الذاكرة العربية مليئة بالخلافات ولعل التاريخ لم يدون هذه الخلافات الا في فترة متأخرة عن زمانها كون المشافهة في هذه الآلام كانت عظيمة لنقل الحكمة من الاختلاف العربي مع نفسه , وفي عصرنا الحالي عصر البرمجة لن نستعيد درس داحس والغبراء وبالمقابل لا ندّعي بساطة حرب الخليج الثانية ونتبرأ من دمنا العربي الذي سال تلك الايام فازدادت بذلك القطيعة العربية واصبحت المصالحة ضربا من الخيال الشاعري عند بعض العرب متناسين ان المشكلة لا تكمن في شخصية سياسية او اعتبارية بقدر ما تطال الملايين من العرب. امام هذه الذاكرة المفعمة بالانكسار لا ننكر من جديد ان ذاكرة اخرى مليئة بالتسامح الفكري مبتعدين عن مستواه العاطفي قد عششت في خلايانا منذ بداية تاريخنا العربي, ولعل العبرة هنا لا تكمن في الشكل والمحتوى بقدر ما تطال الجوهر واطرافه كوننا نحن العرب بحاجة جديدة ومتجددة للقفز فوق جدارنا الذي وضعناه بأنفسنا ومراجعتنا الشاملة ونحن على ابواب القرن المقبل قرن العولمة. وامام اشكال العولمة المقبلة تطرح اسئلة كثيرة على وطننا العربي ومن هذه الاسئلة هل يمكن للنظام العالمي الجديد ان يسمح لنا بان نكون عضوا واحدا امامه؟ ويتفرع عن هذا السؤال هل يمكن ان يعود العراق الى شجرة العائلة العربية؟! ونقيض هذا السؤال هل يمكن ان يبقى العراق خارج الخارطة العربية؟! اذا كانت الاجابات عن هذه الاسئلة واضحة وليست بحاجة الى عناء شديد فان شكلا اخر قد يطرح وهو امكانية عودة النظام العراقي الى الوطن العربي, وليبقى هذا السؤال مفتوحا امام الاجابة لان ذلك لا يمثل سوى النظام وان مثّل الشعب في فترة من الزمن فالعراق الآن يعيش كما نعرف حالة غرائبية لا يمكن أن ندعوها (حياة) لان ابسط امور الحياة غير متوفرة عند ذلك الشعب العربي والى فترة ليست بالبعيدة كان الدواء والغذاء وامل العيش مرهونا بمحصارة الشعب وليس بمحاصرة السلطة والتاريخ يعرف ان العراق له طبيعة مميزة فبعيدا عن الامكانيات الاقتصادية التي يملكها فان حضارته وثقافته تؤكد دوره التاريخي المعروف وتدعو لاستمرار هذا الدور كونه جزء لا يتجزأ من الوطن العربي. اذا ما المشكلة في عودة العراق الى الوطن الأم؟! حقيقة ان هناك مشاكل كثيرة ولكنها لا تنبع من داخل الوطن العربي بل من خارجه وتتجلى بمجموعة من الاشكال اهمها الرفض الامريكي للتكتلات الدولية والاقليمية, فالولايات المتحدة تدرك تماما ان عودة العراق للوطن العربي سيؤدي الى كارثة امام المصالح الامريكية في حين تريده ان يبقى خارج السرب يغرد وهو مقصوص الجناحين, فمصالحها في الوطن العربي اصبحت معروفة وازدادت مؤخرا بشكل ايديولوجي نابع من مفهوم العولمة الامريكية وما يمكن ان تواجهه مستقبلا في منطقتنا الاستراتيجية (الوطن العربي) . وقد يتساءل البعض, هل تؤثر عودة العراق الى الوطن على العولمة الامريكية؟! الاجابة الواضحة ان امريكا تسعى الآن او تعتقد انها كما قال رئيسها بيل كلينتون عام 1997: (امريكا هي الامة الوحيدة التي لا يستطيع العالم ان يستغني عنها) . وهذه النرجسية تحاول امريكا ان تؤكدها عالميا بكل الاشكال حتى لو اضطرت ان تستخدم آلة حربها في وجه الشعوب وليس الحكومات, فالكل يتذكر ان الولايات ا لمتحدة كانت تنتظر على احر من الجمر ذريعة واضحة لضرب العراق وتجريب اسلحتها على الشعوب واذا انقذ الموقف من التفجير بعد اتفاق كوفي عنان وطارق عزيز في فبراير العام الجاري ونتيجة للمواقف العربية الرافضة لضرب العراق ومواقف روسيا وفرنسا والصين, فان ذلك لم يترك العدوانية الامريكية تنام تحت الرأي العام العالمي بل لعلها تنتظر التقرير الذي سيقدمه (ريتشارد بتلر) في اكتوبر المقبل حول مهام اللجنة المكلفة بنزع السلاح من العراق, وهذا التقرير النصف سنوي تنتظره الادارة الامريكية, رغم معرفتها اليومية بما يجرى في العراق. وعلى مستوى اخر فان امريكا وهنا ضمن مصلحتها الشرق اوسطية تسعى لبقاء العراق خارج (الوطن) عبر سفيرتها الدائمة (اسرائيل) واذا تناست الولايات المتحدة للحظة واحدة مصالحها في المنطقة فانها لا يمكن ان تنسى مصالح اسرائيل وامنها وامانها رغم انها تدرك تماما ان الخطر الحقيقي يتمثل في اسرائيل ومفاعلاتها النووية المحروسة من الادارة الامريكية بترسانة عسكرية مدمرة استطاعت ببساطة ان تدمر المفاعل العراقي عام 1981 مدعية انه يشكل خطرا على امن المنطقة. تناوب هذه المصالح يجعلنا نفكر بشكل جدي في عودة العراق او بقائه خارج دائرته الحقيقية والبقاء خارج الدائرة يعنى الزوال وببساطة اكثر هل يمكن ان نتصور الوطن العربي على الخارطة دون العراق؟ واذا تصورنا ذلك فإن الامر بلاشك يدعو الى تساؤل آخر وبسيط ايضا من حيث الشكل الخارجي, ما هو شكل الخارطة العراقية وهل ستبقى كما هي؟! لا يغيب عن ذهننا هنا ان الولايات المتحدة بعولمتها وشرق اوسطيتها واسرائيلها لم تكتف حتى بأسلحتها بل اوجدت حليفا جديدا في المنطقة محاولة ان تبقيه ضمن دائرتها كي تهدد اية قوة عربية وهذا الحليف بالطبع هو تركيا فدور تركيا بالتوجيه الامريكي اصبح واضحا ومقروءا بشكل جيد وخاصة في تحالفها مع اسرائيل الموجه ضد سوريا بشكل خاص وضد العرب بشكل عام. والتحالف الآخر للسلطنة التركية يبرز في ابعاد العراق عن الوطن العربي بل يسعى الى تقسيم العراق بمباركة امريكية تجلت بأشكال مختلفة نذكر منها بل اهمها: ان تركيا اقامت حزاما امنيا داخل كردستان مدعية ان ذلك يؤمن حمايتها من عمليات (حزب العمال الكردستاني) وسعت في الوقت ذاته الى تحسين علاقاتها مع الأقلية التركمانية في العراق محاولة إثارة قضية الاقليات في هذا الوقت الحرج. الشكل الآخر يتصف بثنائية اكثر تلاحما بين امريكا وتركيا حيث وعدت الاولى ان تزيد من مساعداتها للأكراد بل تؤمن لهم مصدرا اقتصاديا كبيرا من نفط الشمال وبذلك تضرب عصفورين بحجر واحد فهي ستساعد الاكراد ضد العراق وستساعد تركيا بان تتخلص من قسم كبير من اكراد تركيا حين يلجؤون الى كردستان للعمل فيها فتقل بذلك مشاكل جنوب شرق تركيا وهذين العصفورين غير مهمين امام الهدف الرئيسي لتشريد الخارطة العراقية وضرب كيانه من الداخل والاطراف وتوجت الادارة الامريكية ذلك بالمصالحة التي قامت بها بين زعماء اكراد العراق جلال الطالباني ومسعود البارزاني!! هذا التراكم السياسي والعسكري الذي يتجه اول ما يتجه نحو شعب العراق لابد انه يشكل حالة مدروسة الترتيبات الجديدة التي تسعى اليها الولايات المتحدة وتحاول باستمرار ان تؤكد سيطرتها على الموقف لابقاء المنطقة في حالة توتر اول ما يتوجه نحو ضرب الاستقرار النفسي ثم الاستقرار الاستراتيجي الذي بات المسعى الضروري للنهوض السياسي بكل اشكاله, وامام ذلك فان إمكانية عودة العراق للوطن ستكون بلاشك افشالا لكل المخططات الغربية الساعية باستمرار لمصالحها على الارض العربية. امام الادراك الحقيقي الذي ينير شكل بيت الوحدة العربية وهو بلاشك عند العولمة الغربية وتحديدا الامريكية ظلال سوداء قد تؤدي الى انهيار النظر وتحطمه في العيون الزرقاء المشرقة بشراستها. وعمليا لا يمكن ان تستغني هذه القوى عن تطلعاتها المستقبلية في السيطرة ولكن امام ذلك كيف نستطيع ان نرى الشكل المقبل لمجموعة الارهاصات العربية؟! في قضية العراق وعودته تبدو اشكال العودة مختلفة على مستوى البيوت العربية الحالية, ولكن والكل يعلم ان الخطأ الذي ارتكبه العراق كان فادحا فهل نحن سنواجه هذا الخطأ بخطأ اكبر قد يدمر هذا البلد العربي من جديد ويبقيه خارج الدائرة الفاعلة وحيدا يعيش شعبه معاناته بصمت وانكسار ام انه من الواجب القومي ان نساعد العراق لكي يحيا من جديد حاملا معه مستقبلا للاطفال الذين حرموا من كل شيء هؤلاء الذين ينتظرون طفولتهم وهي الغائبة في لقمة تسد الرمق او حبة دواء تنقذ الروح. فالعطف هنا ليس مطلبنا لان الحق لذلك الشعب في العيش هو بديهية تأخذ بعدها في الروح العربية والدم العربي دون خطابية او ثورية عاطفية لان شكل الحق شكل متبادل بين أبناء الاب الواحد. فالوحدة العربية لا يمكن ان تقوم بعيدة عن العراق وبأي شكل من اشكال هذه الوحدة والتكامل الاقتصادي العربي وشكله المرجو في السوق العربية المشتركة لا يمكن ان يكون دون قدرات العراق الاقتصادية والبشرية وابعد من ذلك فان استراتيجية المنطقة ستبقى في حالة تناثرية اذا ما ظلت العراق بعيدة عن فعلها الحقيقي الذي يعيد الصواب الى تفكيرها وحقها في العيش العربي رغم الاخطاء التي ارتكبتها. هذه التصورات وبموضوعية قد تكون الآن ضربا من الخيال ولكنها في الحقيقة هي واقع مرجو, وهذا الواقع لا يمكن ان يتحقق دون ان يعتمد العرب على انفسهم ويحلوا مشاكلهم بأنفسهم دون رعاية او وصاية ودون النظر الى عقدة الغرب المسيطر والقوي والكل يعلم ان امريكا لم تتراجع عن موقفها بسبب اتفاق عنان ــ عزيز بل لأن الامة العربية رفضت ان يضرب شعبها في العراق نتيجة الوعي الذي تمتعت به الدول العربية من ان ضرب العراق يشكل ضربا حقيقيا لكل العرب. وامام هذا هل نكف عن جلد انفسنا ونفكر بموضوعية عن مكانتنا في عالم لايزال يضجّ بعولمته وأحادية سيطرته ام نبقى نعلق تراجعنا على حبل الخطأ العراقي. *كاتب وصحفي فلسطيني مقيم في دمشق