تاريخ النزاعات العربية الداخلية. وزاد الامر عن هذا الى درجة تجرؤ امريكا على اعلان حلف عسكري جديد ودائم يجمع اسرائيل وتركيا وبينهما وبين العرب من الصراع ما لا ضرورة لشرح اي منه لاي كان الى جانب دول عربية اخرى.. وهذا خطر يوازي تقسيم العالم العربي وتفتيته الذي جرى في الحرب العالمية, فحلف بغداد الذي اسقط عربيا وشعبيا, كان وسيلة تكريس ذلك التفتيت وتلك العداوة. واذا كان حلف بغداد قد اسقط فور اعلانه, فان التحالف الاسرائيلي ـ التركي مازال قائما عمليا ولم يتم التراجع عن اي من تطبيقاته, وظل إنكاره مجرد مراوغة مكشوفة لا تفيد المعترض على الحلف, بل تفيد المنخرط فيه بشراء الوقت لتثبيت الامر الواقع وتحقيق العديد من اهداف الحلف الجديد. واثبتت الحصارات التالية لدول عربية مثل ليبيا والسودان, وتهديد سوريا بالحصار, وتحريك الجيوش الامريكية في الاراضي والمياه العربية بحرية لا يسمح بها ادعاء التحرر العربي من الاستعمار الغربي المباشر, لتثبت مخاوف الشعوب العربية من ان حرب وحصار العراق هو الخرزة العربية الاولى من مسبحة تم فرطها في التحالف الثلاثيني... واخيرا جاء مؤتمر مدريد وما سمي بمسيرة السلام, وما انتهت اليه من معاهدة تسليم واستسلام في وادي عربة, ومن اجهاض تام لأي حلم فلسطيني بدءا من وجود الفلسطينيين كشعب عربي مرورا بالدولة الفلسطينية التي قزمت الى حكم ذاتي منقوص, وانتهاء بالمقدسات التي تمت مصادرتها تماما في القدس كما في الخليل على حساب ليس فقط الفلسطينيين والعرب, بل العالم الاسلامي بأسره... وثبت ان المقولة القومية التي رفعها الشارع العربي منذ بدء الصراع العربي ـ الصهيوني بان هذا الصراع هو جوهر البقاء او الفناء العربي, ثبت ان هذه المقولة اكثر من صادقة. فالامر لم يتوقف عند اجهاض القضية الفلسطينية وتصفيتها, بل امتد ليضع العالم العربي بأسره حيث كان الفلسطينيون من قبل وبات على دول وشعوب العالم العربي الان والمجاورة لاسرائيل بالذات الدفاع عن بقائها وامنها ومصالحها ضد المد الصهيوني بقدر ما حاول الفلسطينيون الدفاع... ولا تأمل تلك الدول والشعوب, ضمن واقع الحال الراهن وفي حال ديمومة معطياته, بأي قدر من النجاة مما لم يتح لفلسطين وشعبها... ومقابل هذا كله فان مبررات الانظمة المحدودة في قبول حصار وحرب وعزل العراق سقطت تماما. فمبرر الامن اخر ما يمكن تسويقه الآن. ولعل اهم ما طرأ, وما قلب كل الموازين, هو معاناة الشعب العراقي بسبب الحصار. وهو ما بدأ ضمير العالم يضج له, وتدينه اصوات سياسية في الدول الاستعمارية ذاتها الى جانب الاصوات الشعبية من دعاة حقوق الانسان. وحتما سيسجّل التاريخ القريب ما حدث للشعب العراقي على انه جريمة دولية غير مسبوقة, وسيكون للاعتراف الحتمي المقبل بهذه الجريمة تداعيات عديدة لابد للانظمة العربية ان تحسب حسابها قبل الانظمة الغربية التي تستطيع ان تتغطى بغطاء الديمقراطية على الاقل, مما يحول دون ان تحاسب الشعوب حكامها في الغرب دون ان تحاسب نفسها اولا... ولكن قبولها اوتواطؤها وتمهيدها لحساب العربي للعربي وتقديمها اكباش فداء في هذا المجال تدرء عنها المسؤولية والذنب والتبعية, هو الامر المألوف والمعروف تاريخيا... وبما ان الانظمة العربية تتمتع على الاقل بالقدر اللازم من الذكاء والحنكة لبقائها فانها حقا ستصبح ميّالة الى قبول المصالحة العربية مع العراق وعودته للصف العربي. ان للتاريخ حكمه وللسياسة معادلاتها تماما كما في الكيمياء. وحين تصبح احكام التاريخ جاهزة, لابد ان تنفذ, وحين تكتمل مكونات المعادلة لابد ان تتفاعل, وكل اضافة قسرية أو حث هو مجرد وسيلة لبعض الابطاء او الاسراع ليس الا.. وعودة العراق الى المجتمع الدولي برفع الحصار عنه وعودته الى الصف العربي هو يمكن استشراقه ضمن المستقبل القريب جدا... ويبقى الفارق هو من يراهن على ماذا, وماذا يخسر او يربح في رهانه هذا... توجان الفيصل* كاتبة أردنية